ذاكرة مكثفة

من يعرف والدتي، يعلم جيدًا أنها طباخة ماهرة تبارك الله. ومن يتابعني، يعلم أني مؤخرًا بدأت أقتبس هذه المهارة منها، أو لنقل: بدأت جيناتها تعطيني مفعولًا جيدًا، لكن بالطبع وفقًا لذائقتي ورغباتي في الوجبات.

أقول هذه المقدمة لأن ما أودّ الكتابة عنه حدث إثر طبخة أعدّتها اليوم. كانت تُحضّر بسبوسة ستأخذها معها لمن ستزورها. بسبوسة ماما لا يمكنك أمامها إلا أن تتذوقها. كنت في صغري وما زلت لا أميل للبسبوسة، لا أراها طبقًا يستحق أن يُنقل إلى بطني! وكنت أقاوم بسبوسة ماما، إلا أن آراء كل من ذاقوها دفعتني لتجربتها… فأدمنتها فعلًا. هناك من يطلبها منها عنوة.

كانت تعدّها، وكنت بجوارها أتحدث معها، هذا المشهد الذي يتكرر بعدد سنوات عمري: ماما تطبخ وأنا إلى جوارها. يكاد يكون أكثر اللحظات تكرارًا في رأسي، حتى مع تغيّر المطابخ وتعدّدها، يظل ثابتًا ومفضّلًا للأبد. وما هذا اليوم إلا حلقة تُضاف إلى سلسلة ممتدة.

أدخلتْ البسبوسة إلى الفرن، ثم أخرجتها ساخنة وسكبتْ عليها علبة من الحليب المكثف. إلى هنا، كان الأمر بالنسبة لي مجرّد خطوات اعتيادية. ولسبب ما، مدّت إليّ ماما ما تبقى في العلبة. هنا بالذات، أعادتني إلى عصر يوم ما في بيتنا الأول، حين ذهبت إلى البقالة المجاورة محاولة تجربة شيء جديد.

نعم، يبدو أن عادة التجريب قديمة ومتأصلة في نفسي. رأيت حينها علبة معدنية صغيرة، عليها صورة طفل يمسك بها ويرفع رأسه، في دلالة على شرب ما بداخلها. “أمم، أعطيني هذي العلبة!”


أتذكّر أنني لم أصبر حتى أصل إلى المنزل الذي لا يبعد سوى دقيقة بأبطأ حال، فتذوّقتها فورًا. أعجبتني حلاوتها الطاغية، لكن كان هناك طعم جعل وجهي يتكرمش. ذهبت إلى والدتي لأسألها: “ما هذا؟”

قالت: “مشمش؟ ذا حليب، بس مكثّف.” “إيش يعني مكثف؟” “يعني ثقيل شوي، شوفيه كيف ثقيل صح؟” “أمم، صح.”
حدث هذا الاكتشاف قبل أن أعرف القراءة، وإلا لما أخذته من الأساس، لأني والحليب في علاقة معقّدة.

بحثت في النت حتى وجدت صورة العلبة بشكلها القديم الذي أعنيه.

أحبّ آلية عمل الذاكرة، وكيف تجعل من تفصيلة صغيرة علامة مرجعية لمشهد كامل. أخذت العلبة من ماما، وأخرجت ملعقة لأتناول ما تبقّى من الحليب العالق في جدرانها. في تلك المرة الأولى، كانت العلبة صغيرة. هذه المرة كبيرة. لكن رغم هذا الفرق، استعاد رأسي المشهد الأول كاملًا. الطعم، الحركة، الوقفة فجأة، شمس العصرية، دهشة الكثافة والسكر، وصدمة أنه… حليب!

ولأن ماما من مدت إليّ العلبة، ولأجل هذه التفاصيل، تناولت ما تبقى منها.

على الهامش:
حاولت لعق ما تبقى بسبباتي وجرحت، تمامًا كما كنت في طفولتي وتعليمات ماما الاستباقية، إلا أنها لم تقترح أيًا منها اليوم. < أكتب التدوينة بسبابة تلفها لصقة جروح تضمد ذكريات عمر بأكمله.

Three Identical Strangers

تخيل أن ذهابك لأول يوم في الجامعة لا يفتح لك أبواب المستقبل فحسب، بل يفتح أيضًا أبواب ماضٍ لم تكن تدري بوجوده. تخيل أن أول يوم دراسي يُفضي بك إلى لقاء شخص يشبهك تمامًا، ليس في الشكل فقط، بل في كل شيء… وكأنك تنظر إلى مرآة. ثم تكتشف أنه ليس مجرد شبيه، بل أخ توأم. وما هي إلا أيام حتى يظهر ثالث يشبهكما أنتما الاثنين

Three Identical Strangers فيلم وثائقي يحكي عن ثلاثة توائم متطابقين، فُصلوا عمدًا عند الولادة، وتبنّتهم ثلاث عائلات مختلفة تمامًا في المستوى الاجتماعي والثقافي، كجزء من تجربة علمية سرّية! ورغم اختلاف البيئات، كبر الثلاثة وهم يتشاركون صفات متطابقة: من طريقة الضحك، إلى تفضيلات الطعام، وحتى بعض التصرفات الغريبة. كأنهم نسخة واحدة طُبعت ثلاث مرات، لكن هذا التشابه يصبح طفيفًا أمام اختلافات جوهرية تظهر لاحقًا.

لم يكتف الوثائقي بسرد القصة، بل وضعني وجهًا لوجه أمام أسئلة كبرى عن الهوية، الإرادة، وأخلاقيات العلم، ومعنى الأسرة ودور الوالدين، وحدود التنشئة وبالطبع سلطة الجينات والوراثة. هل يمكن للعلم أن يتجاوز حدوده إلى حد العبث بحياة مجموعة من البشر؟ هذا الفيلم ليس قصة، بل جرح مفتوح في ضمير كل من كانت له يد في تلك الدراسة.

بدأت حكايتهم بدهشة ومرح وسعادة، وقبل تصاعد الأحداث قلت لنفسي: جميل لو أجريت عليهم دراسة حول أيهما أقوى تأثيرًا الجينات أم التربية؟ لأني تذكرت دراسات مشابهة وردت في كتاب المخطط الوراثي كيف يجعلنا الـDNA من نكون، عن توائم فصلوا ونشأوا في عائلات مختلفة، قلتها ضاحكة دون تفكير في أبعاد هذه التجربة أساسًا. لكن ما لبثت أن تحولت أفكاري ومشاعري! حين توصلوا لحقيقة مريرة: لقد كانوا ضحايا تجربة نفسية سرّية، أُجريت دون علمهم ولا موافقة أسرهم، ضمن دراسة هدفها معرفة ما إذا كانت الشخصية تتشكل بالوراثة أم بالتربية. في الحقيقة كل شي متعلق بالدراسة ما هو إلا غموض دفعهم إلى العيش بوضع احتمالات وافتراضات لا أكثر.

تتوالى في الوثائقي فصول أقل ما يقال عنها أنها صادمة، ومحبطة.. لست في صدد سردها، لكن يمكنني قول أنهم فصلوا في عمر 6 أشهر، واستمرت الدراسة من عام 1960 إلى 1980 ثم توقفت دون نتائج منشورة، وحفظت سجلاتها كاملة في جامعة ييل، على أن تكون متاحة عام 2066!

لم يكن الأمر مجرّد عبث بمصير أطفال، بل كانت هناك نتائج نفسية مؤلمة، بعضها ترك ندوبًا لا تُشفى طالت عددًا واسعًا من الأشخاص. لم أستطع مشاهدته كاملًا في جلسة واحدة، لأن حجم التفاصيل التي شاهدتها، غلبتني مشاعر حادة، الحياة تعاش مرة واحدة.. فكيف تعيشها وأنت عينة في دراسة؟

لكل من يهتم بالجينات والوراثة والتربية والتنشئة، هذا الوثائقي يشاهد، لا يروى.

بصمت.. حتى لا تعرف جدتي

جذورًا من جنوب غرب المملكة، وانتقالًا إلى غربها، وانتهاءً بجنوب شرق آسيا، هذا ما كنتُ أفكر به وأنا في الطريق إلى مطعم سوشي في عزّ القايلة -كما يقولون- بناء على طلب فريق البنات في العائلة.

بالعودة إلى بداياتي مع السوشي، كنت أرفضه رفضًا قاطعًا، حتى أقنعتني ذات يوم زينب وبالتحديد سنة 2018 إذ ما زلت أرى علاقتي به حديثة عهد. أقنعتني لأن المطعم في أساسه كان لذيذًا في كل الأطباق التي كنا نطلبها (P.F. Chang’s) من هذا المدخل، ومع شرط أن يكون مطهوًّا جيدًا، قبلتُ التجربة! ثم تقريبًا يعني أدمنته، ولكن بقيت على مطعم واحد وبطلب واحد فقط.
منذئذ وحتى تحديث أخير -أيضًا عن طريق زينب يبدو أنها مهكرتني- انتقلنا إلى (Ashi sushi) في الحقيقة، الأخير بالنسبة لي يتفوق بمراحل، وعليه ثبّتُ طلبي كما أفعل عادة: كرانشي شرمب و كريزي كراب، ولا شيء على الإطلاق سواهما.

جميع أفراد عائلتي من الجيل الثاني يرفضون قطعًا التجربة، إذ يظنون أنهم سيأكلون طبقًا نيئًا! وطبعًا لا مجال حتى للتفكير في المحاولة مع الجيل الأول. لذا توجهت إلى الجيل الثالث – نحن الحفيدات – مع أن بيننا أجيالًا (بينيّة)، وأنا بطبيعة الحال من الجيل الأقدم. المهم، هذه الأجيال يسهل تهكيرها، مثلما حصل معي وزينب.
كنت في البداية أحدثهنّ عنه حتى رغبنَ يومًا في تجربته. وعليه، عزمتُ بعضهن. كانت في البداية كمكافأة لإحداهن، لكن النتيجة؟ سُحرن، تمامًا كما حصل معي أول مرة. واتفقنا على تكرار التجربة مرارًا، شرط أن تكون معي وهذا ما حصل فعلًا، كان شرطًا للنكتة، لا أكثر. < لست ديكتاتورية تقريبًا..

أنا نسيت موضوع الاتفاق، لكنهن لم ينسين، ذهبنا مؤخرًا بطلبٍ منهن، خرجنا الساعة 1:30 ظهرًا وشمس جدة لا تمزح على الإطلاق، والمشوار طويل لأن الفرع الأقرب أُغلق، لكنه ببساطة يستحق عناء السفر إليه، يستغرق المشوار قرابة الأربعين دقيقة. أخذتني هواجيس الطريق كثيرًا: أين وكيف بدأ السوشي؟ ثم تطورت الحالة وبدأت أتخيل خريطة العالم أبحث فيها عن خيوط تربط بين السوشي وبيننا، نحن في هذه السيارة الصغيرة وهي تشق طريقها في غرب شبه الجزيرة.
ثم أضفت عامل الزمن إلى المكان، ماذا لو التقيت أحد أجدادي من أي جيل قديم؟ ونحن على وجه الخصوص لدينا سفرة زاخرة بالأطباق غاية في اللذة والتنوع. كيف أخبره بأننا في لحظة غادرنا كل شيء واتجهنا نحو السوشي؟ ماذا عن المرسة والحيسية والمغش؟ هل قصّر السمك المكشن في شيء؟
والحفيدات صعّدن الأمر قليلًا، وبدأن أمامي يظهرن مهارتهن في استخدام Chopsticks في حين أني اكتفيت باستخدام الشوكة من باب حفظ هيبة الجيل الأقدم -لا أعرف كيف استخدمها-.

وصلنا وطلبنا وتخمنا ثم عدنا، بصمت إلى حد ما، في محاولة لمداراة ما هو قائم وطريقة نعتذر بها لأطباقنا اللذيذة أو على الأقل حتى لا تعرف جدتي🤫.

33

بهدف بدء إجازتي وأول جمعة في السنة الهجرية 1447هـ ذهبنا أنا ووالدتي إلى المسجد الحرام للاستماع إلى خطبة الجمعة، كانت خطبة جميلة مناسبة للظرف الزمني كما هو متوقع.

صدفة أمسكت بهاتفي وإذ بالتاريخ 27 يونيو! ابتسمت ثم أدركت أنني لا أستطيع إضافة رمزية لبداية أبلغ من تلك اللحظة وأنا في الحرم.

ومن باب المحافظة على عادة كتابة تدوينة في يوم 27 يونيو كتبت هذه الشذرة، لدي الكثير مما أظنني سأفضل قوله لاحقًا، عن الوصول إلى عمر الثلاثة والثلاثين إن شاء الله.

اللهم أني أسألك من خيري الدنيا والآخرة وعمر هانئ سعيد.

ذكرى بيضاء

فور دخولي إلى المدرسة صباح اليوم، وأنا أحمل كوبَي قهوة لي ولرحاب في طريقي إلى البصمة، بدأت المشاهد والأصوات تتداخل في رأسي، عائدة بي سنوات إلى الوراء. يعجبني كيف تبقى اللحظات الأولى حاضرة في ذاكرتنا، وكأنها تشكّل علامات فارقة تؤثر في تعاطينا مع الأمور، وكيف تختار ذاكرتنا أحيانًا مشهدًا عابرًا لا يتعدى بضع ثوانٍ لتُخلّد فيه معنى كاملًا.

كانت الساحات، والممرات جميعها، وحتى غرف المعلمات مزدانة بصوت التكبيرات. وما إن سمعتها، لا سيما في صباح المدرسي، حتى عاد إلى ذهني مشهدٌ قديم: مشاعل الصغيرة جالسة إلى طاولة صف الروضة، حين طلبت منهم المعلمة أن يلتزموا الصمت إنصاتًا للتكبيرات، تمهيدًا لشرح معانيها الجليلة.

لا أتذكر على وجه التحديد، هل كان ذلك مدخلًا لدرس عن الحج؟ أم أن المشهد تزامن فعلًا مع أيامه؟ لكنني أرجّح الثانية. حينها كانت المصافحة الأولى مع مفهوم الحج، وما زال ذلك المشهد يلوح في ذاكرتي بلونه الأبيض، كذكرى نقية لا تعكّرها السنوات. 

منذ ذلك اليوم، لم أسمع التكبيرات مرة دون أن يعود ذلك المشهد إلى ذهني.

Adolescence

مسلسل قصير من أربع حلقات، أظن أنه قد لا يروق للكثيرين بسبب رتمه البطيء ونهايته المفتوحة التي لم تُشبع فضولي. 😅

لكن شخصيًا أعجبني كثيرًا، لا سيما جانب الحوارات، كانت وفيرة وطويلة، ومليئة بالتفاصيل النفسية الدقيقة. تطرّق المسلسل بوضوح إلى جوانب متعددة من الحالة النفسية للمراهقين، والفجوة المتّسعة بينهم وبين محيطهم، وتأثير التنمّر، ومواقع التواصل الاجتماعي، والعزلة التي ترافق كل ذلك كإشارة مبطّنة على أن هناك أمرًا ما ليس على ما يُرام.

المشاهد تنمّ عن عمق في السيناريو، واستطاعوا إيصال أفكار معقّدة بذكاء وواقعية. عمومًا، تفاصيل المشاهد سواء في قصة “جيمي” أو غيرها، تستحق أن تُدرّس. تنقلاته النفسية كانت لافتة، ولا يمكن إغفال موقف والديه وشقيقته، وكمّ الألم ولوم الذات الذي لا يُفارقهم.

مما لفتني هذا الحوار:

“This isn’t you, threatening kids, wrecking your van… I know you’re angry.”

الترجمة (اجتهاد): “هذه ليست حقيقتك… تهدد الأطفال، وتحطم سيارتك. أعلم أنك غاضب.”

جملة أرى أنها تختصر الكثير من جوهر الإنسان، ولأني عشت فترة كنت فيها غاضبة من أمر ما، ولم أكن أدرك حينها حجم تأثير ذلك الغضب على تصرفاتي — ولو جزئيًا — إلا لاحقًا. صرت أكثر وعيًا بالغضب، وأثره الممتد فينا. ولولا بقية المشاعر، لكنت جزمت أن أي سلوك خارج عن طبيعة الإنسان المعتادة قد يكون سببه الغضب… هكذا ببساطة. لكن، في كثير من الأحيان، تتداخل الأمور ويكون الغضب آخر ما يُمكن تبرير ما يحدث به.

كان مسلسلًا مناسبًا لليالي العيد الطويلة الهادئة.

#Adolescence #netflixseries

مغادرة المؤقت: بدء حكايا البيت الخامس 🏠

يقول أورهان باموق: البيت مهم بالنسبة لي لأنه مركز العالم في رأسي أكثر من كونه جمال غرف وأغراض.

كتبت تدوينة سابقة (مخبأ للذاكرة، جديد) اختصرت فيها بعضًا مما يجول في خاطري عن البيت، هذا المكان الأثير، الذي يحظى بالنصيب الأوفر من تفضيل الأماكن في حياتنا.

قلت آنذاك:

عشت في أربعة بيوت موزعة بين سنين عمري الـ ٣٢. موزعة دون قسمة منصفة، لم ننتقل كثيرًا بين البيوت وإن كان لي الخيار لفضلت البقاء في بيت واحد طوال العمر.
تتوزع ذكرياتي بينهم الأربعة في فترات زمنية مختلفة، لكن الإنتقالة الأخيرة كانت في ٢٠٢١ ليكون منزلًا تحت وصف (المؤقت) وهو كذلك حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، الحديث عن البيوت حميمي وشاعري ودافئ، وحبي للبيوت الأربعة يتفاوت، بيت الطفولة عشت فيه منذ الولادة إلى الصف الرابع، ثم البيت الأحب لقلبي والأطول في عدد السنوات من الصف الخامس إلى السنة الثالثة في الجامعة، ثم قبل الأخير من ٢٠١٥ إلى ٢٠٢٠ والأخير المؤقت من ٢٠٢١ وحتى اليوم، يوجد بيت على هامشهم كلهم، غائب إلى حد النسيان وأعرّفه بوصفه ظل هامشي لا يدخل ضمن الحسبة.

واليوم، بفضل الله وبعد طول انتظار، انتهى الوضع المؤقت! جملة بسيطة، لكنها تستحق احتفالًا عظيمًا والحمدلله. انتهاء المؤقت يعني بالضرورة انتقالًا إلى البيت الخامس، لكنه أيضًا أبعد من مجرد انتقال مكاني، بل مغادرة لحالة كاملة ظلت تلقي بظلالها على أدق التفاصيل.
قلت فيما سبق:

وللبيت بفكرته الدافئة معاني عدة، هو مفردة واسعة تشمل البيت والسكن والأهل والحي والمدينة والدولة.. والأشخاص وغيرهم كثير، لذا يستحق الكتابة عنه فعلًا! الحديث عن الأماكن عامة والبيوت خاصة يطول ويتشعب ومفضل لكن كما قلت (المؤقتية) في بيتنا الحالي تؤجل الكتابة لأسباب كثيرة، منها أن الشعور المرافق شامل لا يقتصر على البيت فقط.


المؤقت لم يكن مجرد وصف للمكان، بل لطريقة العيش، لأسلوب التفكير، لكيفية التعاطي مع الحياة نفسها، وخاصة التفاصيل المرتبطة بالبيت. أسوأ ما في المؤقت أنه لا يملك حدًا واضحًا، لكنه رغم ذلك يفرض حضوره على تفاصيل أيامك. المؤقت حين يتجاوز المكان ليصبح شعورًا عامًا، فإنه يلتهم العفوية والحميمية، يجعلك أشبه بالمسافر أو الزائر، المكان مكانك، لكن شعورًا ما يحول دون اكتمال الألفة.

الانتقالة ما زالت طازجة جدًا، لكن لا يمكن تجاوزها دون توثيق. ولأول مرة في حياتي، أجرب جيرة الأقارب، عالم مختلف وجميل! اشتقت للمساحات الواسعة، لركن مكتبة خاص، ولتفاصيل كثيرة بينهما…

ما هذه التدوينة إلا محاولة توثيق مختصرة جدًا، تلويحة أولى للعالم من جديد

نسج الهدوء

مدخل:
دائما أرى من البدايات الزمنية فرصة لجعلها بداية فعلية لأمر ما، وهذا ما حدث معي في مطلع 2025. إلا أن هذه البداية كانت أقوى، إذ تزامنت مع مرحلة تشافي حقيقة عدت فيها إلى مشاعل التي لطالما عرفتها. أحمد الله على قدرتنا على التجاوز والتخطي والبدء من جديد مستقرين هانئين هادئين بعد ركض محموم ومتصل.

كتبت في أول صفحة من دفتر يومياتي: الهدف الأساسي من هذا العام: التركيز – الهدوء – الاستغراق – التروي – البطء – السكينة. أردت أن يكون عام 2025 عامًا للتركيز، للتمعن، للتأمل، للوتيرة الهادئة، للروتين، وللأعمال البطيئة أو التي تستدعي جمع كل ماسبق. أريد أن أجمع ذهني في كل مرة لأمر واحد فقط، وعند انشغالي بشيء ما، أمنحه كامل انتباهي، دون مقاطعات أو التنقل بين مهمتين في آن واحد. بدأت ذلك بتناول الطعام إن كنت وحدي دون هاتف أو تصفح لأي تطبيق أو مشاهدة نتفليكس، فقط أنا ووجبتي أتأمل كل لقمة في طريقها إلى مستقرها الأخير. كذلك أقرأ كتابًا واحدًا في كل مرة ما لم تستدعِ الحاجة غير ذلك، وسأحاول مقاومة الرغبة في تعدد القراءات – لا بأس. #فاصل: بالمناسبة، حظيت مؤخرًا والحمدلله بمجموعة عناوين كتب ولا في الأحلام! 

في مناقشاتي وحواراتي، أستمع وأركز أكثر. حين أقود السيارة، خففت قليلًا من عادة الاستماع لشيء ما، لا أستطيع التوقت تمامًا ولكن قللت ذلك. وبالطبع كتابة يومياتي أكثر، خصصت دفترًا أشبه بصندوق امتنان، أسجل فيه ما أمتن لله عليه في يومي كاملًا، وآخر للأفكار الطائرة. والآن أكملت شهري الأول وأنا أدوّن يوميًا قائمة قصيرة بأبرز مواطن شعور الامتنان في يومي، وهذا الالتزام وحده يكفيني ويعزز شعورًا لطيفًا كما يجعلني أنتبّه لما أعبر خلاله في يومي من جمال ونعيم، والالتفات إلى النعم خصوصًا تلك التي اعتدنا عليها.

أخيرًا، عدت للتطريز ولكن بشكل مختلف، لفكرة أردتها منذ سنوات، وهي اختصار يومي بتطريز رمز واحد (هايلايت) لكل يوم، الفكرة ممتعة وتدعم تركيزي وملاحظتي وتأملي. عمومًا، أحب الأعمال اليدوية لأن شرطها الاتزان والهدوء والتمعن والغرق! التطريز سيدهم جميعًا وملك الهواجيس بعد المشي والاستحمام وغسيل الصحون وقيادة السيارة < دواعي الهواجيس. 

قراءات شهر يناير:
كما يظهر، كانت مدخلًا لموضوع الطعام، باستثناء رواية “قاموس الكلمات المفقودة” التي لم أكملها بعد إلى وقت لاحق بإذن الله.لم أعتد على حصر قراءاتي ولكن يبدو ستكون عادة جديدة لهذا العام، الهدف منها تذكير نفسي بأنه رغم كل الازدحام الذي أعيشه في أيامي، ما زال هناك متسع.

تقييم للشهر الأول:
بالنسبة لصندوق الامتنان كما قلت، هو الأكثر التزام وتفعيل من بين الأفكار، كتابة يومياتي تحتاج إلى مزيد من الوقت والانفراد والكتابة، الأفكار موجودة في رأسي لكن أنشغل عن كتابتها بكامل شكلها وأكتفي ببضع كلمات غارقة في الإيجاز، التطريز لم ألتزم بعد إلا بيومين تقريبًا ولكن لا بأس لأن تنفيذ الفكرة في أساسه بدأته متأخرة، منذ 18 يناير. بحاجة للانتباه أكثر من أجل تحقيق أهداف التركيز والانتباه وعدم التشتت.


مخرج:
في خضم تسارع الحياة بكل تفاصيلها، أجد نفسي في حاجة ماسّة إلى نقيض ذلك. ومن حق نفسي عليّ أن أسعى لتحقيق هذا الهدوء.

قراءة أخيرة: كحل وحبهان

إن كان لا بدّ من كتابة مراجعة مختصرة، فستكون حتمًا:

فضلاً، احصل على نسختك من هذه الرواية فورًا!

منذ فترة طويلة، لم أقرأ عملًا أدبيًا يتسم بهذا القدر من التفاصيل الممتزجة بالجمال. عمر يجيد نقل عالمه إليك، أو ربما نقلك إلى عالمه، بأسلوب بسيط وجميل ومضحك في أحيان. يتحدث عن كل شيء بحميمية عجيبة، ويتقن تشكيل قوائم لكل شيء تقريبًا، فلا يمر موضوع دون تعداد مميز.

التفاصيل العادية لديه تكتسب معاني أعمق. لا أعلم كيف يقنعك بهذه المعاني حتى تراها منطقية وواقعية تمامًا. يلتقط أدق المشاهد اليومية، تلك التي نمر بها دون التفات، ويضعها تحت الضوء، محرضًا إيّاك على الانتباه أكثر.

يكتب عن الطعام بتفاصيل “لذيذة”، مستحضرًا المكونات، قوام الأطباق، ورائحة كل طبق دون أن يغفل عنها. يقدم وصفًا شاعريًا، يكاد يكون أشبه بتشريح فني للأطباق.

أعتقد أنك إذا ركزت على أسلوب وصفه للشخصيات، الأحداث، المشاعر، أو حتى الأكلات، ستكتسب منظورًا جديدًا لرؤية الأشياء، خاصة تلك التي تبدو عادية كما ستتقن تصميم القوائم. الرواية تعزز الحواس عامة، وتحديدًا التذوق والشم، إذ أسهب الكاتب في وصفهما من أول الرواية إلى آخرها.

كنت أتساءل عن سبب اختياره لصورة المرأة الموجودة على الغلاف؟ -لم أكن أعلم من هي- إلى أن سألتني ماما، وأخبرتني أنها الممثلة مديحة كامل، فبدأت أخمن رمزية الصورة، حتى وجدت تفسيرها في تفصيل خفي بين السطور.

لم تكن قراءتها عادية واستغرقت وقتًا أطول مقارنة بعدد صفحاتها. هذه رواية تقرأ مرة، ثم ثانية، وربما مرات أكثر.

#صورة_الختام 
#كحل_وحبهان 

القراءة الأولى: كحل وحبهان

-1-
يقول عمر طاهر:

سألتني أمي عما أحب أن يكون موجودًا على مائدة الغداء. تحديد الصنف يمنحها طمأنينة ما. يُغلق باب الحيرة ويفتح لها باب التجويد والإبداع. يُسهل مهمتها ويمنحها الحماس الكافي لعمل المطلوب أيًّا كان. #كحل_وحبهان

وأقول أنا:

أعدت قراءة الفقرة لأنها موجز عن أيامي ووالدتي حفظها الله، تزين يومي بسؤالها (يوميًا) عما أرغب في تناوله، وللغداء بالتحديد خصوصية عالية، أخبرها بعض الأحيان عن حيرتي حد عدم قدرتي اقتراح أي صنف لأجدها تنتظرني بقائمة على أقل تقدير تحتوي خيارين: أنا بقولك وانتي اختاري؟

تتعمد تعداد أصنافي المفضلة، ثم تردف هذه العادة باتصال عند اقتراب موعد دوامي تطمئنني بأن غداء في انتظاري، أعلم جيدًا أنه بالضرورة جدًا وبلا مجاملة، هو طعام لذيذ لذيذ لذييييذ!!!

إن كنت سأختصر حب والدتي لي وهذا غير معقول، حتمًا سيكون لطبخها وطعامها فائق اللذة، هذه لغة حبها التي تجيدها لدرجة تجعل من بعدها مجرد (كومبارس) في عالم الطبخ.

وهذا الشأن مما أقف أمامه عاجزة عن قول حرف واحد، ماما يفوقني حضورها في حياتي ويسحبني إلى حدود الصمت.. حفظها الله ووالدينكم ورزقنا برهم ورضاهم.