كواليس مُهمّش

لستَ بحاجة لبذل جهد إضافي على معيار الذكاء الاجتماعي لتدرك مشكلته، كان شخصًا رغم كل ما يقدمه على جميع الأصعدة، الاجتماعية والعائلية و و ، يفتقد شيئًا من الاهتمام والالتفات إليه ما يجعله يسعى للحصول على جرعات متفرقة منه ومتواترة. ربما هو لا يدرك، ولن يلاحظ سعيه الدؤوب هذا من حوله، الكل يراه منشغلًا بأمر ما، هو ذاك الشخص الذي تعرفه لكنه مشغول مشغول مشغول! وحتى انشغاله لم يفهم كما يجب.

ببساطة شديدة، متماسك من الخارج وفتات من الداخل، هو يفتقد التقدير والشكر والاهتمام، الذي يفترض أن يتلقاهم نظير صنيعه وعيشه وتواجده ولأنه هو كما هو فقط! الأدهى من ذلك، هو بحاجة ماسّة للتأكد من أنه ما زال (مرغوبًا) أو (مقبولًا) أو (يمكن الالتفات إليه) يقاوم تفكيره المختل بمحاولات ابتعاده عما تمليه طبيعته، ليعود بعدها إلى أساسه النفسيّ مثقلًا بألف عذر يسكت بها صوته الداخلي -إن وجد-

والآن، خذ كوب شاي وتفضل بالجلوس بعيدًا ثم تابع المشاهد، سترى شخصًا وحيدًا رغم من حوله، هو لهم في حكم المعتاد، موجود لكن لا أحد يلتفت لهذا الحضور الدائم، فقط راقب وسترى هذا جليًا في الطريقة التي يختار أن يقول بها: أنااا هنااااا أو كيف يعرّف عن نفسه، ما الأشياء التي يقدمها وكيف؟! ما المواقف والقصص التي اعتقد أنها مهمة جدًا لدرجة عرضها على شخص للتو تعرف عليه، أوصيك بملاحظة الانطباع أو الفكرة المشتركة بين ما يقول، ليسهل عليك معرفة ما يجهد لإيصاله محاولًا به اقناع نفسه قبل غير حاشيًا الكثير من المبررات.

لأول مرة أعرف شخصًا جيدًا بظروف محيطة قاسية، هذه الوصفة ملازمة منذ الطفولة، انعكست جليًا فأنتجت توليفة شخصية عجيبة، شخص يسعى دومًا وللأبد لإثبات أمور عدة في حين أنه يدعّي خلاف ذلك، لا عليك صديقي، فقط اجلس ولاحظ، هل انتهيت من كوب الشاي؟

في مهب الريح، كنت.

عودة قليلة للوراء، نعم إلى السنة الدراسية الماضية وبدايتها إذ كانت العودة الأكثر صعوبة بالنسبة لي، خصوصًا في أولها حيث تقاطعات متعددة في آن واحد ويلزمني مواجهة كل هذا وحدي. لماذا أتخذ من بداية السنة الدراسية علامة مرجعية في سجلات الوقت؟ أتذكر هذا الاقتباس: وأخبرت كل من يهمه الأمر بأنني سوف أسافر لمدة فصل دراسي كامل (لا يفكر أساتذة التعليم وفقًا للشهور، فالفصل الدراسي هو وحدتنا الزمنية.) #جغرافيا_الوقت

وخلال عام منذ تلك العودة حتى الآن -أكتب هذه التدوينة بعد نهاية الأسبوع السابع من العام الدراسي الحالي- تذبذبت كثيرًا من أجل الوقوف ثابتة مرة أخرى، وأرخيت على غير العادة يدي من كل شيء تقريبًا، فقدت رغبة التشبث وصرت لا مبالية أمام الكثير مما يعبرني، كنت أستيقظ وأنا أدفع نفسي دفعًا للقاء أيامي، وأكتب في دفاتر يومياتي كل حيرتي وأسئلتي وقوائم التذكيرات وأخرى للتنبيهات وواحدة إضافية للمحظورات وأخيرة لما أرغب في فعله دون تنفيذ يذكر، لم يكن وقوفي هذه المرة بالذات سهلًا أو سريعًا. جاهدت جهادًا قاسيًا وعلى جبهات عدة، ما كان مختلفًا هو أني ولأول مرة استسلم إلى هذا الحد! كنت كمن أرخى كتفيه يائسًا بائسًا مشكلّة كتلة مركزة من الإحباط. لم يكن هذا حالي طوال الوقت، لا على الإطلاق…لكن في مرات عدة خلتني هكذا. وسمحت لنفسي بعيش كل لحظة إلى أقصاها رغبة مني في التخفيف من التراكمات وما يليها من مواجهات.. كنت بلا مبالغة أردد: معليش يا مشاعل عادي مو شرط كل شي يكون بأحسن صورته الآن، فيه أولويات.. اوكي عدّي مشّي…. وما يعد فارقًا هنا، أن كل ما أعنيه هو شيء داخلي، لا يرى بالعين المجردة لكن كنت أغرق في وحله كل ثانية، وهذا ما يزيد الانتشال صعوبة!

لم أكن لأصل إلى ما عليه الآن لولا فضل الله سبحانه قبل أي سبب آخر، أدرك تمام الإدراك ومن قبل مؤمنة أن ما كتبه الله لي من كل ما كان لحكمة يعلمها وحده لكن في باطنها الخير لي كامنًا، محدودية تفكيرنا وقدرتنا البشرية قد لا تستوعب ذلك في أحيان عدة، إيماننا وسعينا الدؤوب للوصول إلى أفضل نسخة منّا وإن كانت بعد سقوط متكرر، وحدها لا تذهب هباءً منثورًا.

توقفت عن الكتابة هنا متعمدة وغير متعمدة، لم أرغب بتوثيق كثيف -هنا- لكل تخبطاتي ومحاولاتي للوقوف من جديد، أردت العودة وأنا مشاعل بنسختها الجديدة (المعدّلة والمزيدة). مشاعل التي تنغمس في تفاصيل يومية صغيرة لكنها مفضلة، هذه المتعة الصغيرة والتي يمكنني وصف أن أيامي قائمة عليها، فقدتها. لم أكن أتذوق المتعة في أي شيء حتى مما أفضّله، والعقل هنا ومحاولات التعقل قد تبدو سخافة.. لكن ما الذي يجدر بنا فعله؟

تركت الأمور تسير وفقًا لما تريده في معظم الأحيان= فوضى عارمة. ساءت في جهة وتحسنت في أخرى، كان كل شيء يبدو سطحيًا ظاهريًا لا أعيش أي لحظة بشعور صادق وعميق كما يجب، وهذا أسوأ ما يحدث لي أنا التي أغرق في تفاصيل لحظاتي، كنت أمثّل في مواقف كثيرة، رغبة مني لكيلا أفقد خط الرجعة تمامًا، بهذه الحيلة قاومت بعض الأحيان، إلى أن عدت قليلًا وبالتدرج وبلا شك تضمن ذلك الكثير من الانتكاسات، لكن المهم هو علمك التام بأن هذه انتكاسة مؤقتة وليس تصفيرة للعداد. كان تقدمًا بطيئًا جدًا يتبعه توقف لفترات طويلة، مع صوتي الداخلي للتذكير والمواساة أو الإحباط في بعض الأحيان.

تحسنت الأمور أخيرًا بفضل الله، ولعل أبرز مؤشر هو قدرتي على الالتزام بروتين – تدوينتي السابقة خير دليل- ثم التركيز على الأهم والمهم فقط، هذا ما قد يبدو بديهيًا لكن للأسف المشتتات كانت تفوز بالاهتمام مقابل الأولويات (محاولات هروب) لأن لا حيلة لتحمل أي شيء. عدت للقراءة المنتظمة، متابعة حفظي، ضبط كلًا من سعراتي الحرارية وساعات نومي وتناولي للقهوة وعدد خطواتي وشربي للماء ومؤخرًا إغلاق دوائر ساعتي، أخيرًا للترجمة وها أنا أعود للكتابة، وتصوير مشاهد الشروق والغروب المفضلة والتي توقفت عنها كثيرًا. ومن قبل، الوعي بما يستحق الالتفات إليه وما لا أكرمه بطرف عين، ما يأخذ من وقتي وما لا أعطيه فضلة ثواني! إدراك قيمة الأشخاص والأشياء والدروب والخيارات من حولي، لهذا والله أثر عظيم في قلبي وهذا ما كنت أفقده. وبينهما كثير، لكن لا حاجة للكتابة عنه -هنا-

الآن والآن فقط، يمكنني قول أني استعدت النسخة المفضلة والأفضل من مشاعل. ألا يستحق هذا الاحتفال؟

الحمدلله.

دوائر

تبدو في ظاهرها صورة عادية لا تحتوي أيًّا مما يميزها أو يضفي عليها لمسة سحرية، لكنها بالنسبة لي تعني الكثير وقد تعمدت تأخير توثيق هذه اللحظة حتى لا تأخذني الحماسة أمام التأكد. استعادة قدرتي على فعل بسيط كتنظيم أسبوعي وقائمة مهام يومية يعني عودة جزء كبير من مشاعل أو بمعنى أدق تجاوز الكثير مما كان، الأمر أشبه بأخذ لفة كاملة ابتعدت خلالها عما أفضله والآن عادت خطواتي إلى أماكني المفضلة. لأن فعلًا كهذا رغم حبي له فقدت رغبتي تجاهه وكان يبدو ثقيلًا أقرب للمستحيل، اليوم أكملت شهرًا كاملًا..

تذكرت اقتباس: “طاف في دوائر لا تنتهي. أعطى نفسه أن تضيع.”
ربما لا بأس من إعطاء أنفسنا خيار أن تضيع قليلًا شرط أن تطوف في دوائر لضمان عودتها 🌀.

🔸 مسرات صغيرة: الانتباه إلى التقدم والتغيرات الإيجابية تمامًا كملاحظتنا الدقيقة للتراجعات والسلبية.

مرة أخرى؟!

يمكنني قول أني ملكة القوائم، أستطيع بكل متعة صنع قائمة لكل وأي شيء، ما يمكننا تخيله والأكثر ما هو غير خاضع لملكة الخيال، ودائمًا قوائمي لانهائية، لدي قائمة الاقتباسات *الأطول* بدأتها منذ عام ٢٠١٦. الصفحات الأخيرة من دفاتري عبارة عن عناوين عريضة وأسفل منها تعداد قد يطول أو ينكمش. وفي سنة خصصت دفترًا كاملًا لقوائمي فقط، لا أكتب به أي سطر دون رقم يسبقه وعنوان يعلوه، الآن وبدافع فوري دون تخطيط مسبق -تشير الساعة إلى الواحدة والثلث بعد منتصف الليل- أبدأ قائمة جديدة. فكرتها ببساطة أوثق فيها ما يزعجني أو ما أكره، هذا كل ما ستحتويه وقابل للمشاركة. أدشن قائمة المكروهات بالدافع وراء هذه التدوينة.

أعتقد بأن شكلًا من أشكال العقوبة في هذه الدنيا، على الأقل بالنسبة لي هو التكرار! قد يبدو هذا السطر غريبًا دون توضيح لأن ببساطة الحياة بأسرها ما هي إلا كومة من التكرارات، وفيه تناقض لشخص مثلي باله طويل. لكن حقيقة ما لا أطيقه منها هو ذلك النوع الذي لا أعرف كيف أصنفه، أتعلم حين تتعرض لنفس الموقف مع نفس الشخص يوميًا أو في فترات متقاربة؟ يتكرر المشهد بكامل تفاصيله وكلماته وبرتابة حد البلادة، كل شيء متوقع ومعروف.. تمامًا هذا ما أعنيه. وهذا الحال للأسف موجود وبكثرة، أعلم أنه في مرات كثيرة يكون الدافع لطفًا أو أملًا في عدم الإزعاج.. بصرف النظر عن الدافع، الأمر مزعج! معظم الأحيان أقاوم إصدار أي ردة فعل سوى الصمت. يزداد مثل هذا مع الأشخاص الذين نلتقيهم بكثرة، الأهل والصديقات والزميلات، من يجمعنا بهم المكان لفترات قد تطول، أبدأ بالتخمين فأهمس لنفسي: اليوم ستقول هكذا وعليّ الرد بهكذا، وفعلًا هذا ما يحدث، روتين قاتل في فقرات الحياة!

بعيدًا عن المجاملات والذوق والصمت الذي نلوذ إليه، هذه التكرارات ما هي إلا مشاهد باهتة “مكررة” وبها هدر للوقت وللطاقة ولاهتزازات الحبال الصوتية وللحروف والكلمات وكسر للتوقعات وإحباط للتخمين ولمحاولات تجربة أي جديد و و و…

مثلًا موقف يتكرر كل يوم لماذا تسمعني تعليقك الذي يستدعي تعليقي وهو بالضرورة ما نكرره بثبات كل مرة؟ لماذا كل هذا الملل بقول ما حفظناه لكثرة ما نكرره؟ مُشكلّين بهذا أدنى أنشطة الحياة جذبًا لإنسان.. مثال غير واقعي أو ربما واقعي لتوضيح ما أقصد: شخص بجواري سيشعل المصباح القريب منه فيقول لي: كذا النور تمام ولا يزعجك؟ لا تمام خذي راحتك… ثم تشعل المصباح يوميًا وتسألني لأجيب بنفس الكلمات. كل يوم كل يوم كل يوم! مع ملاحظة ثبات عناصر المشهد: أنا وهي والمصباح وفي الكواليس الضوء الصادر عنه بلونه الأصفر مستغربًا رتابة البشر.

لماذا؟
سيبقى سؤالًا عالقًا في حلق الأيام…ولك أن تتخيل بأني رغم كرهي الأصيل للتكرار، أنا معلمة.

على مؤشر سرعة رحاب

كانت تصفني ماما بـ الباردة وذلك لأني أجهز كل شيء في الوقت الضائع، لا أتأخر ولكن لا أنجز قبل الوقت المحدد بفاصل زمني طويل، كانت ملاحظتها متعلقة أكثر شيء بتجهيز الحقائب أو غسل الصحون أو تقطيع السلطة أو الاستعداد للخروج وهكذا، بقيت ماما الوحيدة التي تصفني بذلك وكنت أعيد الأمر إلى ملاحظات الأمهات لا أكثر إلى أن ظهرت رحاب، سونيك في أيامي، ثم تكررت الملاحظة بشكل أو بآخر وقد تحوّلت في بعض الأحيان إلى وصفي بالهدوء، آخرها من فاطمة: مشاعل انتي تتكلمي عن اصعب اوقات في حياتك بكل هدوء، لو انا احكي عنك راح اكون متحمسة اكثر منك! وبالعودة إلى رحاب، في الحقيقة طالباتنا عندما ينتقلون من تدريسي إلى رحاب فإن الملاحظة الأولى التى أجمع عليها الجميع تقريبًا هي فرق السرعة! بين كلامي وشرحي وحركتي ورحاب *صوت ضحكة* ثم تعليق بعض الأشخاص المقربين.
ملاحظة: لا يمكن بحال من الأحوال أن نسير أنا ورحاب بجوار بعضنا، يستحيل وهو أقرب للخيال منه لأي واقع، ولولا الخصوصية لشاركت عشرات المقاطع وهي تسبقني بما لا يقل عن خمسة أمتار، في كل مكان!

تعليق الطالبات بعد الانتقال.

مكنتني قراءة الفصل الأول من كتاب جغرافيا الوقت من تشخيص اختلافنا بدقة: نحن نختلف في الإيقاع- سرعة الحياة. والذي عرّفه الكتاب بـ: إن إيقاع الحياة هو تدفق أو حركة الزمن الذي يختبره البشر. وكلمة إيقاع مقتبسة من عالم الموسيقى، حيث الإيقاع السريع أو البطيء أو التأرجح بينهما، مسقطًا هذا المعنى على حياتنا أو الزمن الإنساني كما أسماه مؤكدًا بـ أن هناك فروقًا حضارية وتاريخية وفروقًا بين الأفراد في إيقاع الحياة. ثم توسع الكاتب في تفسير معناه ولكن على مستوى الدول والمجتمعات عازيًا إلى تأثير الجوانب الاقتصادية والصناعية ثم الطقس وأخيرًا تأثير ثقافة المجتمع أهي فردانية أم جمعية.

الفصل الأخير هو موجز ما تقدم لأنه تحدث عن الفرد بعنوان «إيقاع طبلتك الخاص: يمر الوقت بسرعات مختلفة لدى الناس المختلفين» يقول: ‏بحاجة إلى الحذر لكي لا نبالغ في التعميم بخصوص الناس «السريعين» و «البطيئين» وكما هو الأمر بخصوص الثقافة، فربما يختلف إيقاع الشخص الواحد بدرجة كبيرة وفقا للوقت والمكان والعمل الذي يؤديه. ثم ألحق بقائمة من خلالها تقيّم نفسك، منها الاهتمام بالوقت المبين بالساعة وأنماط الكلام وعادات الأكل وسرعة المشي وقيادة السيارات وجدول المواعيد ووضع القوائم والطاقة العصبية والانتظار والتنبيه من الآخرين. حين انتهيت من قراءة القائمة ضحكت لأن جميعها بلا استثناء مررنا أنا ورحاب بمواقف نثبت من خلالها اختلاف إيقاع حياتنا جذريًا! مضحك، لماذا رحاب فقط؟ لأنها أكثر من عملت معه وعملنا مشترك ندرّس نفس المرحلة، إضافة إلى قضاء الكثير من أوقاتي معها سواء داخل أو خارج مقر العمل، فكانت مساحة ظهور الاختلاف واسعة جدًا، مما يسمح بملاحظته على أصعدة مختلفة. القائمة بيننا تطول وكذلك المواقف، حقيقة العيش مع شخص مختلف الإيقاع عجيب وغريب ويرافقه الكثير والكثير والكثيييير من الضحك الذي أساسه يعود إلى هذا الاختلاف. *أكتب وأتذكر وأضحك* حتى على مستوى الرسائل الصوتية، رحاب تقول: مستحيل اسمع لك صوت إذا ما كان مسرّع على 2x. أنا ورحاب لا نقف عن إرسال مقاطع خصوصًا في تيك توك وانستغرام لأصدقاء مختلفين بحيث أحدهم يمثلني والآخر هي، قبل كتابة هذه التدوينة ببضع ساعات أرسلت لي مقطع أضحكني مررة.

اعتراف خطير.

الجدير بالذكر، المرة الوحيدة التي قيل لي فيها: انتي دايمًا كذا سريعة؟ وحينها ابتسمت من التضاد العجيب، ملاحظة على غير العادة، كانت من طالباتي فقط عندما انتقلت إلى تدريس الفيزياء في المرحلة الثانوية مع مناهجهم غير النهائية، يبدو هي المرة الوحيدة التي كنت فيها أركض. الجدير بالذكر ٢: سجلت مؤخرًا Voice Over لعمل وكان تعليق التي طلبتها إعطائي ملاحظتها لخبرتها: اممم هو حلو بس انتي شوي بطيئة < ضحكت وأعدته حتى ضبطت السرعة المناسبة.

وهذه فقرة أظنها مهمة:

أختم أيضًا بهذه الفقرة وقد أرسلتها لها، بوصف يختصرنا في كل المرات التي عملنا فيها على أمر عاجل وحسّاس.. للأسف الزوج هنا أنا بينما المتحدثة رحاب:

ملحق بجزء من محادثتي مع رحاب وعاملي السرعة والبطء حاضران وبقوة -وما خفي أعظم-:

تعليقها على مقطع لها وهي تسبقني بمسافة طويلة.
لم تنجح محاولاتي لزيادة سرعتي معها فقط ههههه
يبدو إحدى المحاولات نجحت!
التعليق: لا تعليق!!!!
معدل سرعة الإحساس الداخلي لا يتوائم مع الواقع 🙃
هي السريعة مو أنا البطيئة! أو لا… إيقاع حياتنا مختلف ✌️
تضيّع فرصة الاستماع لصوتي الأجمل!
الخاسر الأكبر: رحاب

ختامية:

مخبأ للذاكرة، جديد.

للتو عدت من زيارتي الأولى لبيت جدي بعد انتقالهم لمنزلهم الجديد، هناك ستستمر ذاكرتنا الجماعية الخاصة بنا -نحن قاصدي بيت العائلة الكبير- في نموها، إلا أنه المنزل الأول الذي ننتقل إليه دون جدي رحمه الله. وأثناء عودتي فكرت في كم البيوت التي قضيت بها عمرًا؟ بعيدًا عن منزل الجد الكبير، منزل العائلة، عشت في أربعة بيوت موزعة بين سنين عمري الـ ٣٢. موزعة دون قسمة منصفة، لم ننتقل كثيرًا بين البيوت وإن كان لي الخيار لفضلت البقاء في بيت واحد طوال العمر.

تتوزع ذكرياتي بينهم الأربعة في فترات زمنية مختلفة، لكن الإنتقالة الأخيرة كانت في ٢٠٢١ ليكون منزلًا تحت وصف (المؤقت) وهو كذلك حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، الحديث عن البيوت حميمي وشاعري ودافئ، وحبي للبيوت الأربعة يتفاوت، بيت الطفولة عشت فيه منذ الولادة إلى الصف الرابع، ثم البيت الأحب لقلبي والأطول في عدد السنوات من الصف الخامس إلى السنة الثالثة في الجامعة، ثم قبل الأخير من ٢٠١٥ إلى ٢٠٢٠ والأخير المؤقت من ٢٠٢١ وحتى اليوم، يوجد بيت على هامشهم كلهم، غائب إلى حد النسيان وأعرّفه بوصفه ظل هامشي لا يدخل ضمن الحسبة.

البيت هو الوجود والركيزة الآمنة في هذه الحياة، حيث الاطمئنان والود والحب والأنس والذكريات، البيت دائمًا يشبه العودة وكل عودة ما هي إلا رجوع للبيت! البيت الحالي كما قلت مرتبط بالمؤقت وقد تسلب هذه الفكرة بعضًا من حميمية المكان وشكل العلاقة المكونة به، لكن سيبقى في نفسي له طابع خاص لتميزه، هذا البيت الأول الذي أكون مسؤولة عنه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تعلمت الكثير وشهدت في حياتي من الأحداث ما الله به عليم والتي بالضرورة هي مرتبطة بتواجدي به حتى مع قلة السنوات.

وللبيت بفكرته الدافئة معاني عدة، هو مفردة واسعة تشمل البيت والسكن والأهل والحي والمدينة والدولة.. والأشخاص وغيرهم كثير، لذا يستحق الكتابة عنه فعلًا! الحديث عن الأماكن عامة والبيوت خاصة يطول ويتشعب ومفضل لكن كما قلت (المؤقتية) في بيتنا الحالي تؤجل الكتابة لأسباب كثيرة، منها أن الشعور المرافق شامل لا يقتصر على البيت فقط.

يتزامن هذا مع قرائتي لمقدمة كتاب جغرافيا الوقت وردت فقرة معنونة: علم نفس المكان قال فيها : ‏إن الأماكن مثل الأشخاص لها شخصيتها المميزة.. كذلك الحال مع بيوتنا، نتقاطع هي تأخذ منا ونحن نتأثر بها.
أو كما قال أورهان باموق: ‏”البيت مهم بالنسبة لي لأنه مركز العالم في رأسي أكثر من كونه جمال غرف وأغراض.” 

وللحديث بقية.

+ ماذا يعني لك البيت؟

عادي لوحدك؟

قبل أسبوعين تقريبًا ذهبت وزينب إلى مقهى جديد، وفي غمرة جلوسنا بهدوء وبعد صمت لدقائق باغتتني بسؤال: عادي تجربي شي جديد لوحدك؟ نظرت إليها وقد رسمت على وجهي رد فعل عبارة عن خليط بين الابتسامة والاندهاش! ليس من السؤال إذ اعتدت عليه لكن زينب؟ يبدو أنها تحت تأثير أجواء المقهى. أجبتها بالطبع…

على هذا السؤال دائمًا تبدو إجابتي درامية وربما غريبة للسائل لأن ببساطة نحن لا نتشارك ذات التجربة، أتعرض بشكل أو بآخر لمثل هذه الأسئلة حين يعرف من أمامي أن لا أشقاء وشقيقات لدي. وهي إجابة عادية تناسب نمط حياتي، من الطبيعي لشخص نشأ في حال كهذه، لا يعرف المشاركة بشكلها الأمثل. وأعني هنا المشاركة بمعناها الواسع والذي يبدأ بوجود إخوة وأخوات.

الكثير من تجاربي كنت فيها وحدي وحالة المشاركة هي الطارئ في أيامي، إذا عدنا للوراء كثيرًا للطفولة واستكشافاتها وتجاربها.. أيضًا كنت وحدي. السندباد والأمواج والأبراج والحديقة المائية وجنغل لاند وعطا الله والشلال إلخ.. أغلب ذهابي لها وحدي، لكن هناك جزء مشترك خاص جدًا مع خالي تركي -يكبرني بعامين- فكنا نذهب بعض المرات سويّا أو رحلات المدارس وهي كثيرة بالضرورة. كما قلت أن أجرب وحدي، أمر طبيعي وفقًا للظروف المتاحة، وهذا لا يقف على غياب الإخوة والأخوات بل يمتد ليشمل الأقارب، أذ أن الحفيد التالي من الجهتين تفصلني عنه سنوات تصل إلى اثنتي عشرة سنة.

لذا نعم، الوحدة جزء أصيل من حياتي، قلت لزينب كل تجارب الملاهي والأماكن الجديدة في جدة كنت أخبر أهلي برغبتي للذهاب.. ثم نذهب، لكن التجربة كاملة أعيشها وحدي. وعادي يعني… لكن ليس الجميع يستوعب هذا.

تجربتي هذه لا علاقة لها في تصنيفي اجتماعية/ انبساطية أو انطوائية لكن يظهر تأثيرها في الجو العام الذي أفضل الجلوس/ التواجد فيه كما يتضح في خوض التجارب الجديدة، ما زلت أفضلها وحدي، بالتأكيد ليست بنسبة ١٠٠٪ لكن لا مشكلة لدي على الإطلاق من تجربة أي شيء وحدي وهذا عادة ما يحدث أو هذه طريقة تفكيري دون اجتهاد. ثم إن أعجبني أبدأ بمشاركته مع من أحب. في كل خطوات حياتي المهمة وخطواتي المفصلية، كنت وحدي. وأظنني لحد ما أبقي الآخرين على مسافة من تجاربي. والدتي حفظها الله استثناء من كل ما سبق، ليست ضمن سياق الحديث أصلًا.

النشأة هنا لها الدور الأكبر، تلقي بظلالها على كل شيء تقريبًا، تعلمت عيش كامل لحظاتي بأقصى ما تقتضيه الحالة وحدي، كما لا أتوقع ذهاب أحدهم معي في أي من مشاويري أقصد المهمة مثل موعد أو غيره، وقد يصل الحال إلى الإعتذار منهم إن لزم الأمر، لست متعودة على قيام أحد بمهمة عني / معي إلى حد عدم توقعي أو انتظاري لحدوث هذا. قد يُستغرب ذهابي إلى بعض المقاهي والمطاعم والسينما وحدي، لكن الأمر بالنسبة لي عادي ولا مجال للاستنكار أو جلب مشاعر معينة. ومن الجهة الأخرى، لأهلي وصديقاتي تواجد بارز ومهم في حياتي خصوصًا في السنوات الأخيرة لكن يستحيل أن يغطي ١٠٠٪ من أوقاتي أو تجاربي. وهذا من المواضيع التي أود الكتابة عنها باستفاضة، أشعر دومًا أن لدي تجربة خاصة تستحق المشاركة أو على الأقل الإسهاب في وصفها.

تذكرت سؤال زينب وأنا في محطة القطار، وقلت في نفسي: ها أنا أعيش تجربة جديدة وحدي وابتسمت.. لأن زينب على النقيض مني، علقتُ وأنا أرد على سؤالها -في المقهى- بعد طرحها لمثال نقيض عني: النشأة والتعود هذا كل ما في الأمر! ببساطة بسيطة جدًا.

تذكرة: جدة – مكة – جدة

أجلس الآن في مقصورة القطار وأنا عائدة من مكة إلى جدة، تبدو هذه الجملة مقتبسة من افتتاحية رواية روسية. حين حاولت تذكر القطار فيما قرأت لم يظهر لي إلا مشهد آنا كارينينا للأسف! < هذا فقط ما استطعت كتابته في القطار.

أردت تجربة قطار الحرمين مرات عدة ولكن ما كان يجعلني أتردد هي الخطوات التالية من الوصول سواء في مكة أو المدينة، لا أريد أخذ تاكسي < لماذا؟ لا أعلم! لذا عقدت صفقة مع سمية، وفعلًا اتفقنا على اليوم والتوقيت وبدأت بحجز مقعد مناسب، واجهت ورطة صغيرة أي المقاعد سيكون عند الشباك؟ هذا شرطي السابق في السيارة ثم الطائرة أنقله معي في أي وسيلة نقل، لابد من جلوسي بقرب النافذة وإلا -ربما- في هذه الحالة ألغي الرحلة إلى وقت آخر مالم تكن ضرورية. حجزت مقعدًا بعدما تأكدت من تحقق شرطي، ثم أرسلت الحجز لزينب قالت لي: المقعد اللي محددته عكس يعني القطار حيمشي على ورا ههههههه <لماذا الضحكة يا زينب؟ حسنًا لا بأس، حاولت تخيل الوضع وخفت أن أصاب بالدوار، هذه الغلطة ضريبة خبرتي الصفرية في حجز مقعد في قطار.

استيقظت صباح الأربعاء بالحماس المرافق لتجربة أمر ما للمرة الأولى، وحرصت على تخفيف حقيبتي وألا أعيش فكرة أني مسافرة لانتقال من جدة إلى مكة. لم آخذ دفتر يومياتي ولا كتاب أقرأ به لأني توقعت قصر الوقت وسرعة التنقلات، اكتفيت بالآيباد لأكتب فيه مسوّدات سريعة. أودعت سيارتي في المواقف، وتعجبت من سهولة الإجراءات دون اضطرارك للسؤال أو طلب المساعدة، ثم دقة التوقيت في تحرك القطار بالدقيقة.

أنا اعتدت استغراق ساعة في سيارتي بين جدة ومكة، الآن أصل في غضون ٢٠ دقيقة! إذًا أربعون دقيقة حُفظت من يومي، تجربة تستحق. المضحك في رحلة الذهاب لم أنتبه لوجود شاشة توضح أين وصلنا في مسار رحلتنا والأهم سرعة القطار، وهنا جن جنون فضولي أريد معرفة (السرعة اللحظية) للقطار، حاولت تحميل تطبيق ولم ينجح وعدت أحسبها ذهنيًا بعد وصولي بقانون السرعة المتوسطة، في رحلة العودة ارتوى فضولي إذ شاهدت الشاشة وراقبت الأرقام وهي ترتفع حتى وصلت إلى أقصى سرعة 300km/h.

لم يكن يومي مميز لتجربة القطار وحسب، بل لما تبع ذلك من جولة فريدة من نوعها بين حارات مكة، أنا التي لا أعرف من مكة إلا طريق الحرم، ذهبت وأخيرًا لما هو أبعد من ذلك. وأدركت جيدًا: أهل مكة أدرى بشعابها. وذلك بإشراف سمية، يمكنني إطلاق مسمى: مرشدة سياحية بأعلى رتبة ممكنة، أخذتني في جولة إلى أسواق مكة الشعبية وبين طلعاتها وحاراتها القديمة والمنازل التي سكنت فيها وعائلتها والجامعة والأحياء الجديدة وأخيرًا ختمنا جولتنا بمطل جديد في أطراف مكة القريبة من جدة، لا أتذكر اسمه الآن لكنه مطل جميل جدًا جدًا. كنت أتسائل سكان المدن غير الساحلية إلى أين يذهبون إذا ضاقت بهم الوسيعة؟ ما الذي يقابل البحر في المدن الساحلية؟ وعلمت أن الجبل يعطي تقريبًا نفس المفعول. ما أتذكره من أسماء: الشوقية/ الخانسة/ ريع الكحل/ بن خنفيس/ العتيبية/ طلعة الملقية/ شارع الحب… أردت الذهاب إلى خندمة وحاولت سمية لكن الغروب قد وصل فآثرنا الذهاب إليه في وقت لاحق بإذن الله. كانت جولة طويلة وسريعة وخفيفة ومتنوعة ومتعددة، ممزوجة بتجارب وقصص سمية الشخصية فزادتها بهاء. وثقت الكثير وأود مشاركتها لكن ما زلت أفكر كيف؟

شكرًا سمية.

وقت مستقطع..

أجلس في المقهي المفضل، ليس في مكانه القديم وإنما تعرض لإزاحة بسيطة. لا أتذكر بالضبط متى كانت المرة الأخيرة التي جلست فيها إلى طاولة من طاولاته قبل انتقاله الغريب هذا، ربما قبل ستة أشهر من الآن أقل أو أكثر بقليل. قبل انتقاله كان مغلقًا ولهذا توقفت عن موعد السبت الذي عادة ما أقضي ساعتي فيه. الآن عدت من جديد، أو لأني كنت بحاجة للذهاب إلى مقهى شرط أن يكون قريبًا. على كل حال، عودًا طيبًا.

جئت بنفس حاجتي السابقة للذهاب إلى مقهى، وقت مستقطع لرأسي وقلبي..كتبت أربع صفحات في دفتر يومياتي، على الرغم من قلة عدد الصفحات إلا أني أفرغت ما كنت أردده في نفسي لذا كان مختصرًا مركزًا. الأمر أشبه بصوت ضجيج يخبت بمجرد تحرك يدي للكتابة وبالوصول إلى آخر حرف، لا يوجد سوى الهدوء المرجو، نعم هذا التأثير السحري للكتابة معي.

عادة أحتاج بعد تعرض مكثف أي يكن هذا التعرض، إلى العودة للأصل ولما اعتدت عليه… الهدوء، هذا ملخص ضرورة ذهابي لمقهى أسبوعيًا في بعض الفترات، ودائما النصيب الأوفر ليوم السبت. بعض الفترات كان الصباح الباكر الوقت الأمثل لكن مع صيف جدة تغير إلى آخر العصرية قرب المغرب.

الأمر ذاته مع قيادة السيارة والفرفرة دون وجهة، الدافع لهما واحد.

هذه القدرة على التفكير في الأشياء البسيطة، في جوانب الروح، في هوامش الحياة.. هي أعلى أشكال الوعي، وإنه في هذه الحالة الذهنية التأملية الطفولية، التي تختلف تمامًا عن الحس السليم ومنطقه، نعرف أن العالم بخير. ــــــــ فلاديمير نابوكوف.

32

نحن هنا من جديد، أعني في السابع والعشرين من يونيو -مرة أخرى- سبحان مبدل الأحوال هذا ما يسعني قوله قبل أي شيء، عدت إلى تدوينة العام السابق.. ولا أجد إلا الضحك والضحك ثم الضحك مرة أخرى، تدوينات أعوامي وهذه العادة التي بدأتها منذ أن كنت في السابعة والعشرين من عمري، كل عام يحمل معه طابع خاص به لكن هذه المرة مع الفرق بين ما كان وما وصلت إليه يدعو للسخرية، تدوينة العام الماضي كانت مختصرة لكن معناها في قلبي كان شاسعًا متضخمًا وعلى ضوء ذلك ومع خلاف المراد، كان الأثر كذلك. لكن من يقرأ تدوينة العام يكاد يصله شعوري أو على الأقل ما تحمله حروفها بوضوح.

قلت بأن عام 31 كان الاستثناء، مع ثباته واختلاف معناه سيبقى استثناء كما كان بالفعل، لأن الشعور في أساسه لا يتبدل بهذه السرعة، نحن لسنا آلات بضغطة زر كل شيء يتحول! لكن الحيثيات تحولت تمامًا ونفس هذا الاستثناء قدم لي درس ذاتي قوي جدًا وحاد وقاسي من نفس ما أعطيته من (استثناء) لم أتخيل في يوم ما أن أصاب بخيبة كتلك التي عشتها، لا سببًا ولا مسببًا ولا حجمًا ولا ألمًا. لكن في كل مرة كنت أشعر بوخزة في قلبي، كنت أعيد اللوم علي في بادئ الأمر، وما زلت أعتقد بأني الملامة أولًا وآخرًا… ولا مجال لتوضيح أو تفسير أو شرح أي تفاصيل، لكن ما يمكنني قوله بصوت مرتفع: لا تقدم غيرك، ولا تتنازل، واتبع ما يخبرك قلبك بهمس لأنه الأصدق ولا تقاوم شعور عدم الراحة لأي تفصيلة وإن صغرت، ولا ترفع سقف التوقعات والعشم، مرة أخرى: لا تقدم غيرك على حساب نفسك، إطلاقا.

في خضم خيبتي، ومحاولات جمع أطرافي كنت أحاول وأحرص على ألا يتحول الأمر إلى صدمة بأثر ممتد يشمل أي تجربة لاحقة، ولا إصدار تعاميم تجمع البشر كافة، ولا إطلاق تصورات وقوانين أو قواعد، كان يلزمني وضع حدود صارمة لأثر كل ما كان وتقييده، وأهم نقطة وهي التي يمكنها قلب موازين الأمور: نظرتي عن مشاعل! لا يمكن بحال حتى وإن لمتني في أوقات، أن أهز صورتي عني، لا أحد يعرف المرء كنفسه ثم مرآة الإنسان من حوله ومن يعاملهم يوميًا ويلتقيهم، أنا أعرف مشاعل وأعرف نقاط ضعفها تمامًا كمعرفة نقاط قوتها، في حال ضعف كهذه يجدر بنا ألا ننسى من نحن! حقيقة هذا شأن ضروري جدًا ونقطة فارقة. الخروج من هذه التجربة لن يكون دون ندوب أو ندبة واحدة، لكن من المهم ألا تكون (مشوهّة) لا نفسيًا ولا فكريًا ولا على أي جانب، هذا أهم ما حرصت عليه، وهذا صعب جدًا. الكلام يطول.. ولا يناسب تدوينة. لكن يجدر بي قول أن الأمر رافقته تعقيدات عجيبة، حين أتأملها الآن! لا أعلم ما أقول لكن على يقين بأن كل ما كان إنما لحكمة.

أكرر: هذا ليس سهلًا وأنت تحمل جرحًا في قلبك، إعادة تقويم قلبك ونفسيتك ونظرتك للناس والحياة، وشخص مثلي دقيق ويهتم بالتفصيل، الإدراك اللاحق كان يزيد الطين بلة. كما أني استغرق وقتًا طويلًا ، لست ممن يجيد القفز في هكذا أمور. موطن السخرية أمر جاء لاحقًا ولا أحد يعلمه < لا أحد بمعنى لا أحد بلا مبالغة حتى أهلي وأقرب ناسي< إلا أنا وشخص واحد فقط، ثم حصل أقرب ما يكون لدراما رخيصة -ضحكت وأنا أكتب لأني تذكرت-

لم أكن أعلم بأن تجربة واحدة وقصيرة قادرة على زعزعة ماء راكد إلى هذا الحد، لا أحد يعلم لأني لم أشارك أي مما كان يجول في نفسي، وهذا خطأ مني لكن حرصت على ذلك.. كنت أكتب وأكتب وأكتب، وارتكبت سلسلة مما أسميه:حماقات. لست نادمة على أي منها، لكن أظنني إن كان للندم وجود سيكون لإتاحة تجربة كان من باب أولى رفضها منذ البداية لأسباب واضحة ومهمة وجوهرية وأولوية. انتهت، وأخذت وقتي وزيادة، وخصصت تدوينة العمر هذه المرة إكمالًا لما كتبته في العام السابق. وكالعادة مرور الوقت يخفف من حدة كل شيء، بعد صولات وجولات، هدأت وعدت إلى إعدادات مشاعل الأساسية وتقلص حجم كل شيء تقريبًا.

بالحديث عن حياتي خارج ما كتبت أعلاه، سأذكر شيئًا واحدًا فقط، تجربة الانتقال والتدريس في قسم الثانوي.. كانت تجربة ممتازة وحازمة وغيرت الكثير، لكن مشكلتها جائت في فترة تخطي ما كان، وهذا كثير على مشاعل، حتى مع سنوات خبرتي لأني أفضل الاستغراق والانتقال إلى قسم جديد يرافقه الكثير من الجديد والمختلف، كل فصل مادة وكل فصل صف < وهذا يعد كثثثثثير لشخص يميل إلى الانتقالات والتغيرات الهادئة. لكن على الخلاف، كنت في حالة ركض متواصل، الفصل الأول: الهندسة، الفصل الثاني: فيزياء ١، الفصل الثالث: فيزياء٢. بعد انتهاء السنة يمكني قول تدريس الفيزياء ممتع، بعد سنوات من تدريس العلوم.

سنة بدروس تفوقني والله، أثقلتني وتعبت لكن قاومت، مررت في حياتي بما هو أقسى وأشد وأسوأ مما كان، بهذه الجمل كنت أواسي نفسي هههه، الحياة لا تقف ولعل في كل هذا حكمة يعلمها الله جل في علاه، وإدراك رحمة ولطف الله هنا المواساة الحقيقة، والتسليم والرضا فعلًا وليس قولًا يردد.

ويعني.. احنا تجاربنا في هذا العمر، مرة فوق ومرة تحت، عادي.. نتألم حبتين ناكل هوا ونتعلم ونمشي.


كتبتها دون تخطيط، بل كنت سأتجاوز تدوينة يوم الميلاد.. لكن لا ،لست من يخاف التقدم في العمر أو لم يحن سبب انقطاعي عن هذه العادة بعد.

والقادم أجمل بحول الله ولطفه.