كنت أفكر: ما الذي يمكنني التركيز عليه لأكتبه في تدوينة السابع والعشرين من يونيو؟ حتى إنني هوجست بإلغائها، إلا أن خاصية “الفلاش باك” الجديدة في تطبيق المدونة Jetpack عادت محمّلة بكامل تدوينات هذا اليوم طوال السنوات السابقة، منذ 2019 وحتى 2025. لذا، فمن باب أولى أن تستمر هذه العادة، فكما يقولون: قاطع العادة عداوة.
عدت بالطبع، إلى دفاتر يومياتي منذ 27 يونيو 2025 وحتى اليوم، وبهذه العودة تأكدت من أمر واحد بارز يمكن ملاحظته بسهولة: مهما تصورت في السنوات بين 2021 و2025 أنني صرت خلالها بخير، فإن الأمر أصبح واقعًا حقيقيًا وملموسًا في 2026، أو بوصف أدق: السنة الرابعة والثلاثون من عمري.
خلال هذه السنة، عدت إلى أقرب نسخة من مشاعل التي أعرفها، إلى جوهري وطبيعتي وروحي التي تلقي بظلالها ولمساتها الواضحة على كل ما تقع عليه يدي. عدت، ولكن بنسخة معدلة، مزيدة ومنقحة. شعوري، وطريقة تفكيري، وتعاطيي مع الأمور، عادت جميعها إلى منطقتها الهادئة. خرجت من مراحل كثيرة، وتجاوزت أخرى أكثر، ولهذا سأظل أنظر إلى تلك السنوات الخمس أو الست باعتبارها مجموعة واحدة.. لأنني خلالها مررت بالكثير مما ترك أثرًا واضحًا في مشاعل.
كنت بانتظار تمام العودة، أن تهدأ أركاني، ورأسي، وتفكيري، وقلبي. من يقرأ تدوينات السنوات السابقة قد يظن أن كل سنة كانت مختلفة عن التي قبلها، أما أنا فأراها اليوم سنوات تنتمي إلى المرحلة نفسها. لذلك يمكنني ولأول مرة، أن أقول بكل صراحة: هذه سنة العودة إلى الحياة.
العادات، والروتين، وطريقة التفكير، والتفاصيل، هذه هي المؤشرات التي أستطيع من خلالها التأكد من حقيقة عودتي.
ولأول مرة، سأمنح نفسي حق تقديم نصائح حول الحياة. فمن يعاصر ما مررت به، ثم يبلغ الرابعة والثلاثين، أظن أن لديه من التجربة ما يمنحه هذا الحق، أليس كذلك؟
مما كان يتردد على خاطري في لحظات ومشاهد كثيرة ضرورة إرساء قواعدك الشخصية، حتى وإن اختلفت مع قواعد المقربين من حولك، من أهل وأصدقاء. لست مضطرًا لأن تشبههم بحكم القرب، كما أن الاختلاف لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته. ما أعنيه هو أن تحافظ على أرضيتك الصلبة.. قيمك، وأخلاقك، ومبادئك، وأفكارك، وقناعاتك. لست مضطرًا للمجابهة، تمامًا كما أنك لست ملزمًا بالذوبان!
لكن هذه النصيحة تستدعي قبلها حضورًا قويًا لوعيك وإدراكك للمواقف في لحظتها. ما الذي يحدث؟ وما وجه الاختلاف القائم؟ ثم تذكّر أنك لست ملزمًا بتغيير أي طرف، لا أنت ولا هم. كل ما عليك هو أن تدرك الموقف، وترسم حدودًا واضحة، وتحافظ على ثباتك.
مررت بلحظات اختلاف كثيرة جدًا، وكنت أردد في داخلي، وبكل هدوء: الأمور هنا مختلفة تمامًا. أعي في نفسي ما أؤمن به، ثم أدع الأمور تسير.
فالهدف مما سبق أن كوننا مقربين لا يعني بالضرورة أننا نسخ مكررة من بعضنا، ولا أننا نتشارك كامل تفاصيل المشهد. وربما أصبحت هذه الفكرة، مع مرور الوقت، إحدى الركائز الأساسية في حياتي.
نعم، الاختلافات كبيرة.. بعضها أساسه تربوي، وبعضها نفسي، وبعضها يعود إلى اختلاف زاوية النظر، أو إلى تضارب القناعات، أو غير ذلك. الأسباب كثيرة، لكن النتيجة واحدة.
وربما لهذا كله، لم تعد العودة بالنسبة لي حدثًا أنتظره، بل حالة أعيشها. أعرف أين أقف، وما الذي أريد الحفاظ عليه، وما الذي يمكنني تركه دون أسف. وهذا وحده كافٍ لأن أقول: نعم، لقد عدت.
على الهامش:
النصيحة الدائمة: اكتبوا يومياتكم. انقلوا كامل التفاصيل إلى الورق، وأعيدوا ترتيب كل ما تبعثر داخلكم بالكتابة. سيأتي يوم تعودون إليها، وتدركون أن الذاكرة وحدها لا تكفي.
















