مركز الكورنيش

قررت فجأة الحصول على حذاء جديد وكذلك ذهابي إلى مركز الكورنيش دون سواه. أردت التقاط صورة للواجهة لكن خضت تجربة جديدة مع مكاني القديم حالت دون تحقق ذلك. دخلت بالخطأ إلى مسار المواقف العلوية بدلًا من الأرضية ولا مجال للتراجع إذ إن الطريق يزداد في الارتفاع كلما تقدمت حتى وجدتني فيما يعادل الطابق الثاني من المركز. لأول مرة أجرب المواقف العلوية هناك.

مركز الكورنيش من الأماكن البارزة في ذاكرتي والتي لن يكتمل حديثي عن طفولتي دون التعريج عليها. من الأماكن العتيقة وتربطني به ذاكرة غارقة في القدم تعود إلى عمر الرابعة. ذاكرة مزدحمة بالكثير من التفاصيل والأشخاص والمواقف واللحظات. قضيت بين زواياه الكثير من أوقاتي، كان من أماكني المفضلة تلك التي أسعد بذهابنا إليها. كانت زيارتنا له تكاد تكون شبه شهرية، بالتحديد إلى مكتبة المأمون وقد انقسمت إلى قسمين، أحدهما قرطاسية والآخر مكتبة. سلسلة أناشيد سنا وقوائم ممتدة من كتبي الأولى تعود إلى هناك، كتب جحا وكتب الألغاز والقصص القصيرة إلى أن وصلت إلى كتاب (لا تحزن) في الصف الأول متوسط تقريبًا.

الدخول إلى مركز الكورنيش يعني الاصطدام المفاجئ والسريع برائحة القهوة وهي تسيطر على المكان من كل الجهات وتعود لدارة القهوة، يعني النافورة وصوتها والوجوه مزدحمة من كل الجنسيات بلا استثناء.

ذهبت إليه اليوم مع ماما، وحصلت على حذائين بدلًا من واحد، لكن لم أصطدم برائحة القهوة ولا بتلك الوجوه الوافرة. كان كل شيء كما هو باستثناء مكتبة المأمون والتي صعقت قبل سنوات بتقلص حجمها من نصف طابق إلى نصف محل يحتوي كتب لا يميزها شيء سوى أنها ما تبقى من مكتبة هائلة. هناك محل في طرف السوق، اعتدت شراء أحذية الجامعة منه لسنوات، عدت إليه بعد انقطاع كورونا ولم أجده واليوم لم أقترب من تلك الزاوية، وسوبر ماركت الدانوب يبدو غريبًا، كرقعة في ثوب قديم.

لم ألتقط سوى الصورة أعلاه لأتذكر أين أوقفت السيارة فلا أدخل في رحلة بحث طويلة. كنت أفكر مع سلسلة الهدم الممتدة في جدة، وهي جغرافيا ليست بعيدة عن مركز الكورنيش. إذا ما هدم في يوم ما، فهذا يعني بالضرورة اختفاء جزء من ذاكرة الطفولة (المكانية). والآن، أريد البدء بتصوير أماكني المفضلة أو ما تبقى منها. لدي قناعة بأن اختفاء المكان أو تبدل تفاصيله الناتجة عن ترميم مثلًا تؤثر في وجوده. مدرستي الابتدائية 87 هدمت ثم بنيت من جديد باسم آخر، بهذا هي لم تبقى سوى في رأسي! أيضًا الابتدائي 32 داخلة ضمن مشروع الهدم وستختفي تمامًا .

أحب جدة وأعشق أماكنها خصوصًا تلك المرتبطة بسنوات لم يبقى منها إلا طيف ذكراها، ولا أنكر بأنه يحزنني ما يحدث فيها من تغير عظيم ومفاجئ -وحاد بعض الشيء- لهويتها ولجدة التي نعرفها لكنه في المقابل ضريبة التجديد والتطور. نمر بأماكن كثيرة هدمت لكن ما زلنا نحاول تذكر بداية ونهاية أطراف الأماكن. هنا كان المطعم ملاصق له السوبر ماركت وهناك المركز بجواره الحلاق و و و و.

رأيت اليوم مقطعًا التقط من البنك الإسلامي، لا أرى إلا أرضًا شاسعة. كانت هنا حياة، فهل سنقول: كانت هنا جدة؟

توقد

-1-
أولي التفاصيل الصغيرة اهتمامًا دون تكلف وأراعي صغائر الأمور، ويبدو أن رأسي في يوم ما قرر اتخاذ وضعية الملاحظة دون أذن مني، هو يتكفل بالأمور وأنا عضو شرف. وأهتم بالفروق وأقارن كثيرًا بين الأمور وحساسيتي أظنها عكسية إذ أراعي الآخرين في تعاملي وأسقط اعتبارات كثيرة لمحاولة قراءة الحال كل هذا حتى أكون خفيفة. أفهم جيدًا وفي أحيان كثيرة يكون هذا الفهم هو كل مشكلتي. إضافة للفهم ملاحظتي شديدة. وإذا اجتمعا ينتج عن ذلك إدراك مرتفع لكل ما يدور حولي، ألاحظ التأخر عن العادة وإن قل وما لم يقال وكأنه قيل صراحة، التغيرات الصغيرة وما تجره خلفها، النبرة والنظرة وما بينهما. أفهم بعمق لكن إما اختار تجاهل هذا الفهم وكأنه لم يكن أو استباقه حتى لا يكون. لا أبالغ، وأمثلتي على هذا كثيرة، أقول ما سبق لأنه بقدر ما يهمني إلا أنه قد يصل لدرجة الإرهاق في بعض الأحيان. هذا التوقد والحضور الدائم بقصد أو بدون، مرهق. هل لاسمي من هذا نصيب؟ حيلة ضعيفة لحد ما.

-2-
لاحظت سمة لم أكن أراها من قبل بهذا الوضوح والحدة بين طالبات ما زلن في المرحلة المتوسطة. القلق. قلق ظاهر وواضح وغريب حيال أمور بسيطة تحتاج بعض الانتظار! حتى وأنا أخبر الطالبة: عادي خذي راحتك، لسى باقي وقت. طيب روحي للي بعده وبعدين ارجعي خذي وقتك مع هذا….استغرب تعاملهم وإن قد يكون ناتجًا عن حرص مثلًا أو لأي دافع. عندما كنت في المتوسط، أو خلال دراستي كنا نعرف من صديقاتنا من كان القلق ملازم لها لكن لم يكن شيء مرافق للجميع أو الأغلبية، ليس بهذا العدد. أتأملهم وأتمنى لو أعرف ما السبب؟ ما المشترك بينهم؟ وجعل القلق نتيجة؟ 

-3-
 ​لكثرة ما يعبرني أو ما أعبره في الفترة الحالية وهو ليس بالقليل، بت استخدم استراتيجية البنج الموضعي هههههه طبعًا اخترعتها من رأسي. فكرتها ببساطة: أنا أدرك كل الأمور بتفاصيلها لكن اختار بالمفاضلة بينهم أيهم أشغل تفكيري به الآن وأيهم يحتمل البقاء لوقت لاحق فيوضع تحت بنج مؤقت. حقيقة لا أعلم بأي كلمات أصف حال أيامي لكن الشيء العجيب أني لا أشعر بمشاعر سلبية. أدرك أنها فترة ضغط عال جدًا لكن لست مستاءة أو محبطة مثلًا! إنما كل ما في الأمر هو أنني أعي ما يحدث ولن أقول أيضًا هناك مشاعر إيجابية طاغية، لا. تتكرر كلمة مشاعر لكن يهمني فهم ما أشعر به. للمشي بعد الله فضل كبير.  أتعلم تلك اللحظات التي تخاطب فيها نفسك؟ لا أحد يعي ما تمر به لذا لا مواساة ولا تخفيف ولا شيء من أي شيء سوى منك إليك. ثم أولًا وقبل كل شيء الدعاء، لا سلوى ولا طمأنينة ولا قوة كالتي أجدها في الدعاء. يقينًا يطبطب على قلبي ورضًا بكل ما يأتي من بعده. الدعاء حبل متين وقوة داعمة. 

الأمر سيّان

-1-
قرأت ذات مرة بأن أكثر الأسئلة تبدأ بـ:كيف؟ في حين أن معظم إن لم تكن جميع أسئلتي قائمة على: لماذا؟ لم تكن حيرتي في الطريقة، دائمًا هناك حل. إنما في الأسباب والدوافع والمحفزات. في معرفة الأساس الذي قادنا إلى ما وصلنا إليه عند وصولنا أو فيما يدفعنا للوصول إذا لم نسلك طريقًا بعد.
هناك ما يحدث ويجعلني متعجبة فعلًا من مشاعل! لم يسبق لي أن كنت في حالة مشابهة على الإطلاق. غرابة غريبة 😶
اعتدت على ترك الأمور تسير كيفما اتفق، حتى وإن كانت (ظاهريًا) تبدو متناقضة فالأساس واحد وستؤول في آخر الأمر إلى نفس الجهة. لكن هذه المرة؟ لا يخصني الأمر وحدي وهنا مكمن النكتة. لا يملك الجميع القدر نفسه من المرونة واللين، لذا قد لا تُتجاوز (الحماقات المتكررة) عندما تكون نتيجتها متعدية ومشتركة إن كان مرتكبها واحد (أنا)

-2-
الإنسان إنسانًا بما يعتريه ويعبره من مرتفعات ومنخفضات، بقلة حيلته أمام ما استعصى عليه، بتجاربه الجديدة وخبراته القديمة. من هذه القناعة، أنا لا أخجل مما أخوضه ولا من تبدل وتغير حالي. أواجه بكل ثبات لحظات ضعفي التي أدركها تمامًا، تلك التي أقف أمامها عاجزة عن اتخاذ أي خطوة رغم فهمي التام لما يحدث أو حتى النقيض من ذلك. وما كتبته الآن إنما توثيقًا لهذه المواجهة والتي تبدو لي -حتى اللحظة- صماء تمامًا. حين أقرأ ما كتبت، أسأل: ألا يبدو في هذا مبالغة يا مشاعل؟ قد يكون كذلك. لكن على الأقل، أنا أكتب ما أعيشه وأشعر به، أكتب صدق شعوري وأنقل أفكاري كلٌ كما هو. ولا مانع لدي إن بدا في ذلك مبالغة طالما أنه واقعًا قائمًا ولو للحظة واحدة.
مررت بما هو أشد وأصعب أضعافًا كثيرة مما لا يبقي مجالًا للمقارنة. ولطالما كانت الكتابة طريقة للتجاوز، لذا ستبقى كذلك. وليقرأ من يقرأ أو يقرأ من لا يقرأ أو لا يقرأ من يقرأ الأمر سيان.
ولأن مريم قالت: الكتابة تحتاج شجاعة؛ فأنت ستواجه نفسك أولاً وهذا أمرٌ ليس بالهيّن. ثم ستواجه الناس وهو أمر لا أعرف كيف أصفه.

ثلاث سنوات

الذكرى السنوية الثالثة للمدونة، أي ثلاث سنوات مضت على أجمل قراراتي، وبهذه المناسبة لابد من كتابة شيء ما. لمدة أسبوعين وأنا أعيش تلك الحالة التي تتردد فيها تدوينات طويلة لكنها لا تتجاوز كونها طيف أفكار يرافقني طوال الوقت.

في الحقيقة، لا أتذكر أني سبق وقضيت أسبوعين وأنا منشغلة بشكل متواصل كما يحدث معي الآن. لطالما تزاحمت المهام من جميع الجهات لكن ليست كهذه المرة. دون مبالغة، أكون منشغلة منذ استيقاظي وحتى موعد نومي. حالة ركض مستمرة، بين حصص أغلبها متتالية إلى حضور محاضرات ثم إكمال القائمة بمهام البيت. رأسي في حالة تأهب وتخطيط وتقديم وتأجيل وبحث عن حلول بديلة ..إلخ. بالإضافة لمراعاة الكثير والرد على المحادثات المهمة أو حتى غير المهمة في الأوقات الضائعة بين الانتقال من مهمة لأخرى. ما زلت أشعر بذنب التأخر الناتج عن غيابي عند إصابتي بكورونا على الرغم من أنه طفيف وحتى بعدما تجاوزته، جدولي منذ عدت وهو خمس حصص يوميًا! وأول المتضررين صوتي. حتى الآن لم يعد لطبيعته، مبحوح مجروح متألم مسكين ومرهق طوال الوقت.

أعيش فوضى بسبب اختلاف الفصول الدراسية بين الجامعة والمدرسة، إذ أننا في بداية الفصل الثاني في الجامعة لكن في نهاية الفصل الثاني في المدرسة! وهذا يعني اختلاف الشعور تجاه كل منهما. أحدهما نهاية والآخر بداية، هنا لابد من الركض وهناك لا مشكلة في المشي! لا أعرف نحن في أي أسبوع؟ في المدرسة الأسبوع العاشر من أصل ثلاثة عشر أسبوعًا وفي الجامعة نحن في الأسبوع الخامس من أصل أربعة عشر أسبوعًا؟ لا أعلم وهنا لا أبالغ عندما أقول لا أعلم. في الحقيقة، معظم الوقت أنا لا أعلم عن تفاصل كثيرة وهذا أمر غريب على مشاعل لكن لا بأس ولن أحاول إدراك كل شيء. دع الأمور تسير كيفما اتفق.

لا وقت للقراءة أو المشاهدة أو المشي، لكن الحسنة الوحيدة هي التزامي بالكتابة التفصيلية في دفتر يومياتي. أكتب بالكثافة والطريقة التي أحب، تفاصيل ومواقف ومشاعر وأفكار وحوارات وتفكير بصوت مرتفع، أقنع نفسي وأحلل ما يحتاج إلى تمييز وتفنيد والكثير مما يحدث في أيامي. أكتب كثيرًا جدًا وهذا الأمر يعيد لي بعضًا من جمال شعوري خلال اليوم.

نظرة عامة: أفقد رغبة التواصل والمشاركة، أميل للانكماش والابتعاد. في الواقع يصعب الانزواء لكن الرغبة امتدت هذه المرة لتشمل التطبيقات، وأرى هذا جيدًا. مؤخرًا، اختلف تواجدي، مستمرة في حسابي الخاص في انستقرام والذي لا يتابعني ولا أتابع به أحد وامتد الأمر نفسه في تويتر مع حساب مغلق. زاهدة في كثير من الأشياء ولا رغبة لي بالتشبث سوى بالأساسيات فقط وأميل للتخفف وإفلات يدي مما قد يتطلب تركيزًا إضافيًا، على الأقل في الفترة الحالية. كل شيء يمكنه الانتظار، لا داع للركض. علينا الاستغراق والغرق والغوص وربما الاستغناء.

قلت لنفسي في لحظة: كل ما يتطلبه الأمر منا، العودة للوراء قليلًا ثم أخذ نظرة بانورامية ندرك من خلالها حقيقة ما كان. تلك الحقيقة والتي غُيّبت لسبب ما. يمكننا الآن الفهم بوضوح واتزان نفسي يسمح لنا بمواجهة كل ما كنا نهرب منه، استيعابه وبتالي تجاوزه بيسر وسهولة.

وصلتني الرسالة التالية من الجامعة، أسعدتني وجعلتني أبتسم:

كعادتي أجدني في الدعاء، لدي ما أدعو الله به في كل وقت وحين، مع كل حركة والتفاتة وانتقالة، وسط شرحي وأنا أقود السيارة، في الانتظار أو في المحاضرات. لا شيء كشعور الإلحاح بالدعاء لله وحده مع يقين تام ورضا بكل أشكال الاستجابة كيفما كانت.

كل ما أتمناه الآن، مزيدًا من الوقت -لا أعرف كيف- والنوم والهدوء.

جمعة هنية

أهلًا، بعيدًا عن محاولات تنظيم ما يمكن كتابته هنا. سأكتب كيفما كان. وسأبدأ من الجمعة الرابع من فبراير. في أول ساعاته كنت أراقب تغير اللون البني في تطبيق توكلنا إلى اللون الأخضر وتحول حالتي من مصاب إلى محصن. نعم، في الجمعة الماضية ٢٨ يناير زادت الأعراض المصاحبة وأجريت فحصًا منزليًا أخبرني أني مصابة وبعد ساعات قليلة ذهبت لعيادة تطمن لتظهر النتيجة بعد ساعة بالضبط: إيجابي. إذًا زارني كورونا للمرة الثانية. وعليه بدأت إجازتي المرضية لمدة أسبوع هذه المرة بخلاف المرة الأولى أسبوعين. بشكل عام أعراض المرة الثانية تختلف في حدتها وتعددها عن أعراض المرة الأولى. وهنا يلزمني قول أنني في بداية يناير تلقيت الجرعة التنشيطية (الثالثة)

بالعودة من جديد إلى الرابع من فبراير، يومي كان طويلًا وممتلئًا دون تخطيط مسبق، كل نهاية ساعة تأخذني بيدها إلى التي تليها. بداية عندما خرجت من البيت حوالي الواحدة والنصف ظهرًا كان الطقس جميلًا جدًا، غائم وهواء منعش. ذهبت إلى مطعم OutBack لأجل طبق واحد فقط. وهنا تجدر بي الإشارة إلى أنه صارت لدي مجموعة لا بأس بها من أطباق مفضلة أعني طبق واحد في مطاعم مختلفة يدفعني اشتياقي للذهاب في كل مرة إلى أحدهم. ولا يتوقف الحال على الأطباق إذ يمتد ليشمل أكواب القهوة بأنواعها التي أفضلها. إذًا صارت لدي قائمة مطاعم ومقاهي أزورها من أجل طلب واحد فقط. ولا أعلم حقيقة هذه ميزة أم عيب؟

لم أتأخر في المطعم، وحيدة ومن أجل طبق واحد فلا حاجة للمكوث طويلًا. بعدها ذهبت لمقهى كافيين لاب، في ذات المنطقة وحول شارع التحلية. قالت زينب بأن لديهم أفضل كابتشينو لذا أردت تذوقها. سفري ولا محلي؟ كنت سآخذه وأمشي لكن بعد سؤاله أدرت رأسي حول المكان ووجدت طاولة منزوية ثنائية الكراسي، أجبت: محلي وأرغب في الجلوس إلى تلك الطاولة. فعلًا كابتشينو لذيذ والأجمل من ذلك هو اكتشافي لمكان جديد مناسب للقراءة والكتابة. إذ أنني قرأت ثم كتبت وكتبت وكتبت! أفرغت رأسي وقلبي على الورق، سكبتهم ونقلت ثقل ما أعيشه هناك على السطور.

كنت دون مبالغة بحاجة للكتابة احتياج الغريق لأرض صلبة يقف عليها. منذ بداية يناير تقريبًا وأنا مشتتة، ممتلئة، مزدحمة حد التناقض، فوضى، أسئلة وحيرة وأشياء كثيرة جدًا تستدعي تفنيدها وتمييزها وتوضيحها. كنت أحتاج إلى قوائم مختصرة أو مطولة، أحتاج إلى ترتيب. كتبت ومررت على كل ما يشغلني دون محاولات للتجاوز أو الهروب. ربما استغرقت في الكتابة ما يقارب الساعة، كان ذلك بعد انتهائي من كوب الكابتشينو.

خمس صفحات، هي هطول لهذا التكثف. كنت أضغط خلالها على مواضع الألم وأواجه ما هربت منه لفترات طويلة. كدت أبكي لولا أني في مكان عام، وعوضًا عن ذلك كنت آخذ نظرة على المكان. كتبت دون ترتيب، ما يأتي أولًا يلتقط. كتبت إلى أن عمّ الهدوء ما كان ضجيجًا. هدأت وأعدت قراءته، جمعت أغراضي وغادرت إلى البحر. الطقس لا يفوت. ثم مشوار صغير مع ماما ثم مشوار آخر مع خالي عباس وأخيرًا العشاء مع ماما.

ما زال هناك ما يشغل بالي، لكنه أقل حدة من قبل.
مرة أخرى: لهذا اليوم أن يكتب.

انشغال

جدة مستمرة في تسجيل درجات حرارة منخفضة -قياسًا على المعتاد- خصوصًا في ساعات الصباح الأولى. يومي كان هادئًا منذ بدايته، سهرت البارحة على رصد الدرجات في نور إذ تناسيتها إلى الثانية عشر صباحًا، لذلك لم أنم مبكرًا يعني لم أحصل على كفايتي من النوم وكان أثر ذلك جليًا في خمولي وحركاتي البطيئة -أبطأ من العادة-. جدولي في الأساس خمس حصص ولكن دمج فصلين فتحول إلى أربعة حصص، وبعد مضي فصل دراسي ونصف يمكنني الاعتراف بأني لا أفضل حصص (عن بعد) وما زال لدي فصل مكون من تسع طالبات. الأمر مرهق والفرق في العطاء بينهم والحضوري واضح مهما حاولنا سده.

علاقتي بطالباتي في أفضل حالتها وهذا يعطيني شعور جميل ولطيف جدًا. لكن ما زالت طالبات الصف الأول متوسط يهابوني بطريقة أرى فيها بعض المبالغة ولا أعلم لماذا وهذا بخلاف طالبات الصف الثاني متوسط.

لم أعد لروتيني بعد. لم أعد للمشي أو للصيام المتقطع أو للرياضة أو حتى نظام أكلي. لكن أقرأ أكثر من أي وقت مضى ولعل في هذا مواساة.

انتهيت من قراءة قصص من السعودية 2018 وهو أول إصدارات هيئة الآداب والترجمة، مجموعة من القصص القصيرة لكتاب سعوديون وبدأت بالإصدار الثاني وهو خاص أيضًا لعام 2018. كتيبات صغيرة أقرأها بين الحصص أو أثناء مقاومتي النوم عندما لا يتبقى على الأذان سوى بضع دقائق. كنت مرهقة فاضطررت لأخذ غفوة بعد صلاة العصر وحين استيقظت للوهلة الأولى احترت أنا الآن في أي وقت من اليوم؟ الفجر أم المغرب؟ ضحكت على هذه التناحة التي لم تزرني منذ فترة طويلة.

عدت للكتابة في دفتر يومياتي، أقول عدت لأني لم ألتزم بعد كما كنت، منذ نهاية 2020 تغير تعاملي مع كتابة اليوميات ومن حينها وأنا حاول ولا أظنني سأنجح بالعودة إلى ما كنته. لكن آخر كل عام أكتشف أني أكتب كثيرًا! حتى مع إهمال الكثير من التفاصيل.

7:54ص: أشعر بكسل أو خمول أو شعور متراكم. أشعر أني أفقد رغبتي تجاه معظم الأشياء. لكن ربما بعد الحصة الأولى -في جدولي- ومواجهة طالباتي يعود كل شيء إلى حاله. وهذا ما كان.

بدأت اليوم بعد تأجيل الانطلاقة في حفظ سورة الحجرات، الآيات العشر الأولى تعويضًا عن ورد أمس واليوم. وهنا يمكنني القول لا شيء والله يعاد انشغال المرء بأمر يحبه، أن أملأ يومي بالكثير مما أفضل. بالدوام ولقاء صديقاتي وطالباتي ويومياتنا ثم العودة للمنزل وقضاء وقت ممتع برفقة ماما حفظها الله، يلي ذلك وقتي الخاص سواء بالقراءة أو الكتابة أو المشاهدة أو الدراسة والآن عودة للحفظ بعد انقطاع. كيفما كان قضاء وقتي إلا أن فكرة الانشغال بالاختيار نعمة عظيمة والحمدلله.

الأثنين 1443.6.14 الموافق 2022.1.17

حاشية: وأنا أكتب تاريخ اليوم في دفتر يومياتي أول ما جاء على بالي هو سرعة مرور الأيام، ها قد وصلنا إلى اليوم السابع عشر من يناير!

هوس

يقول ضيف فهد في قصة قصيرة له: أنا ذاهب في هذا الممر الآن، لمرة أخرى جديدة من مرات لم أكن حريصًا على عدها، لا أمتلك مثل هذا الهوس، ومع كل انعدام للمعنى أو الفهم الذي يسيطر عليّ، لم أصبح من أولئك المعتوهين الذين يحاولون جمع شتات أنفسهم من خلال العد، عد التكرارات السخيفة المحيطة بهم.

وأنا في الجهة الأخرى كتبت: أحب تتبع التواريخ، أحب فكرة المسافة الزمنية والفواصل بين الأحداث وكم زمن الاستغراق لفعل الأشياء.

لدرجة متقدمة أنا مرتبطة بالأعداد، قلتها ذات مرة لا أتذكر أين لكن إلى حد جيد تعطيني الأرقام فهمًا أكبر، حين أحوّل فكرة ما إلى مجموعة أرقام ومن ثم أبحث عن العلاقة بينهم تبدو بهذه الصورة أوضح وأقرب للواقع وأكثر فهمًا. علاقات مثل: أكبر، أصغر، أقل، أكثر، أقرب، أبعد، كم الوقت المستغرق وكم المسافة المقطوعة والزمن الفاصل وكل ما يمكن أن تحمله هذه الأرقام من دلالات ومعاني تتوسع لتشمل مفاهيمًا أعمق. بالطبع ليست كل الأشياء قابلة للخضوع إلى (الرقمنة) لكن كل ما هو متاح لهذا التحول سيكون فهمه أفضل.

أيضًا كتبت: أحب رقم 8 لأنه يشبه علامة Infinite والتي أغرمت بمفهومها منذ أن درستها وأرى رمزها معبر ومنطقي جدًا، دوران لا نهائي.

إذا بالنسبة لضيف، أنا إحدى أولئك المعتوهين الذين يحاولون جمع شتات أنفسهم من خلال العد.

عطلة

أكتب الآن، في آخر ثلاث دقائق من يوم السبت. أكتب وأنا في عطلة مزدوجة، فهي عطلة منتصف الفصل الدراسي الثاني من منظور المعلمة وعطلة بين الفصلين منظور الطالبة الجامعية.

كان يوم الخميس أشبه ببطل الأسبوع الماضي، ما زلت حتى اللحظة أعيش متأثرة بوهج ما حدث خلاله. بداية بظهور جميع نتائج مواد المستوى السابع وقد كان فصلًا دراسيا استثنائيًا بالمعنى الواسع للكلمة. ثم وأخيرًا انتهيت من جميع مقررات برنامج التأهيل الفقهي، سبعة مقررات استمرت لستة أشهر. وبداية إجازة منتظرة والأهم لقاء زينب.

قررت أخيرًا البدء في قراءة رواية البحث عن الزمن المفقود، كمشروع طويل وممتد لعام 2022. أردت قبل البدء بالرواية معرفة عوالم مارسيل بروست، لذا ذهبت للحصول على رسائله لكنها غير متوفرة في جميع فروع جدة لكن طلبتها من المتجر مباشرة وتصلني إلى البيت، أريد الغرق في طريقة تفكيره وشخصه ومعرفة من ذا الذي كتب رواية بهذه الضخامة. إذًا الخطة كالتالي: قراءة رسائل مارسيل بروست ثم كتاب مارسيل بروست والتخلص من الزمن بالتزامن مع روايته البحث عن الزمن المفقود. السؤال الأبرز: هل سأستمر فعلًا؟ سنرى.

قرأت خلال الأيام الماضية رواية صبية من متروبول ذهبت إلى جرير في زيارة تحت فكرة واضحة: أريد كتابًا لا أعرفه من قبل إطلاقًا على أن يكون عدد صفحاته قليل ليقرأ في يوم واحد وقد امتد هذا اليوم إلى ستة أيام. ما دفعني لأخذ صبية من متروبول هو اسم المترجم ولم يخب ظني فقد أبدع في ترجمته وهو الأستاذ تحسين رزاق عزيز.

أيضًا بدأت قراءة رواية المثل لدوستويفسكي، أثناء قراءتي لمراجعات القرّاء في مسابقة أقرأ، تكررت رواية المزدوج لدوستويفسكي كثيرًا. وجميع المراجعات كانت مميزة وأظنها انعكاس للرواية، مراجعاتهم حمستني لقراءتها. وأنا لدي الأعمال الكاملة لـ دوستويفسكي ولكن عندما بحثت عنها لم أجد رواية بعنوان المزدوج! عدت لعم جوجل، لأجدها ترجمت بعناوين كثيرة من بينها النسخة الموجودة لدي: المِثل. قررت مسبقًا قراءة دوستويفسكي بنفس ترتيب نشره لروايته. أي من الأقدم إلى الأجد لكن لشدة حماسي للمزدوج قلت ستكون استثناء. الصدفة الجميلة، أنها العمل الثاني له بعد الفقراء! وأنا قرأت الفقراء من قبل، أي أن قراءتي للمِثل لن تعاكس رغبتي السابقة. وسأستمر بذات الترتيب.+ عرفت، كذلك أنتج عن الرواية فيلمًا فزاد الحماس.

وبداية جديدة مع برنامج الاستهداء بالقران تحت إشراف الأستاذ بدر آل مرعي، أحقق من خلاله فكرة كنت قد قررتها من قبل وجاء هذا البرنامج داعمًا ومنظمًا لها. يشمل فهم وتدبر القرآن إضافة إلى حفظ ورد يومي قصير يبدا من طوال المفصل. اسأل الله القدرة على الاستمرار.

عاد الموكا ليسجل حضورًا كثيفًا في أيامي ولكن هذه المرة من مكان مختلف، أسمع حلقات بودكاست كثيرة وجميييلة! وتعبرني الكثير من الأفكار والتساؤلات التي كالعادة أنوي كتابتها، أشدها كان حول مفهوم الوحدة وهي ناتجة عن ذهابي مرتين لتناول وجبتي المفضلة وحدي.
+ هذه المرة أظنها ستكون عطلة بيتوتية مليئة بالقراءات والمشاهدات.

لم تكتمل

أكتب الآن والساعة تشير إلى السابعة والنصف مساء، أكتب بعدما قضيت يومًا عمليًا طويلًا. كنت أسير خلاله وأنا مثقلة، في الحقيقة مررت بحالات شعور مشابهة لكن كهذه لا أتذكر! هذه المرة يغمرني الشعور إلى أقصاي، إلى أعمق حد يمكن لشعور أن يصله بقلب أحدهم. كنت أشرح لطالباتي كما لو كنت في حلم مغيبة لكني حاضرة أمامهم، أختصر شرحي وأحاول تأجيل أي محاولات حوار ممكنة ورغبة تكاد تنعدم أمام أي نشاط يتجاوز الصمت.

^ كان هذا بسبب الاختبارات النهائية في الجامعة وضغط العمل في المدرسة.