مسلسل قصير من أربع حلقات، أظن أنه قد لا يروق للكثيرين بسبب رتمه البطيء ونهايته المفتوحة التي لم تُشبع فضولي. 😅
لكن شخصيًا أعجبني كثيرًا، لا سيما جانب الحوارات، كانت وفيرة وطويلة، ومليئة بالتفاصيل النفسية الدقيقة. تطرّق المسلسل بوضوح إلى جوانب متعددة من الحالة النفسية للمراهقين، والفجوة المتّسعة بينهم وبين محيطهم، وتأثير التنمّر، ومواقع التواصل الاجتماعي، والعزلة التي ترافق كل ذلك كإشارة مبطّنة على أن هناك أمرًا ما ليس على ما يُرام.
المشاهد تنمّ عن عمق في السيناريو، واستطاعوا إيصال أفكار معقّدة بذكاء وواقعية. عمومًا، تفاصيل المشاهد سواء في قصة “جيمي” أو غيرها، تستحق أن تُدرّس. تنقلاته النفسية كانت لافتة، ولا يمكن إغفال موقف والديه وشقيقته، وكمّ الألم ولوم الذات الذي لا يُفارقهم.
مما لفتني هذا الحوار:
“This isn’t you, threatening kids, wrecking your van… I know you’re angry.”
جملة أرى أنها تختصر الكثير من جوهر الإنسان، ولأني عشت فترة كنت فيها غاضبة من أمر ما، ولم أكن أدرك حينها حجم تأثير ذلك الغضب على تصرفاتي — ولو جزئيًا — إلا لاحقًا. صرت أكثر وعيًا بالغضب، وأثره الممتد فينا. ولولا بقية المشاعر، لكنت جزمت أن أي سلوك خارج عن طبيعة الإنسان المعتادة قد يكون سببه الغضب… هكذا ببساطة. لكن، في كثير من الأحيان، تتداخل الأمور ويكون الغضب آخر ما يُمكن تبرير ما يحدث به.
يقول أورهان باموق: البيت مهم بالنسبة لي لأنه مركز العالم في رأسي أكثر من كونه جمال غرف وأغراض.
كتبت تدوينة سابقة (مخبأ للذاكرة، جديد) اختصرت فيها بعضًا مما يجول في خاطري عن البيت، هذا المكان الأثير، الذي يحظى بالنصيب الأوفر من تفضيل الأماكن في حياتنا.
قلت آنذاك:
عشت في أربعة بيوت موزعة بين سنين عمري الـ ٣٢. موزعة دون قسمة منصفة، لم ننتقل كثيرًا بين البيوت وإن كان لي الخيار لفضلت البقاء في بيت واحد طوال العمر. تتوزع ذكرياتي بينهم الأربعة في فترات زمنية مختلفة، لكن الإنتقالة الأخيرة كانت في ٢٠٢١ ليكون منزلًا تحت وصف (المؤقت) وهو كذلك حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، الحديث عن البيوت حميمي وشاعري ودافئ، وحبي للبيوت الأربعة يتفاوت، بيت الطفولة عشت فيه منذ الولادة إلى الصف الرابع، ثم البيت الأحب لقلبي والأطول في عدد السنوات من الصف الخامس إلى السنة الثالثة في الجامعة، ثم قبل الأخير من ٢٠١٥ إلى ٢٠٢٠ والأخير المؤقت من ٢٠٢١ وحتى اليوم، يوجد بيت على هامشهم كلهم، غائب إلى حد النسيان وأعرّفه بوصفه ظل هامشي لا يدخل ضمن الحسبة.
واليوم، بفضل الله وبعد طول انتظار، انتهى الوضع المؤقت! جملة بسيطة، لكنها تستحق احتفالًا عظيمًا والحمدلله. انتهاء المؤقت يعني بالضرورة انتقالًا إلى البيت الخامس، لكنه أيضًا أبعد من مجرد انتقال مكاني، بل مغادرة لحالة كاملة ظلت تلقي بظلالها على أدق التفاصيل. قلت فيما سبق:
وللبيت بفكرته الدافئة معاني عدة، هو مفردة واسعة تشمل البيت والسكن والأهل والحي والمدينة والدولة.. والأشخاص وغيرهم كثير، لذا يستحق الكتابة عنه فعلًا! الحديث عن الأماكن عامة والبيوت خاصة يطول ويتشعب ومفضل لكن كما قلت (المؤقتية) في بيتنا الحالي تؤجل الكتابة لأسباب كثيرة، منها أن الشعور المرافق شامل لا يقتصر على البيت فقط.
المؤقت لم يكن مجرد وصف للمكان، بل لطريقة العيش، لأسلوب التفكير، لكيفية التعاطي مع الحياة نفسها، وخاصة التفاصيل المرتبطة بالبيت. أسوأ ما في المؤقت أنه لا يملك حدًا واضحًا، لكنه رغم ذلك يفرض حضوره على تفاصيل أيامك. المؤقت حين يتجاوز المكان ليصبح شعورًا عامًا، فإنه يلتهم العفوية والحميمية، يجعلك أشبه بالمسافر أو الزائر، المكان مكانك، لكن شعورًا ما يحول دون اكتمال الألفة.
الانتقالة ما زالت طازجة جدًا، لكن لا يمكن تجاوزها دون توثيق. ولأول مرة في حياتي، أجرب جيرة الأقارب، عالم مختلف وجميل! اشتقت للمساحات الواسعة، لركن مكتبة خاص، ولتفاصيل كثيرة بينهما…
ما هذه التدوينة إلا محاولة توثيق مختصرة جدًا، تلويحة أولى للعالم من جديد
مدخل: دائما أرى من البدايات الزمنية فرصة لجعلها بداية فعلية لأمر ما، وهذا ما حدث معي في مطلع 2025. إلا أن هذه البداية كانت أقوى، إذ تزامنت مع مرحلة تشافي حقيقة عدت فيها إلى مشاعل التي لطالما عرفتها. أحمد الله على قدرتنا على التجاوز والتخطي والبدء من جديد مستقرين هانئين هادئين بعد ركض محموم ومتصل.
كتبت في أول صفحة من دفتر يومياتي: الهدف الأساسي من هذا العام: التركيز – الهدوء – الاستغراق – التروي – البطء – السكينة. أردت أن يكون عام 2025 عامًا للتركيز، للتمعن، للتأمل، للوتيرة الهادئة، للروتين، وللأعمال البطيئة أو التي تستدعي جمع كل ماسبق. أريد أن أجمع ذهني في كل مرة لأمر واحد فقط، وعند انشغالي بشيء ما، أمنحه كامل انتباهي، دون مقاطعات أو التنقل بين مهمتين في آن واحد. بدأت ذلك بتناول الطعام إن كنت وحدي دون هاتف أو تصفح لأي تطبيق أو مشاهدة نتفليكس، فقط أنا ووجبتي أتأمل كل لقمة في طريقها إلى مستقرها الأخير. كذلك أقرأ كتابًا واحدًا في كل مرة ما لم تستدعِ الحاجة غير ذلك، وسأحاول مقاومة الرغبة في تعدد القراءات – لا بأس. #فاصل: بالمناسبة، حظيت مؤخرًا والحمدلله بمجموعة عناوين كتب ولا في الأحلام!
في مناقشاتي وحواراتي، أستمع وأركز أكثر. حين أقود السيارة، خففت قليلًا من عادة الاستماع لشيء ما، لا أستطيع التوقت تمامًا ولكن قللت ذلك. وبالطبع كتابة يومياتي أكثر، خصصت دفترًا أشبه بصندوق امتنان، أسجل فيه ما أمتن لله عليه في يومي كاملًا، وآخر للأفكار الطائرة. والآن أكملت شهري الأول وأنا أدوّن يوميًا قائمة قصيرة بأبرز مواطن شعور الامتنان في يومي، وهذا الالتزام وحده يكفيني ويعزز شعورًا لطيفًا كما يجعلني أنتبّه لما أعبر خلاله في يومي من جمال ونعيم، والالتفات إلى النعم خصوصًا تلك التي اعتدنا عليها.
أخيرًا، عدت للتطريز ولكن بشكل مختلف، لفكرة أردتها منذ سنوات، وهي اختصار يومي بتطريز رمز واحد (هايلايت) لكل يوم، الفكرة ممتعة وتدعم تركيزي وملاحظتي وتأملي. عمومًا، أحب الأعمال اليدوية لأن شرطها الاتزان والهدوء والتمعن والغرق! التطريز سيدهم جميعًا وملك الهواجيس بعد المشي والاستحمام وغسيل الصحون وقيادة السيارة < دواعي الهواجيس.
قراءات شهر يناير: كما يظهر، كانت مدخلًا لموضوع الطعام، باستثناء رواية “قاموس الكلمات المفقودة” التي لم أكملها بعد إلى وقت لاحق بإذن الله.لم أعتد على حصر قراءاتي ولكن يبدو ستكون عادة جديدة لهذا العام، الهدف منها تذكير نفسي بأنه رغم كل الازدحام الذي أعيشه في أيامي، ما زال هناك متسع.
تقييم للشهر الأول: بالنسبة لصندوق الامتنان كما قلت، هو الأكثر التزام وتفعيل من بين الأفكار، كتابة يومياتي تحتاج إلى مزيد من الوقت والانفراد والكتابة، الأفكار موجودة في رأسي لكن أنشغل عن كتابتها بكامل شكلها وأكتفي ببضع كلمات غارقة في الإيجاز، التطريز لم ألتزم بعد إلا بيومين تقريبًا ولكن لا بأس لأن تنفيذ الفكرة في أساسه بدأته متأخرة، منذ 18 يناير. بحاجة للانتباه أكثر من أجل تحقيق أهداف التركيز والانتباه وعدم التشتت.
مخرج: في خضم تسارع الحياة بكل تفاصيلها، أجد نفسي في حاجة ماسّة إلى نقيض ذلك. ومن حق نفسي عليّ أن أسعى لتحقيق هذا الهدوء.
إن كان لا بدّ من كتابة مراجعة مختصرة، فستكون حتمًا:
فضلاً، احصل على نسختك من هذه الرواية فورًا!
منذ فترة طويلة، لم أقرأ عملًا أدبيًا يتسم بهذا القدر من التفاصيل الممتزجة بالجمال. عمر يجيد نقل عالمه إليك، أو ربما نقلك إلى عالمه، بأسلوب بسيط وجميل ومضحك في أحيان. يتحدث عن كل شيء بحميمية عجيبة، ويتقن تشكيل قوائم لكل شيء تقريبًا، فلا يمر موضوع دون تعداد مميز.
التفاصيل العادية لديه تكتسب معاني أعمق. لا أعلم كيف يقنعك بهذه المعاني حتى تراها منطقية وواقعية تمامًا. يلتقط أدق المشاهد اليومية، تلك التي نمر بها دون التفات، ويضعها تحت الضوء، محرضًا إيّاك على الانتباه أكثر.
يكتب عن الطعام بتفاصيل “لذيذة”، مستحضرًا المكونات، قوام الأطباق، ورائحة كل طبق دون أن يغفل عنها. يقدم وصفًا شاعريًا، يكاد يكون أشبه بتشريح فني للأطباق.
أعتقد أنك إذا ركزت على أسلوب وصفه للشخصيات، الأحداث، المشاعر، أو حتى الأكلات، ستكتسب منظورًا جديدًا لرؤية الأشياء، خاصة تلك التي تبدو عادية كما ستتقن تصميم القوائم. الرواية تعزز الحواس عامة، وتحديدًا التذوق والشم، إذ أسهب الكاتب في وصفهما من أول الرواية إلى آخرها.
كنت أتساءل عن سبب اختياره لصورة المرأة الموجودة على الغلاف؟ -لم أكن أعلم من هي- إلى أن سألتني ماما، وأخبرتني أنها الممثلة مديحة كامل، فبدأت أخمن رمزية الصورة، حتى وجدت تفسيرها في تفصيل خفي بين السطور.
لم تكن قراءتها عادية واستغرقت وقتًا أطول مقارنة بعدد صفحاتها. هذه رواية تقرأ مرة، ثم ثانية، وربما مرات أكثر.
سألتني أمي عما أحب أن يكون موجودًا على مائدة الغداء. تحديد الصنف يمنحها طمأنينة ما. يُغلق باب الحيرة ويفتح لها باب التجويد والإبداع. يُسهل مهمتها ويمنحها الحماس الكافي لعمل المطلوب أيًّا كان. #كحل_وحبهان
وأقول أنا:
أعدت قراءة الفقرة لأنها موجز عن أيامي ووالدتي حفظها الله، تزين يومي بسؤالها (يوميًا) عما أرغب في تناوله، وللغداء بالتحديد خصوصية عالية، أخبرها بعض الأحيان عن حيرتي حد عدم قدرتي اقتراح أي صنف لأجدها تنتظرني بقائمة على أقل تقدير تحتوي خيارين: أنا بقولك وانتي اختاري؟
تتعمد تعداد أصنافي المفضلة، ثم تردف هذه العادة باتصال عند اقتراب موعد دوامي تطمئنني بأن غداء في انتظاري، أعلم جيدًا أنه بالضرورة جدًا وبلا مجاملة، هو طعام لذيذ لذيذ لذييييذ!!!
إن كنت سأختصر حب والدتي لي وهذا غير معقول، حتمًا سيكون لطبخها وطعامها فائق اللذة، هذه لغة حبها التي تجيدها لدرجة تجعل من بعدها مجرد (كومبارس) في عالم الطبخ.
وهذا الشأن مما أقف أمامه عاجزة عن قول حرف واحد، ماما يفوقني حضورها في حياتي ويسحبني إلى حدود الصمت.. حفظها الله ووالدينكم ورزقنا برهم ورضاهم.
في إشارة صريحة إلى أن كل سلوك مرتبط بعامل نفسيٍّ يعود في أساسه إلى شرارة أوقدت فتيله، خصوصًا إذا كان في شكل حذر مبالغ فيه أو خوف أو قلق، يزداد الأمر تعقيدًا مع التفاصيل الدقيقة جدًا، إذ لم يُخلق الإنسان بطبيعته ليواجه هذا الكم من التوجس الذي يلاحقه دون مسوّغ جليّ.
في الفصل الأول من كتاب الأستاذ والمجنون، ذُكر خوف الطبيب ماينور غير المبرر من الإيرلنديين، ومداومته السؤال لمن استأجر منها غرفته عن احتمالية وجود أيٍّ منهم.
في البداية، أوضح للقارئ، في سياق حديثه عن مرضه دون تفصيل، قلقه وتوجسه المستهجن من الإيرلنديين. ألقى بهذه التفصيلة المربكة عن غرابة شخصية الطبيب، ليعود ويذكر جذرها بإسهاب في فصل لاحق.
هذا التوجس غير المبرر من ماينور يكشف عن مدى تعقيد العلاقة بين الصدمات النفسية والاضطرابات العقلية التي قد تنعكس على السلوك البشري بطرق غير متوقعة. حالة الدكتور ماينور ليست مجرد حالة فردية لشخص يعاني من الخوف، بل هي صورة مصغرة للصراع الداخلي بين الماضي المؤلم والواقع الحاضر. ولم يكن الخوف هنا سوى مثال على كيفية ظهور هذه الصراعات النفسية بأشكال متعددة، تظهر في تصرفات تبدو غريبة وغير مبررة. لكن الحقيقة تكمن في أن جميعنا معرضون للصدمات النفسية بدرجات متفاوتة، والخلاص منها لا يتحقق إلا بوعيٍ قادر على مواجهة الجذور، وفهم التأثيرات، وكسر دائرة الألم النفسي التي قد تقيد الإنسان دون أن يدرك.
قراءة الفصلين الأولين من كتاب الأستاذ والمجنون: قصة القتل والجنون ونشأة معجم أكسفورد للغة الإنجليزية، كانت كافية لترك الكتاب جانبًا والبدء في البحث عن المعاجم الإنجليزية لدي، ولي معها قصص وذكريات طويلة، للأسف وضعها في مكتبتي محزن وصعب لعدم وجود مساحة كافية، رغم حبي الشديد لها إلا أن الكراتين الجانبية تحتضنها.
لست متأكدة من أن ما وصلت إليه هو كل ما أملكه، لكن أعتقد على الأقل هذا ما تبقى لي من مكتبتي القديمة.. هناك بعض معاجم بالحجم الصغير جدًا، من شبه المستحيل الوصول إليها. وهذه الصورة تختزل سنوات من حب الاقتناء والاطلاع على المعاجم. حاولت تذكر أقدمهم وأظنه من مكتبة تهامة في شارع حائل كنت حينها في المرحلة المتوسطة وما دفعني لاقتنائه كتب عليه: Children’s thesaurus. ثم مكتبة العبيكان في فرعها القديم بمجمع العرب وآخر بناء على توصية من تيتشر سميرة عندما كنت في الصف الثالث ثانوي، الحقوافيهمعجمرهيبعليهخصمفيجرير! أتذكر أني حصلت عليه ب٨٠ ريال بدلًا من ١٥٠ أو أرقام حول هذين السعرين، ثم مكتبات متفرقة وبعضها من أمازون مؤخرًا.
وحبي للمعاجم قديم، وباللغتين العربية والإنجليزية لكن حصرتها هنا على الأخيرة لأن الكتاب يتحدث عنها. أعود مرة أخرى، أقدمها منذ أن كنت طالبة في المرحلة المتوسطة وآخرها مع دراستي لبكالوريوس اللغة الإنجليزية والترجمة، وكل معجم يأتي بقصة ودافع جديد للاقتناء، تارة أحادي اللغة وآخر ثنائي، وهناك ما هو لاستخدام معين وهكذا. لا أستطيع بحال القفز تجاوزًا لقسم المعاجم والقواميس في أي مكتبة، سحر حلال لا مثيل له.
ولا أنسى هنا جمال مقرر علم المعاجم Lexicography رغم صعوبة مذاكرته وإسهابه في التاريخ، إلا أني قررت الاحتفاظ بمذكرته إلى بعد التخرج.
هنا قاموس المشاعر، قاموس للكلمات التي لا وجود لها للتعبير عن مشاعر موجودة بالفعل!
وبالعودة للقراءة، تذكرت بأني شاهدت الفيلم المقتبس عن نفس الكتاب The Professor and the Madman والذي أظنني شاهدته سنة 2019، على كل حال.. متحمسة لإعادة مشاهدته فور الانتهاء من القراءة.
أخيرًا: للمعاجم على وجه الخصوص حب خاص، يدرك تفاصيله من أصيب له دون أي حب آخر متعلق بأي علم من علوم اللغة.
صباحًا وأنا في طريقي إلى المدرسة لاحظت نفسي -كفشتني- وأنا أراجع أفكار درسي اليوم، أطبقها عمليًا، التسارع الموجب والتسارع السالب، أحلل كل حركة لسيارتي في محاولة لكسر روتين الطريق. أربع حالات كنت أتردد بينها، ولأن طريقي يشمل العبور بنفق وجسر وبالتأكيد الكثير من المنعطفات، كان التطبيق يشمل الحالات الأربع بكل سهولة ووضوح. حين أدركت ما أقوم به -فجأة- ابتسمت وأكملت مع حرص على توفر كامل الحالات خلال مشواري. الأمر استمر إلى جزء من طريق العودة حين تذكرت ما شرحته اليوم وهنا يجدر بي الإشارة إلى استخدامي حالات التسارع التي توفرت في مشواري كأمثلة واقعية عن التسارع الموجب والسالب بجميع حالاته.
وهنا أشير إلى أن هذا الفعل قديم ودائم ومفضل، سواء لاحظت نفسي أو لا، منذ أيام دراستي في الجامعة بقصد أو بدون، كنت أسقط مواضيع الدروس على واقع أيامي. وفي هذا متعة فائقة لكل عاشق للفيزياء.
والمجد كل المجد، للفيزياء والفيزيائيين.
على هامش الفيزياء والتسارع: بحثت في هاتفي عن صورة للطريق، ووجدت بأني كثيرًا ما أرد على سؤال: وينك؟ بصورة فورية. وهذه طريقتي المفضلة للإجابة عن مثل هذا السؤال أو: ايش تسوي؟ صورة تختصر.
اختار اللون الرمادي، الضباب محفوفًا بالبرد القارس، أن ينحصر حضوره في ضمير الغائب البعيد المنسي إلا من بضع مواقف، أزاح عنّا كثافة التواجد واستبدلها بمحض تذكر باهت.
اختار الموت في حضرة الحياة، وأن يبقى هناك بعيدًا وحيدًا كقائد جيش تخلى عن آخر جنوده، عاد دون انتصار أو هزيمة، فقط عاد وهذا كل ما لديه.
اختار الصمت يحيط به من كل زاوية، وهدوءًا يتربص به كشبحٍ حد الحيرة أهذه يقظة أم حلم؟ قابع في مكانه حجر ساكن في بركة آنسة لا يلفت نظرًا ولا يحدث فرقًا.
اختار أن يكون مقدمة ثالثة في كتاب، يُتجاوز بتذمر ملل شديد لا يُقرأ ولا يُذكر، فضل زائد حشو…أو كما قيل: يمينًا للفتى الأعسر.
اختار شطب نفسه من آخر سجلات الحياة احتفاظًا به… ثم عاش مجهولًا.
أجلس لأكتب هذه التدوينة -على استحياء- بعد جملة من المسوّدات في رأسي، كالعادة يعني ولا جديد في ذلك. حتى هذه التدوينة لم تكن لولا عودتي لمجلد الرسائل المرسلة وقراءتي لما كتبته منذ منتصف أكتوبر، فكنت كمن ينهمر في مكان (الرسائل) ليجف في مكان آخر (هنا) لكن توقفي هنا جاء جزء منه بقصد التوقف عن نوع معين من الكتابة والالتفات إلى نوع آخر. والآن كمحاولة للعودة، سأقتبس بضع فقرات من رسائلي الأخيرة. للأبد للرسائل الطويلة جمال لا يضاهيه أي صنف أدبي، استخدمها مسوّدة وas a second mind وسجل توثيق للمهملات قبل المهمات، وتجريد وجرد وتصنيف، لكل شيء.. ومهما قلت وتحدثت لا أوفي كتابة رسالة واحدة حقها. يجدر بي الإشارة وبعيدًا عن الرسائل، الكثير من مشاريع الكتابة محفوظ إلى وقت غير معلوم، لدي أفكارًا أنتظر تنفيذها كما أفتقد وبشدة قراءة الأدب < لازم أقول كل شيء.
لا بأس لي عودة هنا بإذن الله، والآن مع مقتطفات الرسائل.
٣١ أكتوبر: قرأت فقرة من كتاب المتخفي الحيوات السرية للدماغ:
ونحن لسنا واعين إلا بالقليل جدًا مما يوجد في الخارج. فيقوم الدماغ بصياغة افتراضات لتوفير الوقت والموارد ويحاول ألّا يرى العالم إلّا بالصورة التي يحتاج إليها.
وهذه حقيقة ملموسة لكل من يحاول ملاحظة نفسه أو الآخرين من حوله، وأظن أن ملاحظة أنفسنا تحت تأثير عبورنا بظروف عدة كفيل باكتشاف واقعية هذا المعنى.
١ نوڤمبر: في الصباح أثناء قيادتي فوق الكبري تذكرت بأن اليوم هو ١ نوفمبر، وأنا أحب البدايات الزمنية أجد فيها فرصة حقيقية وإن قصرت للبدايات الجديدة. الفكرة المسيطرة كانت التركيز على ذاتي أكثر، وعلى من يهمني أمرهم.. الانشغال بأمور ذات قيمة بعيدة كل البعد عن المهاترات والسخافات، الابتعاد عن الفضول دون معنى، وووالكثير مما أود تذكير نفسي به. وجودنا في دوائر اجتماعية يحتم علينا التعرض لمثل هذا، إضافة لتطبيقات التواصل الاجتماعي، لست مثالية لكن فعلًا مثل هذا يسلب الكثير من أوقاتنا وتركيزنا وطاقتنا…. لسنا مراهقات!
٢ نوڤمبر: تناقشت وصديقتي عن الأثر الذي يبقيه مرور أحدهم، كيف لدخول شخص خاطئ (أو صحيح) إلى حياتك يخلّف وراءه كل هذا الأثر والظهور؟ لي ولها تجربتنا مع اختلاف المدة، ……… لكن لماذا دخول شخص إلى حياتك يبقيه إلى هذا الحد؟ أرجّح صدق الشعور لأنه يحف التفاصيل بهالة تبقيها. بصرف النظر عن التفاصيل، ربما يبقى هذا الأثر إيجابيا أو سلبيًا مشكلتي ليست في نوعه إنما في تواجده من الأساس حين لا أرغب به. كيف حياتي وتفكيري كانا خاليين تمامًا من طيف ذلك الشخص، والآن قد يعرّج ويظهر في لفتة هنا أو هناك؟فكرة مبتذلة بعض الشيء.
٣٠ نوڤمبر: أحب نهاية الأسبوع، بهجة دائمة مكررة لا نملها ولا تفقد انتظارنا لها. وما أحبه أكثر، هو خوض تجارب صغيرة، مطعم أو مقهى أو نكهة جديدة من شيء ما، أظن بأن هذا الفعل البسيط هو رصيد عيش لذيذ وجميل. والأكثر أحب الهدوء وغالبًا ما يزداد ارتباطه بنهاية الأسبوع إذا كان خاليًا من صخب العائلة الممتدة. ومنه أحب كذلك الروتين، في الحقيقة.. أرى أني مدفوعة للتحدث عما أحبه من أيامي لأني ما زلت تحت تأثير استشعار الجمال الكامن وراء اختلاف نمط أيامي.
بعيدًا عن كل شيء، يبدو جيدًا وجليًا أني أعيش (حبسة الكتابة) ممتدة طوال عام ٢٠٢٤، فلم تتجاوز دفاتر يومياتي اثنين، وتدويناتي قليلة جدًا جدًا جدًا وأخيرًا الحال مع رسائلي. والأخيرة هي الأحب لقلبي.. أريد أن أكتب لكن الأمر لا يتجاوز رغبة يزعجني صدى ترددها في رأسي.
أحاول دومًا الموزانة بين جمود الفيزياء والهندسة بمزجهم بالأدب إلا أن ٢٠٢٤ الأقل على الإطلاق في قراءتي الأدبية، تكاد تقترب للصفرية وربما أتدارك الوضع في آخر شهر.
صممت جدولًا لمتابعة تقدمي فيما أقوم به من اهتمام بجودة الطعام والرياضة والنوم والماء ،، 👇🏼
على أن أسجل كل هذا التتبع في آخر دقائق من يومي قبل النوم، وذات مرة لاحظت مدى وتيرة أيامي، تميل في طبعها كما يعتقد بعض من حولي إلى البطء الذي هو انعكاس لي. ومنها بدأت في التأمل قليلًا، الوتيرة البطيئة أو لأقول الأثر التراكمي الصغير هو ما أفضله، كنت أفكر حينها في طبيعة تواجدي سواء في الواقع أو برامج التواصل. قبل سنوات كنت كاتبة في البايو: في الظل، انكفاء واكتفاء..وصورة: في الركن البعيد الهادئ، هذا ما أميل إليه في معظم أوقاتي، وسمة الهدوء أو البطء أجد فيها راحتي، وقليل دائم خير من كثير منقطع، ووو
انكمشت مؤخرًا لينحصر تواجدي في كافة التطبيقات إلى مشاركة أكواب القهوة وصفحات الكتب وبعض المشاهدات، ابتعدت عن اليوميات الشخصية وتفاصيل أيامي بخلاف ما كنت أفعله يوميا في مدونتي! مع استمرار توثيق لحظاتي، الاختلاف خاص بالمشاركة فقط.
حين أفكر في حياتي أتخيل كما لو كنت أنظر إليها من بعيد، لأرى نمطًا أحبه من التواجد على كافة الأصعدة، عنوان رئيس هو كما قلت قبل قليل: القليل الدائم، بوتيرة هادئة. ولأني أحب القراءة، تعطيني قناتي في تلقرام شعورًا لطيفًا وأنا أرى إضافاتي فيها متتابعة تبعًا لما أقرأ، ومن هنا يأتي الحال تأكيدًا لفكرة تعظيم استشعار اللحظات الصغيرة اليومية والتي بدورها تشكل فارقًا حقيقًا.
كوب القهوة والكتاب والمشاوير والرفقة الطيبة والدوام والقراءة والكتابة والنادي وتجارب الطعام والوصفات الجديدة والمعلومات والفوائد الغذائية الجديدة وتجربتها لأرى واقعية أثرها، والكثير، هذه الحياة بمعناها الشاسع شاملة أدق تفاصيلي لأعظمها، أنا أعيشها ثم أعيشها مرة أخرى بشعوري المرافق لها وهي طيفًا يدور في رأسي، لا أعلم كيف أعبر عن مدى غبطتي التي تطوف بي حقًا.
ربما أكثر من التحدث عن تفاصيل أيامي وأكرر، لأن الفترة الحالية هي أشبه بطوق النجاة وعودة بعد انقطاع دام لأشهر، فالعودة لي ولروتيني.. كانت عودة بتدرج وانتكاسات إلى الوصول أخيرًا والحمدلله. والأهم هي انتعاش نفسيتي ومزاجي وقدرتي على التعاطي مع الأمور ونظرتي للأشياء عادت إلى نسختها التي عهدتها عن مشاعل بعد ضباب وبرد قارس!
٧ ديسبمر: سمعت اليوم بودكاست Brain Science وقالت الدكتورة جملة رأيتها معبرة جدًا! كانت تصف مالذي يجعلنا بشرًا؟ وأول ما قالته: “Fundamentally, we’re designed to feel, and it is ironic because people actually have feelings about feelings!”
هذا المعنى العميق؟! لم أفكر فيه من قبل رغم كثرة تواجده في حياتي، هي ضربت مثال البكاء، أن تبكي أمام صديقك المقرب، البكاء هو الشعور الأول والشعور الثاني هو ما يكون حيال شعورك الأول لن يكون سلبيًا بمعنى لن تشعر بالغضب لأنك بكيت أمامه، فين حين لو أنك بكيت أمام مديرك في العمل فسيكون شعورك حيال هذا البكاء سيء، ومن هنا الشعور الأول البكاء، الشعور الثاني ما تشعره حول البكاء!! مثالها رغم بساطته إلا أنه جعلني أفكر أو استعيد لحظات مضيئة في حياتي شعرت فيها بشعور حيال شعور آخر أصلًا! اهخ عامة، الدماغ وكل ما اتصل به مدهش وعظيم وآسر وخلاب ودهشات وصدمات متواصلة لا تنتهي.
تعقيبًا على معرض الكتاب، تبدو زيارتي هذه المرة دون قائمة، إذ مثل هذا الوقت من كل عام عادة ما تكون قائمتي جاهزة، أتمنى تجربة ذلك. وعلى الهامش: سمعت خلال الويكند امشِ مع أمل السهلاوي، حديثها عن الكتابة هو بالضبط ما أريده وأتمناه، أن أكتب الأشخاص والأحداث والأفكار والشعور ببساطة! أشعر أني فقدت عفوية الكتابة لدي وتبقى الفكرة حبيسة رأسي -أضيء مصباح قراءة كتاب داء منتصف الليل: الدافع إلى الكتابة وحبسة الكاتب والدماغ المبدع- وااااو ويني عنه من أول؟؟؟؟؟؟
والآن، إلى تدوينة أخرى بعيدًا عن سرقة فقرات من رسائل مرسلة، اشتقت جدًا للكتابة هنا.