الأربعاء

طقس جدة اليوم غاية في الروعة. أردت إنجاز خطواتي بجوار البحر، ترددت في البداية بعض الشيء كسلًا من المشوار لكني حزمت أمري من باب التغيير وكسرًا للروتين كما أني سأبدأ تجربة أماكن مشي مختلفة، مللت الممشى الذي أمشي به منذ ما يقارب ثمانية أشهر! تجربة اليوم كانت محفزة لتكوين قائمة أماكن متنوعة.

أما عن الهواء كاد أن يطيرني، نسيمًا طيبًا ينعش الروح وقبلها الرئتين، كنت آخذ شهيقًا أعتقد من عمقه سعدت كل الحويصلات الهوائية. قطعت المسافة مرتين لأصل إلى عدد خطواتي اليومية، علمًا بأن ساعتي تخبرني أني قد حققتها وتجاوزتها لكن اعتمادي على تطبيق في الجوال خاص لحساب الخطوات. الساعة ترافقني طوال الوقت وهي الأدق لأنها تحسب خطواتي الفعلية أو أقرب ما يكون لها أما الجوال فأنا أتركه في حقيبتي خلال الدوام وباقي اليوم لذا تكون خطواتي أقل وأستغل هذا الفارق فرصة لحساب خطواتي أثناء المشي فقط دون حركاتي طوال اليوم. فتكون الساعة تتجاوز التطبيق بما يقارب ثلاث إلى أربع آلاف خطوة، في حين أن التطبيق يسجل خطوات المشي وحدها ومن خلاله أحقق هدفي بعيدًا عن نشاطي اليومي. ولا أتذكر لم توقفت فجأة وصورت الساعة -الصورة في الأعلى-؟ على الرغم من أني استمريت بعدها بالمشي كيلو ونصف إضافي. مرة أخرى، الهواء اليوم مميز ومختلف.


“راح ينسحب داخل نفسه.” “رسالة مجازية، لكنها في تمام الوضوح.” لأني أنوي ولفترة الاكتفاء بالمدونة عن باقي التطبيقات (تويتر – انستقرام – سنابتشات) أرغب بالابتعاد وأخذ قسط من الراحة ومحاولة التركيز أكثر على ما هو أهم. هل أنجح؟ هذا ما سأعرفه في الأيام القادمة.

١٠:٠٦ص

قد يحدث أن نكوّن وجهة نظر أو رأي، زاوية خاصة بنا من منظورنا حول أمر ما لكننا نتركه على وضع: Hold. كامن هناك، نعلم بوجوده مع ذلك لم نتخذ أي خطوة تالية. صمت ولا شيء سوى الانتظار وأن نكف عن المحاولة، لا مزيد منها أبدًا بأي شكل من أشكالها. دون ميل إلى سلبية إنما الحياد في أفضل حالاته.

٨:٤١ م

أمام البحر، جلست على أقرب كرسي متاح، هناك آخر أعجبني قربه لكن سبقني إليه صديقين. أجلس بالعرض لأتمكن من مواجهة البحر. وحيدة إلا من كوب شاي مغربي ونسيم عليل يحتضنني من كل الجهات. لأول مرة منذ مدة طويلة أخرج إلى البحر وسط أسبوع لذا اخترت الأقرب اختصارًا للوقت ويبدو أنه سيكون خيارًا إضافيًا لأوقات الفراغ في قادم الأيام. أوه أخيرا وبعد دقائق هناك كرسي شاغر -أقرب للبحر- بالتأكيد انتقلت إليه. أحب هذه اللحظات الهادئة التي أقضيها مع البحر، ويزداد حبي لها عندما أكون وحدي. ألغي أي محاولة تفكير، أي تسرب لفكرة تقاوم رغبتي في عدم تواجدها. أجلس لأنصت إلى الأصوات من حولي وأتنفس ملء رئتي وأكتب، هكذا ببساطة. وأنا هنا على خلاف المشي والذي يبدو أن الأمور هناك خرجت عن السيطرة إذ من الواضح أن أقدامي أبرمت اتفاقًا مع رأسي يوجب حضورًا كثيفًا للتفكير بمجرد بدئي المشي! لم أعد أستمع -كما اعتدت- إلى أي شيء، أمشي مسافات طويلة أراجع خلالها يومي وأفنّد أفكاري وأدعو الله من كل قلبي وأتمنى لو أن المسافات لا تنتهي.

وسؤالي الدائم: ما جدة لولا بحرها الممتد؟

أشخاص – شخصيات

أضيف إلى هذه المدونة نوعًا جديدًا من النصوص، نصوصًا لا تتبع حدثًا ولا تحكي قصة، بل تتبع الأشخاص.

كل ما يُكتب هنا هو محاولة للاقتراب من شخصية ما، حقيقية كانت أم متخيلة، قريبة أو بعيدة، عابرة أو مقيمة في الذاكرة. وجودها أو عدمه ليس مهمًا، فكلها تعيش في المنطقة الرمادية بين الاحتمال والافتراض.

هذه النصوص لا تهتم بما جرى، بل بمن جرى له. لا تلاحق الوقائع، بل ترصد الأثر. الحدث هنا مرفق ثانوي، والشخصية هي المتن.

كل شخصية تُكتب وهي محمولة في قلب الكاتب، أو في عقله، أو في منطقة لا اسم لها بين الاثنين. لا يمكن الجزم بمكانها، ولا التصريح بحقيقتها، لأن ما يُكتب عنها يظل دومًا احتمالًا لا اعترافًا.

قد تأتي هذه السلسلة على هيئة نصوص قصيرة، أو مقاطع متفرقة، أو بورتريهات داخلية، وقد تخترع شكلها الأدبي الخاص في كل مرة. فكل ما يُكتب هنا خاضع لمزاج الكتابة… ومزاجها وحده.

أجيال

وجدتني اليوم أمام ذاكرة وحيدة أو غربة زمنية؟ لا أعلم كيف أصف اللحظة وأنا أتحدث إلى طالباتي في الصف الثاني متوسط، أعمارهن بين 13-14 عامًا أي مواليد 2007 إلى 2008 تقريبًا. وبينما نتحدث عن التقنية تطرقت إلى تطور الأجهزة. ثم وبدون تخطيط مسبق تذكرت البيجر وكبائن الاتصال والهاتف الثابت والجوالات في بدايتها وكمبيوتر صخر والفلوبي ومشغل السيدي مع حقيبة السيديهات وطريقة اتصال الكمبيوتر بالإنترنت قديمًا من خلال سلك الهاتف والأصوات التي نسمعها والبطء الذي نعيشه والقيم بوي وأشرطة الفيديو والكاسيتات والكثير مما كان الأحدث في زمانه. شرحت لهم طريقة عمل البيجر ولم يستوعبوا فكرة كبائن الاتصال! كيف؟ يعني كيف يا ابلة مكان نروحه بس عشان نتصل؟ مو هي كباين البحر؟ في المقابل هم من جيل البلاكبيري! اتفقوا على أنه أقدم الأجهزة التي يتذكرونها.

عمري ضعف عمرهم، وهذه الفجوة متوقعة ومعروفة لكن ردة فعلهم كانت عجيبة. كنت أظن أن الفارق إلى حد ما بسيط، لكن من كم الأشياء التي لا يعرفونها ودهشتهم تسابق عدم قدرتهم على استيعاب أو تخيل ما أقوله، تحولت لجدة مشاعل، كنت أوصفها تمامًا كما تصف الجدات لحفيداتهم، شعرت وإن كانت السنوات قليلة إلا أنها تزامنت مع فترة تطور كبير جعلتها تبدو أطول؟ لا أعلم. ضحكت وتعجبت من اختلاف ذاكرة الأجيال وربما فهمت شعور من يكبرنا وهو يحدثنا عن حياتهم وماضيهم بينما نقف في أحيان عاجزين حتى عن التخيل وسؤال: كيف؟!!

عودة

أهلًا، لم أكتب هنا منذ أن كبرت عامًا إضافيًا في يونيو الماضي، ويبدو في هذا دلالة على أن الكبر قد يسلبنا بعضًا من عفويتنا. حسنًا هذه بداية درامية تناسب ليلة العودة للدوامات؟ بالطبع نعم. أكتب الآن وبجواري كوب شاي منعنع، كوبي المفضل الجديد والذي بالصدفة هو الآخر رمادي اللون كسابقه. *رشفة*

في حقيقة الأمر، كنت كما هو الحال دومًا أكتب أطول التدوينات في لحظات الوسن لتختفي دون عودة . ليس لدي ما أكتبه على وجه التحديد لكنها ليلة العودة وأي عودة هذه المرة. ومثلي يحب توثيق هذه اللحظة بأقل ما يمكن: الكتابة.


أخيرًا نعود إلى الدراسة حضوريًا بعد توقف قارب السنتين. طالباتي اللاتي ودعتهن ذاك الأحد دون علم منّا بأنه سيكون الأخير، كن في الصف الثاني متوسط وغدا يقفزن إلى الصف الأول ثانوي، وطالبات الصف الرابع إلى الصف السادس وأنا معلمتهن من السنة الجامعية الثانية إلى الرابعة! يا إلهي. هذه النقلة تربك فص إدراكنا وشعورنا بالزمن.

عودة جديدة بكل ما يرافقها من قوانين وتعليمات مدرسية وصفية، نحن المعلمات وحتى الطالبات كل شيء بالنسبة لنا مختلف تمامًا. آلية الدخول إلى المدرسة والجواز الصحي وتطبيق توكلنا وشرط الجرعتين وانقسام الطالبات إلى حضوري وعن بعد والتعليم المدمج وأقل الواجبات ولا متابعة للكتب، لا أوراق عمل توزع ودروس ومسجلة والمحافظة على التباعد بيني وطالباتي.. إلغاء كل الأنشطة التي لا تحقق التباعد، لا طابور صباحي ولا وفسحة وحتى الانصراف له طريقته. والكثير من الأشياء في غير محلها المعتاد وليس بشكلها الطبيعي. كيف؟ سيبقى هذا السؤال إلى أن نباشر ونرى.

الأقسى بالنسبة لي، استبدال تدريس الصف الرابع بالصف الأول متوسط ليكون نصابي بين علوم الصف الأول والثاني متوسط. وأنا أحب تدريس رابع لكن الظروف حالت بيننا هذه السنة. أكرر، كل شيء حتى الآن ونحن ما زلنا في مرحلة الأفكار النظرية غريب عجيب، لم يتبقى لنا سوى العمل الميداني والتطبيق لنرى إلى ماذا ستؤول الأمور.

سألت بعض طلبة التعليم العام من حولي، هل تفضلون العودة حضوريًا أم عن بعد؟ والكل اختار العودة حضوريًا. ذات السؤال إذا وجه إليهم كخيار قبل سنتين أكاد أجزم بأنهم سيختارون عن بعد. أتفهم شوقهم للذهاب إلى المدرسة حتى وإن لم يكن التعليم دافعهم. المدرسة كانت وأظنها ستبقى متسعًا ومساحة جميلة في حياة كل طالب وطالبة، قد تختلف هذه المساحة لكن خروجهم يوميًا وتغيير بيئة تواجدهم لما يقارب ثمان ساعات مع زملاء دراسة وكل ما يرافقه كان له الأثر الكبير والواضح، والذي بالضرورة أدركوه أثناء فترة التعليم عن بعد. العودة كالسابق باتت الآن أشبه بالحلم مع كل هذه الاحترازات والتعليمات والقوانين والتحذيرات.

عجيب كيف أننا مستقبلا سنتشارك ذاكرة جمعية لهذه الفترة بكل ما فيها، أفكر بالأمر على مستوى جيل خاض تجربة التعليم العادي والذي تغير اسمه إلى حضوري ثم التعليم عن بعد والآن بينهما في التعليم المدمج. كيف أننا خضنا تجارب شخصية مختلفة لدرجة كبيرة حتى وإن كانت القاعدة تجمعنا. كيف أن العودة للدراسة أكثر الأمور اعتيادية تحول ليكون أقرب للسؤال. متشوقة للحضوري وأخشى أن نعود إلى التعليم عن بعد مرة أخرى. أسأل الله التوفيق والسداد للجميع.

من هناك:
تزامنًا مع بداية عام دراسي جديد، بدأت دفتر يوميات جديد أيضًا.

29

احترت كثيرًا ووقفت أمام بياض صفحة دفتري وملاحظة الجوال والآن هنا في المدونة، أريد أن أكتب ولكن لكثرة ما أرغب قوله فقدت القدرة على تجميع أطراف الحديث. بداية لا يتجاوز احتفالي بهذا اليوم -كالعادة- سوى كتابة بضع كلمات في دفتر يومياتي. لم أكتب في دفتري أي كلمة، لكن كنت طوال الأيام السابقة أردد ما يمكنني أن أبدأ به هذه التدوينة، واختفى الآن.

بعد المرة الأخيرة التي كتبت فيها تدوينة 28 لا أظن أنني سأكتب شيء مشابه لها، كنت أفكر حصر ما حصل لي منذ كتابتها وحتى الآن لكني سأكتب بلغة سلبية وهذا ما لا أريده أن يرتبط بكتابتي بشكل دائم لكنه ظاهر في لغتي مؤخرًا.

بداية ما زلت سعيدة لكتابتي تدوينة 28 لأنها كانت أمنية قديمة منذ أن وصلت 24 عامًا وما زلت أراها شاملة لما يمكنني أن أكتبه عن حياتي في قائمة طويلة.

أما عن 29 فسأحتفل بالرقم 9 دون 20:

  1. قبل كل شيء: أخيرًا يا طلال أستطيع قول: تسعة وعشرين عام.. ضاعت وسط الزحام.
  2. لا يمكنني تجاوز أنها كانت سنة صعبة وتضاف في كونها محورية إلى سنة 2011، لكنها بوابة عبور هكذا أجدها. حياتي قبلها كانت جميلة والحمدلله، وكلي أمل بالله أن القادم أجمل لأنه بين يديه وحده. قلت أني كنت أقسم حياتي إلى قبل وبعد 2011 والآن لدي تقسيم حديث قبل وبعد 2021.
  3. كتبت سابقًا في تدوينة صغيرة عن تجربة الفقد، هذه السنة تعلمت فيها معان قاسية بشكل عام لكن الفقد سيدهم. وهنا أتحدث عن فقدي لأشيائي كاملة، لعالمي أو لما يمكن أن يختصر في كلمة “حياة” أشياء تمثل عمري كاملًا منذ سنواتي الأولى ووعي الذاكرة أو فهم الاحتفاظ ببعض الأشياء دون غيرها. فقدي لها لم يكن سهلًا لكن إذا ما نظرت للجانب المضيء تعلمت بأقل الخسائر أن الإنسان قد يعيش جريح لفترة وإن طالت لكنه بالطبع لن يموت. قد يمضي والندوب تغطيه لكنه لن يتوقف عن “العيش”
  4. تغيرتُ كثيرًا، هذا التغير بدأ منذ أزمة كورونا وامتد حتى يومنا الحالي. عندما أقول تغيرت أعني بها تلك التفاصيل الصغيرة، مثلًا عندما أجلس وحيدة مع نفسي أو عندما أجدني أمام خيارات يلزمني المفاضلة بينها. المفاضلة تغيرت والأولويات تبدلت ومستوى المسؤولية تضخم جدًا. كل هذه الأشياء تكوّن حلقة فهي نتيجة وسبب في ذات الوقت! وأنا أندهش مع كل اختلاف ألاحظه وأتعجب! ليت لدي القدرة لأسهب حول شعوري بأني فعلًا تغيرت.
  5. أكرر: أهلي وصديقاتي نعمة عظيمة في حياتي وخلال ما مررت به كان لوجودهم الأثر الكبير.
  6. كل عبارات اليقين بالله وحسن الظن مرت بمرحلة تمحيص، كنت في مواجهة مع كل جمل المواساة التي كنت أرددها لنفسي في ظروف -رفاهية- مقارنة بما عبرت خلاله. لا شيء يثبتنا مثل إيماننا يقينا بالله، لأن في لحظة رفعت رأسي ولم أجد من يمسك يدي ليس خذلانًا ولا تهاونًا وإنما هذا هو حال الدنيا. لا أحد يحمل عنك همك الكامن في قلبك، لا أحد يخفف عنك ثقلك الذي يشدك لأسفل ولا أحد يعلم بما في قلبك سوى الله. أغلقت -حرفيًا- كل الأبواب في وجهي إلا بابه سبحانه وهو القوة الوحيدة التي سحبتني في أشد أوقاتي ضعفًا.
  7. لم أكن أتخيل أن يأتي يوم وأقول فيه بأني لدرجة كبيرة فقدت كتابة يومياتي، ما زلت بالطبع أملك دفتر وأكتب فيه لكن ليس كما كنت أبدًا وهذا يجلب لي الحزن. أتعتبر هذه طريقة اعتراض لفقدي جزء كبير من دفاتر يومياتي؟ لا أعلم لكن ما أعلمه أني سأعود مهما تأخرت.
  8. طوال يوم الأحد 27 يونيو كنت خارج الخدمة ومع ذلك استيقظت أو عندما أمسكت بهاتفي وجدت مجموعة رسائل لطيفة تهنئني بأني كبرت عامًا. كان يومي مختلفًا وبدأ الاختلاف من اليوم الذي يسبقه إلى اليوم الذي يليه.
  9. أخيرًا وبحكم خبرتي في الحياة، لن أقول متواضعة لأني لا أراها كذلك -نعود للقاعدة: يحق لي في يوم ميلادي قول ما أريد- المهم: مهما كانت أيامنا صعبة أو سيئة أو ليست كما نريد، ما هي إلا فترة وستمضي. الشكل الحالي ليس الشكل الدائم لحياتنا. نصبر ونحاول إلى أن ينقذنا الله بأمره. حتى مع ظروف مثل هذه: نستمتع ولو بأقل القليل😊



    على الهامش، تدوينات السنوات السابقة:
    27
    28 < المفضلة بالنسبة لي.

إشارات مرجعية

الثلاث أسابيع الأخيرة من شوال:

أكتب الآن من نهاية شهر شوال، وطوال هذه المدة لم أكتب يومياتي في الدفتر على الرغم من حدوث الكثير مما يستحق أن يكتب. لكن لا بأس عدت وسجلت قائمة بأهم الأحداث ثم تفاصيل المهم منها. كذلك حفظت لحظاتي بعدد هائل من الصور ومقاطع الفيديو وكأني أعوض بها عدم كتابتي.

أغلب أيامي قضيتها في البيت، وخروجي كان للمشاوير السريعة كالحصول على قهوة أو غيرها. نتائج التزامي بالنظام الغذائي والرياضة محفزة جدًا خصوصًا فيما يتعلق بخسارة الدهون وما يزيدها حماسًا أني اعتمدت على تجاربي السابقة وكونت ما اعتقدت أنه يناسبني ثم حصلت على تغيرات جيدة قياسًا بفترة التطبيق. بدأت قراءة كتاب لا تولد قبيحًا لرجاء عليش، وجدته محبطًا لكن لن أكوّن رأيي النهائي قبل الانتهاء منه كاملًا، توقفت قليلًا حتى أتمكن من قراءة رواية الباب وهي من قراءات نادي كتاب الجمعة. أخيرًا التقيت زينب بعد آخر مرة منذ خمسة أشهر، كان يفترض أن تكون خرجة لكل الشلة الكريمة ولكن حالت الظروف دون فاطمة وخلود. أنا وزينب نمر بفترة صعبة وثقيلة.

احتفلت متأخرة بانتهاء السنة الثالثة من الجامعة ولكن هذه المرة بطريقة مختلفة تناسب حال السنة وصعوبتها. سجلت بخدمة التبرع بجميع الأعضاء بعد الوفاة، شعور جميل وغريب. حضرت جزء من مناقشة فاطمة الغامدي للحصول على درجة الماجستير في الأدب ومنحت الدرجة. بدأت منذ منتصف شوال برنامج تكرار لحفظ واتقان القرآن مسار وجه واحد، وأتمنى هذه المرة الالتزام حتى النهاية. عدت لخطط يوم الجمعة السابقة وقد تركتها لفترة طويلة وعلى رأس القائمة قراءة فصول من قصة الحضارة.

شوال كاملًا كان يمثل الجزء الأكبر من إجازتي، والآن في نهايته يمكنني قول رغم ثقل بعض ما حدث خلاله إلا أنه مضى بشكل مثالي إذا ما تعلق الأمر بالإجازة، كنت أشعر لحظيًا في أوقات كثيرة أني فعلًا أنا سعيدة بلحظات الفراغ هذه! وبداية شهر ذو القعدة يعني بداية العد التنازلي لنهاية إجازتي، ما زلت أرجح عودتنا في البداية عن بعد. مشاعري ومزاجي كانا معظم الوقت بحالة جيدة لكني عانيت كثيرًا مع تنظيم نومي وبشكل أدق مع مقدار ساعات نومي خلال اليوم الواحد. أتمنى مع بداية ذو القعدة أعود لكتابة يومياتي في الدفتر وكم تبدو هذه الجملة غريبة على مشاعل. ومهما حاولت لا يمكنني وصف مشاعري تجاه خوالي وأجدادي والأحفاد وقضاء وقتي برفقتهم.

في لحظات كثيرة أجدني أحذف فقرات مما أكتبه عن يومياتي لأنها تقاطعت مع تفاصيل غيري لدرجة أراها لا تصلح أن تكون ضمن تدوينة، وهذا يعيدني لسؤال قديم: هل أنا أكتب يوميات من حولي ضمن يومياتي؟ متى وأين لابد أن أقف؟ أيامي لن تكون خالية من وجود شخص واحد الأقل وفصل كل من حولي ومنع إدراجهم يبدو ضرب من خيال.

نحن فيما نقرأ

بداية:
الجملة: مجموعة الكلمات أو الألفاظ التي تكوّن معنًى أو عدّة معانٍ تامّة مفهومة في مُجملِها. 
العبارة: وَحدة لغويّة أصغر من الجملة، وتعبّر بدورها عن معنًى خاصٍّ وجيز. ومن العبارات ما يُصطلَح بالعبارة الاصطلاحيّة، وهي جزء من جملة تأتي كلماته غالبًا في نفس الصّياغة والترتيب.*

مرة في عام 2016 وجدت أني خلال قراءتي للأدب، تلفتني عبارات أو جمل يكون لها تأثيرها بمجرد قراءتها أو تعكس فكرة رئيسية أو شعور يسيطر علي أثناء تلك الفترة ويتزامن مع قراءتي لهذا العمل. ما جعلني أنتبه حينها أنني أعدت قراءة رواية ثم لفتتني تحديدات القراءة الأولى، لأنها اختلفت تمامًا عن القراءة الثانية وكنت أستغرب لماذا أوقفتني مثل هذه العبارات؟ والفرق الزمني بين القراءتين ليس قصير. كانت تحديدات القراءة الأولى باللون البرتقالي فاخترت اللون الأخضر للقراءة الثانية حتى أتتبع الفرق. القراءة الثانية كانت بعد التخرج من الجامعة وقبل الحصول على الوظيفة، بعد مرور ما يقارب سنة ونصف وحينها بدأ الملل يتسرب لجزء كبير من أيامي، كنت أقف كثيرًا أمام ما يصف الملل والسأم والضجر وثقل الأيام ورتابتها. وبعد الانتهاء من قراءة الرواية كاملة عدت للتحديدات، أتذكر جيدًا أن الفرق بينهما واضح. كل فترة تنعكس على جملها وما يهمني خلالها فأجدني أبحث عنه بين السطور وأنجذب إليه بسرعة وسهولة. لا أملك الرواية الآن وإلا كنت كتبت بعض مما حددته.

عادة التنقيب أو التتبع هذه أظنها بدأت من تلك السنة لتستمر معي إلى الآن، تزامن هذا مع إضافتي لسلسلة تغريدات في تويتر لتكون مرجعًا لما يعجبني من تراكيب لغوية وكتبت في وصفها: الجدير بالذكر أني غالبا أعجب بتركيب جملة ما أو جزء من جملة وأظل أردده، من الممكن ألا تكون جملة جديدة ولكن فجأة سمعتها بشكل مختلف ويمكن أن تكون جزءًا مبتورًا لا معنى له لكن تركيبه أعجبني، وقد تجمع بعض الأحيان الاثنين معًا: تركيبًا ومعنى. هذه السلسلة أراها -مع نفسي- من أجمل ما قمت به ونموها مستمر منذ 2016 وإلى تاريخ كتابة هذه التدوينة وصلت 280 عبارة أو جملة.

كل المكتوب أعلاه قفز إلى رأسي لأني قرأت كتاب في أثر عنيات الزيات وبعد انتهائي منه عدت لأرى ما الذي وضعت أسفله خط. بشكل واضح كنت أرى ما يشغلني في هذه الفترة من أفكار أو مواضيع ، منها:
1. الكتابة هويتها، طريقها الوحيد في البحث عن معنى.
2. تكتب بورتريهات عن ناس تعرفهم من غير أسماء.
3. “كتير بفكر إيه الفرق بيني وبينها؟ إحنا فولة واتقسمت نصين.. بس الفولة لما اتقسمت، بتاعتها مقفولة، تجتر الأفكار والآلام.. أنا بقى أقول وأضحك أو أزعق.. هي ما تعملش كده. عندي حاجة لما أخش في مشكلة تقلب معايا كوميدي، أنا بضحك لما أكون في مصيبة. أعتقد ده الفرق. هي لما تكون بتتألم ما تعرفش تقول.. تاخد وقت طويل لما تتكلم”
4. جعلني مزاجها المتقلب أحترمها أكثر، أنا لا أصدق الأفراد غير المزاجيين.
5. عنايات كانت تسجل في الصفحة الأولى من كل كتاب تملكه متى وأين حصلت عليه.
6. البوابون حرّاس الجغرافيا.
7. كانت غرّيرة ويحدوها الأمل حتى أنها تشير في يومياتها إلى نفسها بـ”هي” بدلًا من “أنا”
8. شغلت نفسها بقدر ما تستطيع.
9. التعبير الأدبي للمرأة هو أنضج معاركها من أجل الحرية.
10. الصمت حجرة مغلقة محكمة بلا نوافذ ولا أبواب ينفجر فيها الهواء بنداء استغاثة يختنق في حلوقنا، باستجابة للنداء تختنق في حلوق أعزاءنا، بكلمات مبهمة ناقصة مبتورة لا تكتمل أبدًا ولا تتشكل أبدًا، بصرخات حيوانات جريحة تحتضر في جحورها.. صرخات لا يسمعها أحد وإن سمعها لا يفهمها.
11. كانت الأوراق القليلة التي نجت نقاطًا منزوعة من نص حياة.
12. تبدأ أشياء ولا تنهيها، هناك مفرش تنقصه غرزة أخيرة، ولوحة على الحامل لم تكتمل.
13. إنها حالة فردية للبحث عن معنى.
14. هذا الصوت يضيء أكثر عندما يتكلم عن عتمة الداخل.
15. على هامش اللحظة.

والشكر موصول للإجازة وإلا فأي مزاج هذا الذي يسمح بكتابة تدوينة في الثانية ظهرًا؟ كما أنني قرأت في أثر عنايات الزيات خلال جلسة واحدة -سعيدة بذلك- وهذا يستحيل لولا الإجازة.

مؤسف

ما أمر به يكبرني يفوقني ويثقلني وبطبعي لا أتحدث ولا أشارك ما أعانيه لكن حقًا هذه المرة أنا غير قادرة. في المقابل: لا أريد سماع أي مواساة أو محاولات تخفيف أو حتى من يخبرني بأن كل شيء سيكون بخير.. أعلم كل هذه الكلمات. ما أريده حقًا أن ينتهي كل شيء بأسرع وقت ممكن وكما أرغب. ما يقارب السبعة أشهر وأنا أدور في ذات الحلقة مهما ادعيت أني بخير أنا لست بخير. أنا أحاول أن أكون بخير، أحاول أن أعود كما كنت، أحاول أن أتصالح مع حجم ما فقدته وأن تكون أيامي ممتلئة حتى لا أسقط تحت وطأة التفكير والخيبة والإحباط.. أحاول أن أكون بخير لكني حتمًا لست بخير. أقرأ، أكتب، أطالع، أخرج، أتواصل، أضحك… وأنا مثقلة، منهكة لدرجة لا يمكن لأحد أن يوافق بينها وبين ما أظهره. بعض الأحيان أرى وعيي الكبير بكل ما يدور هو سبب هذا الألم. لكن أعود إلى حقيقة كونه “ألم” ببساطة ودون أي محاولات تخفيف أو تحوير ومن غير الطبيعي وصفه بغير هذا. ولأول مرة أشعر بأني عاجزة عن التحمل أو بذل مزيدًا من الصبر ولا حيلة لي. شعور سيء والأسوأ عندما أتذكر أن كل هذا الضرر صار لسبب تافه تفاهة لا يصدقها عقل عاقل. كل ما أعانيه كان لأجل نص كتبته هنا في مدونتي! كم يبدو الأمر نكتة! وما يزيد الطين بلة، ما يضاعف وجعي أن الأذى ممن يفترض به أن يحميني من كل الدنيا وما فيها، من السند الأول والعضد والظهر الذي أتكئ عليه إذا ما ملت. وجعي ليس وجعًا واحدًا.. وجعي أوجاع وألمي آلام وحزني أحزان وخيبتي خيبات…لطالما كانت الكتابة رغم ضعف لغتي وكثرة أخطائي هي وسيلتي الأولى، كانت وما زالت وستبقى. أكتب في المقام الأول والأخير لي ومن أجلي وإن تسببت بمعضلة تمامًا مثلما يحدث الآن. لكن المشكلة ليست فيما كتبت وإنما في طريقة فهم العقل للنص الذي قرأه. كيف له ألا يهدأ؟ ألا يخف غضبه؟ ألا يراجع نفسه ويرى سوء ما يقوم به؟ كل هذه المدة وما زال مستمر في الأذى كما لو كنت ارتكبت كبيرة! مؤسف ما يحدث.

مررت في تويتر بعبارة: عدت مرة أخرى، أكتب كي لا أجنّ. أعتقد أنها مناسبة لما أقوم به الآن، هنا.