يناير 23

من هنا وهناك:

استيقظت اليوم باكرًا وكان الطقس باردًا لذا تناولنا وجبة الفطور من أمام البحر، وطوال الأيام الثلاثة الأولى من فبراير كنت أفكر في كتابة ملخص لشهر يناير، كالعادة كانت تأتيني الأفكار بل والعبارات كاملة جاهزة ورأسي على المخدة، لا طاقة لي حتى إلى كتابتها في ملاحظة الجوال.

مع بداية العام، أضفت بعض الأفكار إلى روتيني، منها ما هو يومي، وآخر أسبوعي أو شهري، الإضافة الأولى تتعلق بكتابة ملخص عند انتهاء كل شهر ميلادي، شرط ألا أبدأ الكتابة فعليًا إلا بعد انتهاء الشهر تمامًا. والجميل في الكتابة أننا من خلالها نعطي الأشياء حجمًا إضافيًا لما هي تشغله في الواقع، بمجرد أن فكرنا الكتابة عنها. مررت بتدوينات لأشخاص يكتبون تماما كما أريد، كل حدث صغير وعادي وعابر في أيامهم قادرين على تحويله إلى نص بديع، دون مبالغة: يمارسون الكتابة عن كل وأي شيء! عن الأشخاص والمواقف والكتب والحوارات والخيبات والأفكار والمشاهد والاقتباسات …. إلخ. هذا ما أردته، وكتبت فقرات حوله في رسائلي، حتى بالعودة إلى دفاتر يومياتي، تظهر وتتكرر هذه الرغبة، وهذا ما حصل في يناير، كتبت عدد جيد من النصوص القصيرة في دفتر يومياتي، يغلب عليها أسلوب الوصف، ما زلت بحاجة للكتابة أكثر، لاقتناص كل ما يمكن توسيعه في كتابة تضفي عليه لمسة أعذب!

تجاوزت معظم الأسبوع الأول من يناير، ولم أكتب يومياتي إلا في اليوم السادس مختصرة كل ما حصل، الثالث من يناير احتوى أكثر الأشياء التي رغبتها منذ عشرين شهرًا والحمدلله، الأمر أشبه بحلم لكنه حلم واقعي. وفي كتابة ملخص الشهر، يجدر بي ذكر ما فعلته، بداية أنا لا أحب التوكيدات بفكرتها الخالصة ولا أنتمي إطلاقًا لهذا النوع من التفاعل مع الحياة، حتى أني وبكل صراحة بحثت عن حكم شرعي حولها، الأمور العقائدية مخيفة بعض الشيء، بدأت كتابة بعض مما أردده، كان الأمر محاولة إمساك بما أقوله لنفسي دومًا، الكتابة قيد وتذكير، كنت بحاجة لإعادة سماع بعض القناعات.. كتبتها وأعدت قراءتها، العجيب أن لهذا أثر جيد، أرى أساسه (التذكر) عرّضت رأسي لما هو مغيب فكانت هناك استجابة جيدة.

كتبت رسالة طويلة واحدة، بدأتها وأنهيتها خلال الأسبوعين الأخيرة من الشهر، كانت مسودة طويلة.. لكن بقاؤها كثيرًا على غير العادة جعلني أرغب في حذف أجزاء منها واختصار أخرى، ما زال يدهشني فعل المشاركة، كيف ولماذا نرغب في مشاركة شخص دون غيره؟ غريب عجيب أمر الإنسان.

يناير يعني عودتي للقراءة، قرأت خلاله مجموعة من الكتب بشهية واسعة، النص والحياة ثم ماركوفالدو ثم قراءات من أجل النسيان ثم لن تتكلم لغتي وأخيرًا إعادة قراءة كتاب أسرار صغيرة. بدأت كذلك فكرة عمل قائمة في تطبيق Google maps للأماكن التي أذهب إليها بالطبع ليست كلها إنما المميز منها مع تقييمها وكتابة شيء قصير جدًا. مشيت في يناير كثيرًا، تطبيق الخطوات يخبرني بالجزء الذي يكون الجوال برفقتي، قاربت على 140 ألف خطوة، بمعدل 5000 يوميًا، لكني بالتأكيد أمشي ضعفها.

لحظات لا تنسى:

وصفها يختصرها، هي لحظة واللحظة لغويًا: الوقت القصير بمقدار لحظ العين. لكنها لحظة تحمل معنى يفوقها طولًا وعمقًا، وهنا بعضها وليس كُلها.

  1. في الحادي عشر كتبت: وفي غمرة شعوري المثقل تلقيت اتصالًا من — عند الساعة 7:51م حول — كان الاتصال كالماء للظمآن.
  2. في السادس عشر كتبت: طلب اتصال، ثم نص جميل ومكالمة لـ 18د حركة تعني لي الكثير، وجاءت في وقتها.
  3. العشرون: كنت في مقهى وكتبت كما لو أنها المرة الأولى التي أواجه فيها نفسي، ساعة من الكتابة وصفتها: المكان هادئ نسبيًا، على الأقل استطعت كتابة وتفريغ كل الزحمة والفوضى التي ملأت رأسي لأيام، ما زلت أكتب وأظنني سأستغرق مزيدًا من الوقت، ملئت دفتري بالكثير من علامات الاستفهام، هذه الأسئلة هي وأفكارها ما رافقني في جميع أوقاتي طوال الأسبوعين الماضية، وبالتحديد أثناء قيادة السيارة، كنت -على غير العادة- لا أريد الاستماع إلى بودكاست أو موسيقى، لا أريد أي صوت سوى رأسي! أو كما يقول ساراماغو: لا شيء من أي شيء. انتهت فترة (التخمير) وحان وقت إخراجها للنور، كتابتها، مواجتها والوصول إلى نقاط ترضي جميع الأطراف (أنا وأفكاري*ضحكة*) على الرغم من كونها فترة مليئة بالأسئلة، لكن في الجهة الأخرى.. هي فترة هادئة، لا انتظارات ولا توقعات، إنما لحظات وأيام لتعاش، وهذا فضل عظيم فالحمدلله دائمًا وأبدا.
  4. في الثالث والعشرون: كتبت نصًا في لحظة شعور كثيف، لحظة مختلطة من غضب وخيبة حولتهما إلى نص أدبي كتب بطريقة لا أعلم كيف وصلت إليها، أعجبتني جدًا إلى الحد الذي يمنعني من مشاركتها في أي مكان!!! قبل هذا اليوم كنت بحاجة للاطمئنان، ولاتصال لا من أجل تبادل أي شيء سوى الحال والأخبار! وحماسي واندفاعي كانا واضحين… ثم صار واتصلت، وبعدها ماذا؟ أُغلقت المكالمة في وجهي 🙂 لحظة عصية عن الفهم! حاولت إعادة صياغة ما حصل، ربما مشكلة في الشبكة، أو انتهت بطارية الهاتف أو حدث أمر ما… لم أرغب فهم ما حصل فعلًا! ولا أريد الإسهاب لأني حتمًا سأقول ما (يزعّل) فالأمر لا يبرر لو كنت أنا لقلت ببساطة: معليه بس حابة أقفل! أي شيء به لمسة ذوق أو أدب أو احترام، قد أتفهم لكن هذه المرة بالذات أصبت بخيبة لشعوري الذي يسبق هذا الاتصال، أتفهم لكن الزعل موجود، وعوضًا عن أي فعل كتبت ما يمكنني تصنيفه إلى أجمل ما كتبت منذ فترة طويلة جدًا. نص جميل بفكرته وهو لا يشبه الحدث في شيء إنما أشبه ما يكون بانتقام لي بطريقة أدبية هههههههه.

شخصيات:

كان على خلاف ما اعتدنا عليه من البشر، يجذبه إغلاق الأبواب والنوافذ الموصلة إليه، وإعادة القادمين إليه رجوعًا قسريًا إلى حيث أتوا، يشعرهم بثقلهم وغرابتهم التي هي ربما انعكاسًا لشعور ما يسكنه. الأكيد رغم كل هذا، أن ما هو عليه الآن، ليست نسخته الأصلية، أكاد أجزم بأن هناك نسخة أفضل مخبئة في مكان ما، قد تكون الظروف تحول دون ظهورها، لكن حتمًا موجودة.

كتاب: قراءات من أجل النسيان

حلل عبدالسلام بنعبد العالي في كتابه قراءات من أجل النسيان، جائحة كورونا تحت عنوان (سنة القطيعة) تحليلًا عميقًا، يبدو لمن عايشها كما لو كان مراجعة شاملة لتلك الفترة بتجاربها المختلفة. وقال أنها ذكرته برواية الطاعون، وهي مما حرصت على قراءته خلال الفترة الأخيرة من الجائحة. 🤝

يقول عن الرواية:
❞ كان للجائحة، ككلٍّ ما يترتَّب عن تجدُّد العلاقة بالموت، وَقْعٌ شديدٌ على «الوضع» الأنطلوجي للفرد، ذكَّرنا بما كانت شخوص رواية الطاعون لألبير كامو تطرحه من أسئلة. لا عجب أن ترتفع مبيعات تلك الرواية عند الجائحة، بشكل مدهش سواء في فرنسا أو في إيطاليا. فهي كانت تصوِّر مختلف أشكال ردود الفعل ❝

يصف بنعبد العالي سنة جائحة كورونا بأنها كانت سنة ذات تحولات جذرية على مستويات عدة، بحيث أعدنا النظر في الكثير من الثوابت، إلى الحد الذي يمكننا أن نصفها بالقطيعة ومعنى هذه المفردة كما وصفها: هي لحظة انفصال العلم عمّا قبل تاريخه.

يعدد بعد ذلك كل ما لحقه هذا التغيير، أولًا: المؤسسات التعليمية والإدارية، وأن الجائحة عجّلت وعممت تطورهما المتوقع لكنه كان مؤجلًا إلى حين ظهور الجائحة والتي بدورها أتاحت لنا فرصة التعلم دون الحاجة للذهاب إلى مدارسنا، والأمر ذاته مع الأعمال الإدارية. على هامش هذه الفقرة، يجدر بي ذكر أني استفدت بشكل شخصي من التغير الحاصل للمؤسسات التعليمية والإدارية، فالتعليمية كنت بين دورين أثناء الجائحة، إذ أتممت فترة من تعليمي الجامعي كما كنت في الجهة الأخرى معلمة أشرح لطالباتي، حينها كنت معلمة للصف الرابع الابتدائي والثاني متوسط، وهناك بعيدًا عن التعليم، شرعت بقضيتين في المحكمة، بدأتهما وانتهيت منهما وجميع الجلسات كانت عند بعد!

ثانيًا: تحدث عن الثقة في المعرفة العلمية والتي أصابها خلل كما يرى، إذ اهتزت الثقة بمصداقية العلم، وظهر عوضًا عنها اللايقين العلمي، وتضارب التأويلات واختلاف آراء العلماء، وخص بالذكر العلوم الطبية، والتي يرى أنها فقدت شيئًا من هيبتها، وصارت حديث الجميع، والكل يدلي بدلوه -رأيه- كيفما يريد حول طبيعة الفايروس، انتشاره أو حتى علاجه.

ثالثًا: وسائل الاتصال، يرى بنعبد العالي أنها المستفيد الأكبر من الجائحة، كانت أشبه ما تكون بالجندي المجهول، وصفها بأنها المنقذ المعوّل عليه في تخفيف حدة ما نزل، تحول كل شيء بوجودها إلى (عن بعد) تعليم وعمل. كما أنها خففت من العزلة وحافظت للأفراد قدرتهم على التعبير إذا ما فقدوا قدرتهم على الحراك والانتقال.

رابعًا: يذكر أن الجائحة أنعشت دور (الدولة) بالعموم، وأوضحت أنها المسؤولة عن رعاية حياة المواطن، وعن الحياة الاجتماعية بأبعادها كاملة، وتحول هاجس الدول إلى الهدف الأول: هاجس الصحة. وأمام فايروس كورونا برز دور المصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة متمثلًا في الصحة الفردية من أجل صحة المجتمع، فسلامة كل فرد مرتبطة بسلامة المواطنين جميعهم.

أخيرًا: يختم بنعنبد العالي:
❞ نلمِس هنا التحوُّل العميق الذي خلَّفه الفايروس، ليس على الأفراد هنا وهناك، وإنما على الوضعية البشرية برمَّتها. إنسان آخر تولَّد عن الجائحة. لم يعد الإنسان هو هو سواء في علاقته بالآخرين أو بالمؤسَّسات الاجتماعية أو حتَّى في علاقته بالوجود. ❝

هذا من فوائد القراءة أثناء الإجازة، لا يكفيك أن تقرأ.. إنما تكمل بكتابة ما يدور في رأسك، بدأ الأمر بتغريدة وانتهى بما يشبه المقال 😊

كتاب: تحفة السهران.

توقفت لسنوات عن كتابة مراجعات للكتب التي أقرأها، وصرت أكتفي باختيار عدد النجوم الذي أظنه مناسبًا في GoodReades، لذا أردت العودة والالتزام بكتابة مراجعات حول ما أقرأ أو أشاهد، ومع قراءتي الأخيرة، كانت الجمل تتطاير في رأسي، جمل كاملة تختصر فكرة أو رأي وحين فتحت اللابتوب لكتابتها اختفت! لكن لابد من البدء وكتابة ما هو متوفر إلى إشعار آخر وحتى أصل إلى شكل المراجعة التي يعجبني يفضل البدء من الآن.

تحفة السهران، هو الكتاب الثاني الذي أقرأه لمحسن الرملي، ومنذ انتهائي من قراءة مصافحتي الأولى لكتبه: ذئبة الحب والكتب علمت بأن لابد لي من قراءة أعمال الرملي كاملة، وهو بذلك يشبه أغوتا كريستوف وعبدالرحمن منيف. قررت قراءة أعمالهم كاملة، فلم يتبقى لي من أعمال أغوتا إلا آخر ثلاثة تقريبًا، أما منيف ومحسن فما زال أمامي طريق طويلة.

حصلت على تحفظ السهران في معرض الكتاب الأخير بجدة، وحين لم تتبقى سوى نسخة واحدة آثرت بها نفسي، جاءت أمل تسأل عما تبقى من كتب محسن الرملي؟ أخرجته لها من الخزانة الموجودة أمام البائع -إذ يفترض أن أعطي المشتري ما يطلبه- لكن حين لم تتبقى سوى نسخة أخيرة لم أتنازل عنها! اجتماع محسن الرملي مع الأعمال القصصية يجعل من التنازل عن النسخة أمر غاية في الصعوبة. ومن هنا بدأت به أول كتاب من كتب المعرض.

يعجبني أسلوب الرملي، سرده وأفكاره، وطريقة طرحه لها، لا يمكن التنبؤ كيف ستنتهي القصة، وهنا مكمن الجمال. بعض النصوص أفكارها مجنونة لكن كما لو أنها اختُصرت، طُرحت بوضوح لكن دون تطوير، على الرغم من عبقريتها! تمنيت في بعضها لو أنها كتبت بإسهاب. قُسّم تحفة السهران إلى أجزاء، أعجبني منها القصص القصيرة وهي أشبه ما تكون بالسيرة الذاتية للرملي. كتب معظم ما أعجبني في أول التسعينات، قصص واقعية مطعمة بخيال وحبكة ذكية. شعرت بالملل قليلًا في الأجزاء اللاحقة، وكثرة إيراد القصف والخيال مع التاريخ، لكن الكتاب في مجمله يستحق القراءة.
رافقني بصفحاته الـ 354 متنقلًا بين العديد من الحقائب والأماكن ما يقارب العشرين يومًا.

وهنا رحاب تمسك بالكتاب -سعيدة- بعد أن أضفت عنوانه الجديد وذلك لأنها قرأته تحفة زهران! فكان لابد من تحقيق ما رأته.

2022

دفاتر يوميات 2022 كاملة.

هذا العام على وجه الخصوص أود كتابته مختصرًا ولمرة واحدة، لأني مقتنعة بأنه مختلف وإن قلت هذا عن أعوام أو سنوات سابقة، إلا أنه مختلفًا فعلًا وقولًا، ولأني أريد بهذه الكتابة إغلاق ذكر ما كنت أردده تبريرًا لما صار. سأكتب دون تخطيط، وعليه قد يلحق نشرها الكثير من التعديلات.
قرأت معلومة قديمة عن الفرق بين العام والسنة لغويًا، مفادها بأن لفظ سنة يطلق على الأيام الصعبة والشديدة بخلاف العام عادة ما يقصد به الخير واللطف. وهنا ظهر سؤال ماذا يمكنني أن أطلق على 2022؟

2022 عام احتوى كل ما يمكن أن يحتويه أي عام لكنه كان يقفز بين الأقطاب، متذبذبًا، ومتأرجحًا، ومتناقضًا، يتراوح بين الشيء وضده. لذا لابد من كتابته واختصاره اختصارًا مفصلًا على جميع الأصعدة. رأيت فيه النور بعد العتمة، والفرج بعد الضيق، والوصول بعد الضياع، عشت كل شيء مزدوجًا، لم يأت أيًّا كان إلا ويجر خلفه نقيضه.


نفسيًا وهو الأهم:
بالكتابة عن 2022 لابد من التعريج أولًا على 2021 حيث ذروة التخبطات، والصدمات، واليأس، كانت سلسلة من الخيبات الموجعة، وهي كذلك لا لذاتها إنما لمسببها. لا يسعني الحديث عن 2021 باستفاضة، لكن ما حدث فيها أساس وجوهر ما بعدها، ظلاله امتدت واحتوت جزءًا كبيرًا من 2022. بدأتُ الحديث عن الجانب النفسي لأنه أكثر ما شغل بالي وفكري وكل محاولات فهمي كانت حوله، ولأن أثره امتد على كامل حياتي دون استثناء أو تجاوز. الإشارة الأولى وما تأكدت منه دومًا أن هناك خطب ما، أنا لست مشاعل التي أعرفها، لا يوجد استقرار نفسي، لا يوجد ذلك الهدوء الذي اعتدت عليه في نفسي ولا فكري، لم أكن في أحسن حالاتي ولم أجد إلى ذلك سبيلا إلا مؤخرًا. ما استغربته حقًا، النفسية الحادة وإن لم تظهر، لكني أعيشها داخليًا، وكثرة التناقضات وسرعة حدوثها، والتخبطات، والترددات، والتراجعات، ولفترة ليست قصيرة حتى أفسرها بأمر عارض، لا بل كادت أن تكون سمة، كنت كالطفل في بداية سيره، يمشي لكن سقطوه أكثر من خطواته، ومشيه غير ثابت، ويبدو غير متأكد من الخطوة التالية أين ستكون. كنت أحاول على الدوام الإمساك بطرف خيط يقودني إلى الصواب، إلى العودة، كنت بحاجة للفهم. مضت مدة وأنا على هذا الحال، وربما أسوأ، إلى أن توصلت إلى أن ما أمر به ببساطة هو صدمة نفسية، نعم. هذا هو ما اقتنعت به، وبناء على ذلك بدأت العودة للوراء ولملمت خيوط ما كان، هنا رأيت بوادر نور *وتهدينا الحياة أضواء في آخر النفق*، التقيت رشا وأفضت كل واحدة بما لديها، اقترحت لي جلسة مجانية مع مركز يقدم استشارات نفسية، لم أتردد لأن هذه الخطوة لابد منها الآن أو لاحقًا، مقتنعة تمامًا بأني إن لم أعالج نفسيتي بطريقة صحيحة حتمًا سيبقى عالقًا بها كل ما كان، سيبقى كنتوء وإن توارت عن الأنظار وهذا بالطبع ما لا أريده، لا أرغب لاحقًا بترديد: تنكئين الآن جرحًا كنت أحكمت وصيده! لا أرغب أن أتحاشى أشخاص أو كلمات أو مواقف لأني ما زلت عالقة بجرح تسببه لي، لا أحبذ الهروب، أحب المواجهة بهدوء ودون آثار جانبية. حجزت موعدًا للقاء المجاني، بدأنا الحديث.. شكرتني في البداية على اتخاذي الخطوة، ثم في أول اللقاء طلبت مني تخمين ما أمر به، قلت لها تبعات صدمة نفسية، ومضى اللقاء ما يقارب أربعين دقيقة، قالت لي في آخره: مشاعل، أنا في أول اللقاء شكرتك لاتخاذك خطوة، الآن أشكرك لأن تشخيصك صحيح 100% أشكرك مرة ثانية لوعيك بما تمرين به! أتذكر جيدًا، سردت لها كل ما أعتقده سببًا ونتيجة، القديم والجديد، لكن القديم أقل حدة، هي أمور روتينية كلنا نمر بها، إنما الجديد هو محور كل شيء، في الحقيقة، لم أتخذ بعد هذا اللقاء أي خطوة علاجية منتظمة مع أخصائية أو غيره، لكن ربما أكون قد قفزت خطوات نحو التشافي، السر يكمن في معرفة العلّة، في التشخيص، والأهم عدم الاكتفاء بردمها دون معالجتها، لأنها ستظل باقية هناك ولن تجعل منك شخصك المفضل لنفسك والذي تعرفه جيدًا، سيكون شعور الغربة مرافق ومزعج. والأمر برمته أشبه بارتداء نظارات بعدسات مختلفة، أول العام كانت عدسة معتمة ترافقها رؤية غير واضحة وبمرور الوقت كانت تتبدل هذه العدسات، مرور الوقت كان كفيل بالتحسن لكن هذه المرة لم يكن وحده يكفي. أنا الآن لست كما كنت في أول 2021 ولا أول أو منتصف 2022. مع جميع ما سبق كان يلزمني كغيري الاستمرار في مهام الحياة الأساسية والرئيسية والمضافة! تأثرت جودة عملي في المدرسة، وتأثرت دراستي في المستويات الأخيرة، وقبل هذا شعوري الداخلي كان مزعج، هناك شيء في غير محله، كنت منزعجة وأحاول التخفيف، وكان ينقصني الفهم، فهم ما أمر به، أسبابه ومحاولة تحليله. كانت فترة صعبة، ليست أصعب من 2021 لكنها لم تكن سهلة على الإطلاق، الحمدلله انقضت ووصلت إلى الجهة الأخرة سالمة بأقل الأضرار.


على الصعيد الشخصي:
كانت سنة زاخرة بالتجارب، خضت خلالها ثلاث تجارب عمل جديدة ومختلفة، إحداها لم تستمر إلا ما يقارب سبعة أسابيع وهي أكثرهم غرابة، كانت مرهقة لدرجة متقدمة، وبانتهائها بدأت تجربة أخرى في مجال مفضل، وختامها كان مع تجربة البيع في معرض الكتاب. اجتماعيًا، انكمشت كثيرًا واقتصر تواصلي كما لم يحدث من قبل إلى دوائري الأقرب والأصغر، أي ما يقارب ثمان صديقات، لم يكن ممكنًا بجوار جميع ما سبق أن أوسّع حياتي الاجتماعية لتشمل أكثر من المقربات، هن اللواتي أكون معهم بكل عفويتي وطبيعتي، ولعلمهم بما أمر به، يُختصر الكثير. في الشهور الأخيرة استعدت بعضًا من قدراتي الاجتماعية، ووسعت اللقاءات، استطعت خوض حوارات ومحادثات طويلة إلا أن الجزء الأكبر كان كما قلت لأقل وأقرب وأصغر دوائري وهو الأنسب. تخرجت والحمدلله، ولا أنسى رحلة حضور حفلة التخرج إلى الرياض برفقة زينب، بحد ذاتها تجربة عميقة، ماذا يعني أن أسافر وحدي مع صديقتي إلى الرياض من أجل حضور حفل تخرج؟ جربت مقاهي وأنواع قهوة جديدة في جدة، وقرأت كتبًا ممتعة، عشت لحظات عميقة من امتنان تجاه أشياء عدة، كثير منها متعلق بالتعلم أو التعليم، استعدت كذلك حبي لحضور مناقشات كتب، وملتقيات أدبية، وورش عمل. والأجمل هو روتين الإجازات المطولة برفقة غرفة المعلمات، فقدت أغلى ناسي وأهلي، جدي لوالدتي رحمه الله وجبر قلوبنا، اشتقت إليه كثيرًا، ولكن هذا حال الحياة! أضيف إلى فهمي الكثير حول الرزق بأشكاله المتعددة، والتسليم لله في جميع أمور حياتي شرط ألا يكون تسليمًا ظاهرًا، إنما بمعناه العميق وفهمه السليم، يأتي بعد ذلك الرضا. *لحظة تذكر* نعم، 2022 مميزة لأنها السنة التي دخلت فيها إلى عالم الثلاثين، كذلك الأمر مع 2023 هي السنة الأولى التي أبدأها بعمر الثلاثين. بالنسبة لدفاتر يومياتي، لم أكتب الكثير، لم أكتب يوميا، لكن كتبت الأهم، كتبت تفكيري، حيرتي، تساؤلاتي، غضبي، مشاعري، ضياعي، وصولي، لذا هي ظاهريًا قليلة، مجرد دفترين، إلا أنهما أحتويا زبدة السنة كما يقولون، ركزت على التوثيق بالصور ومقاطع الفيديو القصيرة، لدي منها ما يوثق أهم لحظاتي وأقلها أهمية على حد سواء.

ماذا بعد؟ بالطبع هناك الكثير ولكن هذا ما أتذكره الآن أو أود كتابته. وكما ذكرت بالأعلى، بهذه التدوينة سأقف عن ذكر أي ظروف مررت بها كمبرر لما طرأ علي من تغيرات. يكفي!

على الهامش:

بعدما انتهيت من كتابة هذه التدوينة، وجدت أنها تشبه المقالات الموسوعية التي عملت على كتابتها مؤخرًا، أمر طبيعي، ومضحك بعض الشيء.


سنة هادئة، هانئة أتمناها للجميع.

معرض الكتاب الدولي بجدة_ 2022

صورة البداية مع حقيبتي وصورة الختام مع رفوف المدى، ويبقى ما بينهما للذكرى.

أخيرًا ها أنا ذا أكتب عن معرض الكتاب بجدة 2022، وهو ما يستحق الكتابة عنه إذ جاء مختلفًا هذه المرة، أولًا: لأنه أول معرض يقام بعد توقف استمر عامين بسبب جائحة كورونا، فآخر معرض بجدة كان سنة 2019. ثانيًا: لأني كنت خلاله المشترية إضافة إلى البائعة، خضت تجربة (بائعة كتب) لمدة عشرة أيام في دار المدى العراقية. ثالثًا: لأنه أقيم في موقع جديد (جدة سوبر دوم). كانت تجربة مكثفة عشتها بتفاصيلها، لكني لم أكتب عنها في دفتر يومياتي لأني كنت أعود مرهقة بعد يوم طويل ممتد منذ السابعة صباحًا إلى حوالي الحادية عشرة مساء، دوام في المدرسة وبعدها انطلاقة إلى المعرض.

أن أجرب بيع كتب، تجربة كاملة، تحمل في طياتها كل ما يمكن لبائع الكتب فعله، من التحدث إلى الزبائن إن صحت تسميتهم أو القرّاء، وتقديم اقتراحات، بعضهم يطلب اقتراحات وآخرين يكتفوا بقوائمهم، وبينهما من يلقي نظرة لا أكثر، وهناك من يخرج قائمة كتب ويغادرها بصمت، ومن يعدك بأن يعود لاحقًا، بعضهم يعود وأكثرهم يختفي، وتأكدت من أن بيع الكتب أو ملاقاة الجمهور يحتاج إلى مهارات إضافية، في الحقيقة كل مهنة لها مهاراتها الخاصة بها، والبائع بحاجة إلى طول بال لا قبله ولا بعده، وبائع الكتب على وجه الخصوص لأن فئة (المستثقفين) يحتاجون إلى حقيبة أخلاق إضافية تحملها برفقتك، عشرة أيام رأيت خلالها عجب العجاب، كما بالطبع كان هناك الجانب الأكبر هو الأجمل والألطف. أكرر مواجهة جمهور واسع أمر مرهق رغم الجمال الذي يحتويه!

اكتفيت في البداية بإخبار دائرتي الأصغر عن هذه الخطوة، وكنت أوثق يومياتي على ستوري سنابتشات عوضًا عن كتابة كل يوم فكما قلت كان الأمر مرهق للحد الذي منعني من الكتابة، ولأني لا أريد لهذه الأيام أن تذهب دون ما يبقيها فكان توثيقًا بالصور ومقاطع الفيديو القصيرة، وحتى مع عدم إخباري كانت سلسلة لقاءات لم أتوقعها، هي الأخرى وثقتها على تويتر، لم يمضي يوم دون لقاء واحد على الأقل. جميعهم دون معرفة مسبقة ودون تخطيط باستثناء من هم في ستوري سناب: زينب – رحاب – فطوم.

تجربة جمعت كل ما أحب فكانت كل تلك اللقاءات وما بينها أكثر، لم تكن لقاءات عادية، بالرغم من أن معظمها إن لم يكن كلها خاطفة سريعة، إلا أنها تعني لي الكثير بما شملته من (شهقات) وحوارات ونقاشات وضحكات. سعيدة جدًا وممتنة لكمّ اللطف الذي وصلني طوال تلك الأيام، ولكن لا أظني أرغب في تكرارها.

وأما عن حصيلة الكتب فقد خرجت بحصيلة واسعة، كنت أسير دون قائمة في معظم الأوقات، قليلة العناوين التي اخترتها لأنها ضمن قائمتي، يمكنني القول بأنها حصيلة غنية وتبقى لفترة جيدة أقل ما يكون إلى المعرض القادم بحول الله، غالبًا سأكتفي بها إلا إن اضطررت لكتاب تحت فكرة ما.

على الهامش:
حاولت كتابة مسودة عن التجربة خلال تواجدي في المعرض ولم أخرج سوى بالنص التالي أضعه دون تعديل:
أكتب الآن من اليوم الثالث لمعرض الكتاب الدولي بجدة، أجلس أمام طاولة البائع في دار المدى جناح V20، هذه الدورة للمعرض مميزة بالنسبة لي ولأسباب عدة، الأول أنه بعد انقطاع دام سنتين بسبب كورونا، آخر معرض حضرته كان 2019م، والسبب الثاني هو أني بائعة أو مسوقة لا أعلم ما المسمى الدقيق لجناح دار المدى طوال أيام المعرض، أي أني أحضر إلى المعرض كل يوم بحقيبتي الخاصة بالمعارض، أزور الجناح أول ثم أجد أقرب مخرج للحصول على جولة مطولة في المعرض كاملًا. أتواجد في الفترة المسائية، أي بين الرابعة إلى الحادية عشر أو أقل بقليل، اليوم وصلنا إلى اليوم الثالث..

وثبة

لصورة الطائر، قلت: كطائر وحيد، يفتعل الطيران.


أكتب الآن بعد مضي خمسة أسابيع على آخر تدوينة، لكن الأمر مختلف بالنسبة لدفتر يومياتي حيث كتب 22 صفحة، عدد صفحات جيد إذا ما أخذنا في الاعتبار كثافة ما احتوته. أكتب الآن، من صباح الأثنين في غرفتي لأننا نتمتع بالإجازة الفاصلة بين الفصل الدراسي الأول والفصل الدراسي الثاني، ونحن سكان جدة قد بدأت إجازتنا بيوم نسبق به باقي المملكة، كان لنا استثنائنا الخاص تبعًا للظروف المناخية وحالة مطرية غزيرة، أضافت إلى إجازتنا يوم الخميس، كما أن فوز المنتخب على الأرجنتين يوم الثلاثاء جعل الأربعاء إجازة، وعليه بدأت إجازة سكان جدة قبل الموعد المحدد بيومين.

قررت مع بدء إجازتي اعتزال تطبيقات التواصل الاجتماعي، وبالتحديد: سنابتشات – تويتر – انستقرام. لا لشيء، سوى لمزيد من التركيز كما أنني أرغب بالتقليل من المشاركة خصوصًا في سنابتشات على الرغم من أن المتواجدين في قصتي الخاصة لا يتجاوز عددهم العشرة أشخاص. أعتقد من الجيد الابتعاد بين الحين والآخر عن زخم التعرض لكل تلك التطبيقات، والإجازة فترة جيدة لذلك.

محاولاتي في استرجاع، أو تكوين روتين جديد ما زالت مستمرة، ينقصني التكيف مع ثبات أيامي الجديد، لكن الأسابيع الماضية احتوت على محاولات العودة للقراءة المنتظمة، و لمتابعة المسلسلات والأفلام، والبرامج الوثائقية، والمشي يوميًا، وضبط النظام الغذائي، وتنظيم أوقات النوم، وحفظ القرآن، خلق روتين ممتع وبسيط هو ما أسعى له دائمًا، الأمر الذي لا أعتقد بأني سأملّ منه في يوم ما، وهو بالضرورة مقياس لصحتي النفسية، إذ أني متى ما توقفت عن ضبط تفاصيل أيامي، أدرك وجود خطب ما.

بدأت -أخيرًا- قراءة الحرب والسلم مع مجموعة في تويتر، ما زلت متأخرة عنهم ويلزمني الانتهاء من المجلد الأول قبل يوم الأحد القادم حيث البداية المقررة للمجلد الثاني، وتمكنت بفضل الله التبرع بالدم للمرة السادسة، واحتفلت مع رحاب بالإنجازات الصغيرة التي لا يراها أحد، جربت قهوة V60 ليومين بعدها كاد قلبي أن يغادر صدري وتأكدت هذا النوع لا يناسبني، وعدت لفقرة وثائقي الجمعة، وجربت كتابة نصوص سردية بناء على كلمة واحدة، وخرجت أكثر من مرة خلال الفترة الماضية: ريم، واللقاء الأول المنتظر. زينب، وخلود، وآمال، ورحاب. ومشاوير من نوع: طريق طويلة + قائمة أغاني مفضلة + مشروب ساخن وامشي إلى أن يشاء الله، ورحلتين مرة مع الطالبات وأخرى للمعلمات فقط وكلتاهما كانت منعشة! كذلك حضرت ورشة عمل: كيف تعد كتابك للنشر؟ من تنظيم أدب مع هيئة الأدب والنشر والترجمة، وقضيت أوقات عائلية جيدة جدًا بالتحديد مع والدتي وجدتي حفظهما الله، ولا أنسى بداية جمال الطقس في جدة هذا وحده يعدل المزاج، ويسمح بالحصول على جرعات مكثفة من البحر، عدت إلى موكا كيان من جديد، الصدفة العجيبة أنها كانت إدمان الفترة نفسها من السنة الماضية بالاعتماد على تذكيرات سنباتشات.

قبل يومين، مضت سنتين على الحدث الذي غير حياتنا، على الانتقالة الكبرى، ودائمًا أنظر إليها من الجانب النفسي، أنا الآن أفضل بمراحل كبيرة قفزت قفزات واسعة عما كنته وما صرته، استعدت جزءًا كبيرًا من نفسية مشاعل وتعاطيها مع الحياة. كتبت في تويتر: إن كنت سأصف/ أكتب عن ٢٠٢٢، هي سنة استشفاء من أثر تبعات ٢٠٢٠، وأنا التي اعتقدت بأني (تجاوزت)، لأواجه خلالها (أغرب) حالات نفسية مركبة/ معقدة مررت بها. مجرد التفكير بالموضوع لمحاولة كتابته، يملأني حيرة واستغراب. أرى بأني نفسيًا داخليا كنت (هشة) كما لم أكن من قبل، وانعكس على تفكيري وتعاطي مع الأمور. لكن كيف استطعت مواجهة كل تلك المصاعب؟ كيف كنت أفصل بين مشاعل وبين ما يلزمني فعله مواجهته بكل تلك القوة؟ كان الاستمرار في الأعمال الروتينية العادية: دوام – جامعة أشبه بالعقاب. لم أكن في معظم الأحيان مشاعل، لا نفسيًا ولا فكريًا، هكذا باختصار. والآن من هنا، وبنظرة بانورامية: أنا في حالة دهشة حقيقية، وتعجب مما كنت عليه. نسخة جديدة ومختلفة من مشاعل خاصة بـ ٢٠٢١- وجزء من ٢٠٢٢.

كل ما أحرص عليه في الفترة الحالية، هو اللطف والامتنان وكل ما يقود إليهما، ألا تفقد الأمور المتكررة لذتها وجمال ما تحمله من معاني عظيمة. أكتب في دفتر يومياتي كل ما يشعرني باللطف من كلمات أو مواقف، وكذلك الحال مع الامتنان. والتروي والصبر أفضل ما يمكن أن يهديه المرء لنفسيه، وقبلهما الوعي بذاته، وأن يكون بمعزل عن تأثير الناس من حوله في قناعاته، مبادئه ورؤيته للحياة، والموازنة بين المرونة والصلابة النفسية. لا يهم أن نتعثر، لكن ألا نسقط على الإطلاق، تبدو عبارات معلبة لكني شعرت بها وما زلت وسأبقى. ولهذا كتبت: نمر بظروف ومواقف وأشخاص يتركوا أثرهم فينا، يمكن نضعف وتنهز عندنا شغلات كثيرة، نتفاجئ ونحتار! لكن معليه.. مؤقتًا ولفترة قصيرة، هذي ضريبة درس محترم وعلامة فارقة في شخصياتنا. المهم إنها تبقى شيء مؤقت وعابر، ونرجع بعدها لطبيعتنا واللي كنا عليه.

على الهامش:
31 يوليو: استغرقَ عمرًا في انتظار لمحة بينما هو يستحق التفاتة كاملة.
10 نوفمبر: لا تنتظر لمحة أو التفاتة ممن لا يراك، لا تنتظر شيئًا على الإطلاق. التفت أنت لمن يراك.

من تجربة لأخرى

صارت كتابة يومياتي أسبوعية أكثر من يومية إلا مع بضع لحظات تدفعني للكتابة حينها.
سرد أحداث الأسبوع كاملة دفعة واحدة، يحفز الذاكرة للإمساك بما تود إبقاءه مدة أطول، على الأقل إلى آخر الأسبوع، لكن في المقابل هناك لحظات تتفلت كانت ستبقى لو كتب كل يوم بيومه.

أعود للأسابيع السابقة، ليست بعيدة عن اليوم، ستة أسابيع فقط وأرى اختلاف ما كتبته فيها عن اليوم بما قد يصل إلى الضد. عشت كما قلت سابقًا تجربة مختلفة تمامًا جعلت أيام عملي تمتد من السادسة صباحًا وحتى السابعة مساء ثم حدثني عن تبعات ذلك نفسيًا وذهنيًا وجسديا! لم يكن الأمر سهلًا على الإطلاق تجاوزت صعوبته ما افترضته قبل البداية، وصرت أعاني من إرهاق متصل وقلة نوم ورأس مثقل وصمت يحيط بمعظم إن لم تكن كل أوقاتي ومزاج حاد، كتبت أثناء ذلك في دفتر يومياتي الكثير، كنت بحاجة للكلام لكن حلقي يؤلمني وإرهاقي يمنعني من خوض أي محادثات وإن وجدت نفسي في واحدة منها أختصرها إلى أقصر ما يمكن. باختصار لم أكن مشاعل وخفت من ذوباني إن استمرت هذه التجربة لفترة أطول كما لم أكن أرغب في المغادرة فورًا، أردت البقاء إلى وقت مناسب. لن أنكر، كان هناك لطفًا يخفف علي في لحظات عابرة، لكنه لا يقارن بحجم ما عانيته.

عدت لقراءة ما كتبته لأقارن ووجدت بأن قلة نومي والإرهاق هما أكثر ما تكرر خلال تلك الفترة كاملة.
في يوم كتبت:
تحديث 8:56م الحياة صعبة جدًا ولوصف أدق، الحياة وما فعلته في نفسي يجعلها صعبة، أسبوع سيء وحاد على الصعيد النفسي والجسدي، نومي سيء فقط 5 ساعات في اليوم ومهام كثيرة في كل الأوقات ومن كل الجهات، جهد مضاعف تجاه كل شيء. أكتب وأنا مثقلة ومحبطة وشعوري متضخم جدًا.
وبعد أربعة أسابيع مما نقلته أعلاه كتبت:
تبدو الحياة صعبة مؤخرًا بالنسبة لي، هي هكذا منذ أن بدأنا الفصل الأخير والذي يعود إلى آخر 2020م. عاد شعوري بمدى صعوبتها منذ بداية الفصل الدراسي الحالي وذلك لأني………. نتيجة لكل هذا أشعر أني تحت ضغط عال!
هذا بعض مما كتبته أثناء الستة أسابيع الماضية، كل ما أقوله الآن هو الحمدلله أن الله أنجاني من غير حول مني ولا قوة، كنت أعي أثر ما أعيشه على حياتي كاملة، على شخصيتي ونفسيتي وصحتي ومزاجي ورأسي، النوم وحاله السيء هو سيد الهموم وانعكاسه يغطي كل يومي فيزيد الطين بلة، كنت أفكر في الأضرار الجانبية، فيما سأفقده من قراءة ومشاهدة وأوقات راحة وهوايات مع استمرار الوضع الحالي، وما الذي يمكنه أن يتغير أو يحدث وهل يمكنني العودة بعد انتهاء كل هذا؟ لم تكن النهاية حاضرة إلا كطيف فكرة دون إجراء متخذ.

كان هذا حالي إلى نهاية الأسبوع الماضي وبالتحديد يوم الأربعاء 12 أكتوبر. أما الآن، أكتب من الجهة الأخرى، من تجربة جديدة ومختلفة تمامًا، ساقها الله لي بأفضل ما يمكن. بوادر هذه التجربة كانت من منتصف أغسطس لكنها لم تصل إلا في منتصف أكتوبر، ربما تأخرت لأدرك جيدًا قيمتها ومعناها أمام ما خضته من قبل. عاد خطي في دفتر يومياتي إلى حجمه الطبيعي بعد أن كان كبيرًا جدًا يمثل حجم غضبي وحزني، وعادت الكلمات متقاربة إلى ما كانت عليه بعد كل تلك المسافات الفاصلة بينها، هذه أولى علامات التحسن التي لمستها وأنا أكتب أسبوعي السابق. سبحانه جل في علاه يبدل الحال بين ليلة وضحاها. ممتنة لله لدرجة لم أصل إليها من سنوات، هذه النقلة ما زلت أستشعرها وأعيشها من أعمق نقطة في قلبي. ما عشته لن يكون عابرًا وأحتاج على الأقل ستة أسابيع أخرى أوازن بها ما مضى، بالطبع سأخرج منها بمعاني تبقى دروسًا في حياتي، أحتاج إلى تأملها ومن ثم كتابتها. ما أود قوله الآن هو ضرورة أن يدرب الإنسان نفسه على مهارة (المرونة النفسية) ولا شيء أرغب في إضافته إلى وقت لاحق.

تجربة غزيرة وكثيفة والحمدلله دائمًا وأبدا.

للأربعاء حلوته

-1-
عاد للأربعاء حبه القديم، بسبب تجربة جديدة أخوضها منذ ستة أسابيع صرت أنتبه أكثر لوصول الأربعاء كما لو أن قدومه إعلانًا لبدء نهاية أسبوعي وعاد بذلك ظهور حبه الكامن فينا منذ أن كان لسنوات هو آخر أيام العمل قبل أن يسحب الخميس البساط من تحته.

كتبت حينها في دفتري:
هذا الأسبوع ثقيل جدًا، أجلس الآن أمام نافذة كبيرة في مقهى جديد لا أعرفه سوى أني كتبت في تطبيق خرائط جوجل: مقهى. ليظهر لي أقربهم يبعد ٣د.

مقهى جديد أجلس فيه وحدي بمعنى لا رفقة معي كذلك أنا (الزبونة) الوحيدة، طلبت قهوة سوداء ثقلها من ثقل أيام هذا الأسبوع. القهوة المرة (السوداء) ليست سيئة، لأول مرة أشعر بذلك وتبدو مرارة الأيام قد غلبتها!

-2-

دفتر يومياتي الحالي أكتب فيه منذ أول مايو، يعني منذ أربعة أشهر ونصف. طالت مدة استخدامي له عن الوقت المتوقع والذي عادة ما يستغرقه كل دفتر أن يكفي يوميات شهرين إلى ثلاثة. مع ذلك غطى فترة مختلفة وممتلئة بأحداث أساسية ومهمة على رأسها تخرجي وتجربة مميزة أعيشها كما قلت منذ خمسة أسابيع. إذا استمريت بنفس وتيرة الكتابة، فأتوقع أن يكمل شهرين إضافية. أخيرًا، هذا القلم مفضل ⭐️ جاءني هدية من فطوم، أحضرتْ لي منه اثنين وبحثت عنه لكني لم أجده، لم يكن بحثًا جادًا لأن لدي آخر احتياطي.

أشخاص – شخصيات

أضيف تصنيفًا جديدًا إلى المدونة، على أن كل ما يكتب تحته ما هو إلا ضمن سلسلة وصفية لأشخاص حقيقيين واقعيين قريبين أو هم محض خيال في البعيد القصي. وبذلك فإن احتمالية تواجدهم من عدمها تختلف في كل مرة يُكتب فيها أحدهم. الهدف منها التركيز على الأشخاص (الشخصيات) وما الأحداث إلا مرفق ثانوي. كل الشخصيات في بطن كاتبهم أو ربما في قلبه أو حتى في عقله، لا أحد يعلم عن مكان تواجدهم على وجه الدقة كما لا يمكننا التصريح أو التلميح بذلك وكل ما يكتب يبقى في منطقة الاحتمال والافتراض.

قد تتخذ هذه السلسلة عدة أشكال أدبية، وقد يُخترع لها شكل أدبي خاص وكل هذا خاضع لمزاج الكتابة (مزاجي لكن ألصقها بالكتابة). 

عوضًا عن رسالة 💌

-1-

أهلًا! أكتب الآن من مساء يوم الأحد، أكتب وقد هدأت بعدما كنت أشبه ما أكون على فوهة بركان أو أن فورانه كامن بداخلي. وهذه الجملة الأخيرة يلزمها تفسير بسيط وعودة للوراء قليلًا. كانت الأمور على ما يرام إلى مساء السبت وبالتحديد الساعة الحادية عشرة مساء وأربعون دقيقة، حينها تلقيت خبرًا بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. دخلت في حالة حادة لا مجال لذكرها هنا، لكن لو كنت أكتب رسالة طويلة لأسهبت. نعود إلى القشة مرة أخرى، بينما كنت أستعد للنوم وقد تأخرت، قلبت موازيني.. حاولت عبثًا تهدئة الأمور ونفسي ولكن دون فائدة! في حالة كهذه عندما أصل لقمة شعور ما، كنت دون تفكير أتجه إلى البريد لتفريغ ما أشعر به، نقله كاملًا مني إلى حروف تحمل عني ثقل ذلك الشعور. أكتب وأكتب وأكتب دون أي اعتبار يذكر أو فلتر يمنعني إنما أطارد المعاني حتى أنقلها وأتخلص منها وحينها فقط أهدأ. وأنا هنا لا أبالغ إن قلت هذه طريقتي التي اعتمدتها لسنوات وبالتحديد من 2013.

-2-
كتابة الرسائل الطويلة شأن أساسي في أيامي وهو أمر قد تحدثت عنه كثيرًا، إلا أن رسائل مسقط أمرها مختلف تمامًا. بدأتها في منتصف سنة 2013 مع صديقة عُمانية وبالتحديد من مسقط. كنا نكتب لبعضنا في كل حالاتنا، أشدها فرحًا وحزنًا وهشاشة وقوة. ثم لسبب لا نعلمه أو ربما لا سبب سوى أن انقضت هذه التجربة الطويلة والجميلة، كانت آخر رسائلنا مع ظهور كورونا أواخر 2019 إلى منتصف 2020، سبع سنوات من الرسائل الطويلة وبمجموع 136 رسالة متبادلة! عدت إليها وأنا أكتب هذه الكلمات لإلقاء نظرة لا أكثر. حسنًا، ستبقى تجربة الرسائل المسقطية هي التجربة الخام للمراسلة. تذكرتها بالأمس وأنا أقاوم رغبة بداية كتابة رسالة تلخص حالتي وما كنت عليه، أغالبها بنوم يزاحمه أرق! فوضى. إذا هذه المرة انتصرت وبجدارة على إلحاح الكتابة ذلك الذي يأتيني في كل مرة لأقول: يلا مشاعل! هذه ستكون الرسالة الأخيرة. إلا أنه وياللعجب آخر رسالة بعثتها لم أفكر في حينها بأنها ستكون الأخيرة لكن يبدو أنها كذلك -إلى الآن على الأقل-

-3-
ولأني لم أكتب البارحة ثم نمت، استيقظت اليوم -بكل واقعية- وأنا أحمل معي ذات الشعور الذي نمت عليه. رافقني إلى منتصف النهار تقريبًا. وأعلم جيدًا لو أنني استسلمت وكتبت لما استيقظت بذلك الحال. ولكن لا بأس، لابد من نقطة توقف، لن أنكر بأنها بالنسبة لي كانت من أجمل ما كتبت. ليس على مستوى اللغة إنما الشعور والفكرة. إلا أن هذا الانطباع قد اختفى مؤخرًا. لم تعد رسائلي كما كانت، لا بخفتها ولا تنوعها ولا محتواها أي مما اعتدته فيها، ولأسباب أخرى كان لابد من توقفها. وهذا التوقف لم يكن سهلًا وحتى هذه اللحظة أخشى ظهور شعور قوي يحرضني للكتابة وأنصاع لأمره وأكتب ثم أرسل! ولكن سأحاول بكل ما أملكه من تحكم بالأمور، أن أكتفي بهذا الحد، صار وكأنه توقف ضروري أكثر من كونه اختياري.

-4-
الحصول على متلقي لرسائلي ليس بالأمر السهل، فأنا أعرف معنى أن أنسكب أمام قارئ هناك في الجهة الأخرى يطلع على أحوالي ويومياتي وتفاصيلي الدقيقة مما لا يعرفه عني أقرب ناسي وأحبابي. لم أحظى بحرية الكتابة كما كنت مع المسقطية ثم مؤخرًا منذ عام ونصف مع س. غ. وهذه الأخيرة صادف أنها شملت فترة احتوت على أحداث وتغيرات محورية في حياتي لذا كانت رسائل من العيار الثقيل جدًا. حتى الآن لم أكتب كما كتبت في هاتين التجربتين وفي الحقيقة يصعب بحال من الأحوال الوصول لمتلقي جديد، على الأقل في الوقت الحالي، كما لا أتقبل فكرة (الانكشاف) على (شخص جديد) لذا سأتوقف مؤقتًا عن المراسلة وقد يطول هذا المؤقت ولا بأس في ذلك إلى حين الوصول لمتلقي تتوفر فيه الشروط والأحكام. هذا التوقف أشبه ما يكون بحبس أو منع ماء جار عن إكمال سيره، ما الذي سيحدث؟ بالضبط هذه الأعراض الجانبية شديدة اللهجة ترافقني وعلي الوقوف أمام أي نزعات عودة وتراجع! والأمر ليس بالسهل على الإطلاق. لكن دفاتر يومياتي يمكنها استقبال تلك الرسائل لأن محتواها محال أن ينشر في المدونة، إما رسالة أو دفتر وسيكون الأخير موطنها كما كان من قبل. وٍسأكتب هنا في مدونتي ما يقبل المشركة.
أكرر، الأمر ليس سهلًا كما أنه غير مستحيل.