أبويا

أبويا (جدي لوالدتي) حبي الأول بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خطواتي وذكرياتي الأولى مرتبطة به، حضوره كثيف في كل سنواتي، منذ ذلك النوع من الذكرى الضبابية، مرورًا بكل مراحلي الحياتية والتعليمية. في الصباح كان يوصلني للروضة التي هي أقرب لمنزلنا منه لكنه يأتي من أجلي، كذلك الحال في المرحلة الابتدائية ولن أنسى فرحته وهو يوصلني عام ٢٠١١ لشراء كتب مقررات الجامعة من إحدى المكتبات، اختار أن يتصل بصديقه: ألو… هلا والله رايح أوصل مشاعل تشتري كتب الجامعة! مشاعل؟ ايوه..دخلت جامعة الملك عبدالعزيز هذي السنة. الله يبارك فيك.. ثم تعليقه بعد انتهاء المكالمة وضحكنا.


فترات الصباح وآخر الليل مرتبطة به وخالي تركي، كنا نقضي برفقته الكثير من أوقاتنا. نبدأ يومنا في بعض الأحيان بالذهاب معه لإحضار الفطور ثم اللعب بالورق أو مشاهدة فيلم كرتون من شريط فيديو أو مشوارنا معه لأرضه وسباقنا له بالسيارة. كنا نخبره ما نريد إذا رفض الكبار طلباتنا، أتذكر بكائي وتركي لأننا نريد شراء بيضة بيكاتشو الآن! ومحاولاته إقناعنا بأن الوقت قد تأخر ووعده لنا بذهابنا في اليوم التالي لكنّا لم نقتنع، ذهبنا بعد العشاء وقد تأخر الوقت فعلًا. حبه لتسجيل الأرقام في دفتر يلازمه، بدأت الكتابة له في عمر مبكرة وكنت أسعد في كل مرة يطلب مني ذلك. جلوسه أمام أوراقه أو ماكينة الخياطة أو أشرطة الفيديو… مشاهد كثيرة يستحضرها رأسي إذا ما أردت كتابتها لن أنتهي هو سيدها وأساسها، صوته وضحكته وخفة دمه وذكاءه.

في طفولتي المبكرة جدًا كنت أنسب نفسي إليه، يسألوني ما اسمك؟ أجيب مشاعل وألحق اسمه ليضحكوا ثم يصححوا لي وأرفض، هم يخبروني لا أتذكر هذا التفصيل جيدًا لكن الآن أعيده إلى قلبي، ربما قلبي اختاره والدًا لي لأنه يمثل دور الأب بأبهى ما يمكن. حفيدته الأولى والوحيدة لسنوات ولا أحد من أحفاده يعرفه مثلي، وأنا هنا أعي ما أقول تمامًا. لم يكوّنوا شريط ذكريات كما فعلت، ولم يعرفوه في قوته ونشاطه. جدنا واحد لكننا نعرفه بطرق مختلفة ونحفظه في ذكرياتنا بأشكال مختلفة ونختصره ونعبر عنه بكلمات قد تصل للتضاد.


والآن، ترهقني جدًا رؤيته وهو يتقدم بالعمر، أن يتبدل حاله ويلزم مكانه بدلًا من نشاطه وخروجه وحركته الدائمة. أن يحتاج لغيره بعدما كنا كلنا نلجأ ونعود إليه. أن يبقى صامتًا معظم يومه وحيدًا وإن اجتمعنا حوله. يفقد أصحابه ومعارفه ونمط حياته السابق. ويذكر جدة بحالها وما كانت عليه منذ سنوات خروجه الأخيرة. ركننا المتين ووثاق أماننا ورجل المهام السهلة والصعبة ومنقذنا، أحبه ويحزنني ضعفه ولكن هذه الحياة. ومهما كتبته لن أوفيه حقه أمده الله بالصحة والعافية.

ضحكة

عندما نضحك سويّا، أنا وماما ويكون لضحكتينا نفس النغمة، البدايات والنهايات تتشابه حد التطابق. أشعر حينها أن قلبي الذي يضحك. كذلك عندما نستمع لأحد ما ثم نطلق ذات التعليق وبنفس الأسلوب! الله الله. تتلاقى نظراتنا لإدراكنا ونبتسم، من أجمل لحظات عمري.

لم تكتمل

استيقظت واتجهت مباشرة إلى البحر، ولاحظت في طريقي بأن علم السارية غير موجود على الرغم من أنني شاهدتهم عصر الأمس وهم يرفعونه واستغربت. للأسف أجمل أجزاء الواجهة البحرية كان مغلقًا بسبب تجهيزات الفورملا. لكن لا بأس، كل ما في الأمر تغير المكان قليلًا. كان صباحًا هادئَا وصاخبًا بأمواج البحر في الوقت نفسه. استنشقت الهواء ملء رئتاي ووقفت لدقائق أراقب تخبط الموج وتلاطمه ثم تقدمت لزاوية أخرى من البحر يتوفر أمامها كراسي قريبة جدًا تمكنني من الجلوس عليها ومتابعة مراقبتي للأمواج. ومن الواجهة ذهبت إلى الكورنيش الأوسط هكذا اسمه بينما أسميه البحر القديم، لم أنزل إلى البحر لكن

مسوّدة

كُتبت في البداية كمسوّدة لرسالة طويلة موجهة لشخص واحد وانتهى بها الحال إلى تدوينة، لكل المارين من هنا.

10 نوڤمبر

أفكر اليوم -بكل نرجسية ربما- في كم الأفكار التي لو حولتها لواقع كيف ستكون مغرية وغنية وممتعة لي أنا شخصيًا! تتوزع بين مشاريع كتابة وأخرى ثقافية وبعضها تجارب وسلاسل ممتدة < الأوصاف توحي بضخامتها وهذا ما يلائمها رغم بساطتها. أتعلم تلك الحالة التي تصلها لكثرة انشغالك ثم تبدأ تخترع؟ هذا حالي بالضبط. بين مشاريع ترجمة ومشاريع كتابة (تدوينات) ومشاريع قراءة ومشاريع تصوير وسلسلة تجارب لأماكن معينة في جدة وتجارب توثيق بنمط يتكرر. اعتدت سابقًا تصوير ثانية واحدة فقط لتكون الأهم في يومي ثم أجمعها آخر السنة في فيلم يصل لست دقائق، أيضًا سيلفي كل يوم بأبعاد ثابتة لوجهي ثم تجمع كفيلم سريع وأرى كيف تغيرت، هنا حبة اختفت وهنا شعري ازداد طوله وهنا وجهي مورّد وهناك مصفر وهنا هالاتي تكاد تبتلعني وهكذا. أيضًا كنت أصور #فوتوغرافيا_الانتظار وأخرى #فوتوغرافيا_الأسقف و#قراءات_الانتظار وكلمة كل بداية أسبوع دراسي و٩صور ملخص لأسبوع العمل وكتاب الجمعة وفيلم السبت.. لدي الكثير من هذه الارتباطات والتي افتقدها وأتمنى العودة لمثلها. 


صحيح أني في الكتابة ثرثارة وجدًا لكن هذا خلاف الواقع، حيث أستمع أكثر بكثير مما أتكلم ولولا المدرسة واحتساب عدد كلماتي في شرح الدروس والتواصل مع طالباتي وزميلاتي يمكنني الدخول في مسابقة العيش بأقل كلمات منطوقة في اليوم الواحد لكن بالطبع لن أفوز بالمركز الأول ولا الثاني ربما الثالث. وهذا أسبوع المراجعة، في اليوم الواحد يتراوح عدد حصصي بين أربع إلى خمس لا وجود لثلاث حصص، وطبيعة المراجعة ليست كالدروس، أتكلم أكثر. اليوم دون مبالغة صوتي فحط وأنا أراجع. احححح احمممم اححممم عفوًا، ولكن البحّة أبت إلا البقاء وأكملت بصوت مجروح مـ< هناك وصف آخر يناسب الصوت المبحوح لكن رأسي لا يسعفني! 

دوّامة

9:05م
أول أسبوع من نوڤمبر كان أسبوعًا لطيفًا، اعتقدت خلاله بأني استعدت روتين أيامي وصار لدي متسع من الوقت لأقوم بما أفضل، كان هذا في الأيام الستة الأولى فقط. أما الآن في العاشر من الشهر، أستطيع القول بأنها خدعة صغيرة. أكتب الآن بينما يفترض بي تصحيح الدوري الثاني والثالث لكل من طالبات الصف الأول والثاني متوسط وأرصدها في سجلاتي ونور وأن أكتب الأسئلة النهائية أو على الأقل أقرأ مقدمة كتاب الحداثة السائلة أو أكمل حلقة Chernobyl. لكني لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء.. أضف إلى ذلك حصص الغد لم أستعد لها بعد. ما زال هناك وقت لكن لأي من هذه الخيارات بالضبط؟

أكتب كثيرًا، أحتفظ بمسوّدة رسالة دائمة. أكتب فيها كما لم أفعل من قبل مع أي مسوّدة كانت. وهذا طقس يعجبني جدًا.

أن يتحول الألم الحاد إلى ما دون ذلك ويندمل الجرح الغائر وما كان بالأمس واقعًا كثيفًا ثقيلًا صار اليوم مجرد طيف ذكرى عبرت وانقضت. يعود هذا لتراكم الأيام أم للنسيان؟ أي للمسافة أم الذاكرة؟

أشعر في هذه اللحظة: كما لو أني سلسلة من الأشياء المتراكمة والمؤجلة والمجتمعة في زاوية.

حيرة

ما زلت عاجزة عن استيعاب كيف لإنسان أن يكون قادرًا على التفوق في تقديم كل هذا الأذى؟ ولمن؟ كيف لقلب يحمل أسمى أشكال الحب: حبًا فطريًا أن يتحول إلى هكذا قسوة؟ ولماذا؟ هناك أشخاص لا أستطيع تخيل -مجرد خيال- أن أؤذيهم بأي طريقة كانت، كيف لو أنهم الأقرب على الإطلاق؟ عجيب الإنسان.

يمكن للمرء أن يغضب كيفما شاء ويفعل ما يريد لكن أن يصل الأمر للظلم والتعدي؟ للأذى صراحة؟ بل يتعمدها بكل ما أوتي من قوة؟ ألا يفترض أن توجد لدى كل منّا قيوده ودوافعه التي تردعه عن ارتكاب الكثير؟ ضميره؟ تفكيره؟ قيمه؟ عاطفته؟ أي سبب؟

كثير مما يجمعنا نحن كبشر، يجعلنا متشابهين في تقبل ورفض بعض التصرفات لأن أساسها واحد فتتقاطع ردات فعلنا حيال حدوثها. هذا بالضبط ما يجعلني لا أفهم! ويدفعني للتساؤل المستمر: لماذا؟ لماذا كل هذا؟ غريب.

ربما تكمن المشكلة في فهم أدوارنا، ما لنا وما علينا. وقبل ذلك “إنسانيتنا” لأنه إذا ما انعدمت الأسباب التي تردعنا عن تعمد الشر لغيرنا، يفترض أن يبقى أحدهم على الأقل: هذا ما لا يقبله إنسان.

من نعم الله، أن الحياة لا تقف، وأننا نستطيع العيش رغم كل ما هو قائم. تعبرنا لحظات نحزن؟ نصاب بالخيبة؟ تخار قوانا؟ نعم وطبيعي لكن في الجهة الأخرى، ما زالت حياتنا شاسعة ممتدة ومتعددة بكل خياراتها، ما زال هناك من يحبنا ونحبه بأجمل ما يمكن للحب أن يكون وهنا ترجح الكفة من جديد وبالنسبة لي هذا يكفيني ويفيض.

أكرر مرة أخرى: عقلي وقلبي عاجزين عن استيعاب قدرة الإنسان الخارقة على التحول وعلى استمراره وحرصه بحصول الأذى لأقرب أشخاصه وناسه.

دائرة

متأخرة عن كل الأشياء وتجاه كل الأشخاص كما لو أنها في غير زمانها، كما لو أنها قررت التخلف عن الكل دفعة واحدة. لا تنام ولا تنجز مهامها -لكثرتها- وتركض في سباق دائم ولا وقت فراغ لديها. رأسها دائم التفكير والأسئلة لا تتوقف وحيرتها تكبر. تشعر أنها تضخم التفكير بأمر ما، هذا هو الواقع وما يزعجها علمها بذلك، تفكر لابد أن يعود كل شيء إلى حجمه الطبيعي، إلى ما يناسبه وهذا يعطيها شعورًا حادًا لكن لابد منه وضروري ولازم! أخيرًا تشعر أنها تدور في ذات الحلقة وكل شيء يتكرر مخلفًا أثرًا أعمق.

-_-

ارتكبت اليوم حماقة صغيرة، حماقة من النوع الذي لن يحسب كذلك لولا بعض الظروف المحيطة به. لم أستوعب ما فعلته إلا بعد ساعة تقريبًا! وهنا أنا أكتب الآن وقد مضت أربع ساعات وما زلت غاضبة بعض الشيء، غاضبة إلى الحد الذي جلب معه صداع خفيف. في الحقيقة أنا “متفاجئة” كيف يحدث معي هكذا رغم تركيزي وحرصي على إدارة هذا الموضوع بالذات؟ كنت قد خططت مسبقًا لأمر ما ثم وبدون تركيز مني تجاوزت خطتي والآن أنا في استضافة تأنيب الضمير مع اللوم.

لا شيء

لا شيء، سوى أنها تشعر بالوحدة مؤخرًا أكثر من قبل. أو بمعنى أدق صارت الوحدة ترافقها، تظهر كأنيس مخلص في كل لحظاتها التي تكون فيها وحدها وهي ليست بالقليلة، كشبح يحيط بها ليفكرها بمدى مخالفتها كل هذه الحشود من حولها. لكنه يقطع هذه الوحشة، هو ضبابي وغائب وحضوره لم يتجاوز هيئته التي تعرفه بها، طيفًا يومض كمصباح مهترئ. هي من اختارت له أن يكون (هنا) على الرغم من حرصه الدائم ألا يبرح (هناك).

مستثنى

-1-
أهوى لحظات أن يخبرني طفل عن معلومة جديدة عرفها، أعطيه كامل تركيزي وردة فعلي المندهشة! أتذكر دائمًا أني كنت تلك الطفلة التي تخبر من حولها بما تعلمته مؤخرًا وتراه يستحق المشاركة، لذا أنا أعي هذا الشعور، أعي جمال أن أعطي معلومة أظن بأنها جديدة لشخص يبادرني شعور الدهشة حتى وإن كان يعرفها. وهذا غالب حالنا مع الأطفال.

-2-

كيف للأماكن أن تكتسب أهمية من خلال الأشخاص في حياتنا؟ هي كانت أماكن مغيبة، لشدة هامشيتها كأنها غير موجودة ثم فجأة يظهر شخص ويتسلل إلى دائرة اهتماماتنا، أو قد يكتسب أهمية تتسرب عنها الأشياء المتعلقة به لتصبح حاضرة بل شديدة وقوية الحضور في أيامنا. نراه فيما يفضله، في الأماكن التي يرتادها، في الأماكن التي كنا فيها برفقته، بصرف النظر أكانت هذه الرفقة محادثة أو مكالمة أو رسالة أو لقاء. ارتباط الأماكن بالأشخاص أمر مدهش وعجيب. ما حفزني لتذكر هذا، أني بالأمس مررت بلوحة ترشد لمكان ما، هذه اللوحة لم أكن أبدي لها أي اهتمام وكأنها غير موجودة، في الحقيقة لم أراها من قبل وإن رأيتها فمن المؤكد أنها كانت كأي شيء عابر مضى صدفة ضمن مدى بصري. لكن بالأمس كانت المرة الأولى التي أنتبه لوجودها أو حتى أعلم أنها قائمة هناك. ذهبت إلى ذات اتجاه اللوحة، رأيت المبنى المقصود، وها هو قد اكتسب وجودًا في عيني. كنت أعبر الشارع مرارًا وتكرارًا لكني لم أولي هذا المبنى أي اهتمام، أما الآن، فهو أول ما أراه في ذلك الشارع. بمعنى: ظهور أو وجود أو اختلاف ترتيب شخص في أيامنا وارتباطه في ذات الوقت بأشياء عدة يسحب معه -إلينا- أشياء كانت بالنسبة لنا في العدم، يعطيها الوجود، يعطيها هذا الحيز والمكان وهذا الحضور الكثيف في أذهاننا.

جميع ما كتب بالأعلى، سجلته كملاحظة صوتية أثناء مشيي، أردت القبض على جزء من أفكاري وهذا ما كان.

-3-
تعجبني فكرة الاستثناء وبحثت في المعجم لأصل إلى المعنى الذي أعنيه:
استثنى الشَّيءَ: أخرجه من قاعدة عامة أو حكم عامّ.
للحظة ستعيش جمال شعور أن تكون مستثنى من كل قواعد أحدهم، أن تكون استثناؤه المقصود والمعني. أن تُغَير أشياء أو تستبدل، لأجلك ودون سبب سوى أن تكون أنت هو أنت! والأجمل أن تستثني. تكسر ما اعتدت عليه وتلوي أطرافه لأجل من يستحق ذلك. فعل بسيط لكني أراه استثنائي.