حضور كثيف

اللهم لا اعتراض، لكني غير قادرة على الذهاب لغرفة جدي دون رؤية ابتسامته وسماع ترحيبه بي. غير قادرة على استعياب عدم طلبه مني الجلوس لكتابة أمر ما، كيف كنت (أحارشه) وأسمع ضحكته الصاخبة. بالأمس بعد عودتي من النادي مررت دون رؤيته رغم تذكري. المرة الأولى التي لا نتصل عليه ونهنيه بقدوم رمضان ولا يجلس بيننا في السحور. تذكرت هنا أمر طريف يعرفه أبناءه وبالتحديد تركي وأنا، كيف كان يتسحر وهو مغمض عينيه وكأنه يقبض على النوم خشية فقدانه، كنا نجتمع ونتبادل النظرات ننتظره ليغمضها ونضحك. نشاغبه لأنه كان يضع الخبز على فخذه رغم أن السفرة أمامه.

ما زلت عند العتبة الأولى، مذهولة وغير قادرة. دائمًا أردد على الرغم من مروري بظروف قاسية وفترات شديدة الصعوبة إلا أنها لا شيء أمام جدي. كل الاوقات الصعبة بسيطة أمام ابتلاء في شخص عزيز ومفضل.

بالأمس اتصل بي تركي ولم استطع إكمال كلامي، انهيت المكالمة واعتذرت منه. دموعي لا تقف وأنا هنا لا أبالغ، إذا ما هطلت على جدي تنساب كما لم أعهد عيني من قبل. صحيح أذهب وأعود وأضحك وأقضي أموري لكنه لا يغادرني، طوال الوقت أفكر به وبحاله. وجميعنا هذا حالنا بشكل أو بآخر. لم يكن شخصًا عاديًا في حياة أي منا، لا شخصيته ولا أفعاله ولا أسلوبه، لذا نحن من كبيرنا لصغيرنا عالقون أمام حاله ولا نملك إلا الدعاء.

أفكر كيف فعلًا أني مررت بالكثير لكنها كانت أمور شخصية بعيدة ويمكنني تجاوزها إلا أن جدي أولًا ليس بعيدًا وثانيًا ليس بالأمر! هو شخص!! لا أعلم كيف أصوغ قولي هذا، أحاول وصف شعوري ولم أصل حتى الآن رغم محاولاتي. وسأبقى أكتب وأكتب وأكتب لعلي أقترب.

بحر

11:26ص: أحب البحر صباح الجمعة. أكتب الآن من أمام البحر، وبالتحديد الواجهة الجديدة لكن يفصل بيننا زجاج أوڤر دوز. خرجت من البيت مبكرًا لأمر مختلف لم أجده ووجدت نفسي هنا أطلب مشروبي الوحيد الذي أعجبني عندهم والذي انسكبت منه بضع قطرات على عباءتي. بالمناسبة، بينما أنا واقفة أنتظره ينهي طلبي كنت ألقي نظرة على المكان وإذ به يشير إلى أنه سيضع القهوة وعلي تصويره! لا ألومه بذلك لأن الجميع ينتظر هذه اللحظة وهي فعل فارق لهذا المقهى لكني لم أرغب بذلك على الرغم من أني صورت فقط لأنه طلب مني ولا أعلم لمَ لم أعتذر؟ لا بأس.

لم يعلن بعد عن غرة رمضان ولكن احتمالية مرتفعة يكون غدًا . وهذا ثاني رمضان مختلفًا لي ولوالدتي. الطقس حار جدًا مما منعني الجلوس على الطاولات الخارجية بالأعلى. لم أحدد بعد كيف سيكون روتيني في رمضان، أنتظر معرفة شكل يومي مع الدوام وبناء عليه أعرف توزيع باقي يومي ويلزمني الانتظار إلى بعد اليوم الأول على الأقل. لكن مبدأيًا، أفضل إيجاد وقت مناسب للنادي ولإنجاز “تحدي الكتابة في رمضان” الذي وصلني إعلانه بالأمس وقررت الانضمام إليهم، في وقته تمامًا. وهذا ما جاء في الرسالة:

السلام عليكم 

تحدي الكتابة مرة أخرى!

مع أول يوم من رمضان، سنبدأ بإذن الله ساعة كتابة يومية مركزة. اكتب واكتب واكتب. هذه الساعة ليست للقراءة أو تخطيط رؤوس أفكار، هذا بوسعك فعله من قبل. هذه الساعة، نترك أي عذر للتهرب عن الكتابة، ونواجه أنفسنا، ونكتب.

البعض يكتب في إكمال بحثه للدراسات العليا، البعض الآخر يكتب جزءا من مقالة علمية يرغب/ترغب في نشرها قريبا، آخرون يكتبون روايات، قصص، خواطر، تقارير عمل،  أي شيء المهم أن تكتب. 

أسلوب الطماطم في إدارة الوقت أثبت فاعليته في إنجاز الكتابة، لذا سوف نستخدمه. 

11:40ص حتى مع شدة حرارة الطقس لم أقاوم الوقوف أمام البحر، ذهبت إلى السقالة طمعًا في الظل والهواء المنعش. لمنظر أفق البحر وتدرج ألوانه التأثير الكبير على نفسيتي ومزاجي.

حددت دفتر صفحاته غير مسطرة لمتابعة كلًا من: ساعات النوم – الأكل – الرياضة. بدأتها بملاحظة على جوالي لكن لا شيء يقنعني في الكتابة كما تفعل الورقة والقلم. وفيما يخص قراءة رمضان لم أحدد بعد. ماذا أيضًا؟ حظيت بلقاء جميل ولطيف مع كل من زينب وفاطمة وخلود، وبدأت منذ العودة بعد الإجازة بكتابة فقرات تتراوح بين القصيرة إلى المتوسطة في ملف وورد أسميته March أكتب فيه خلال ما تتبقى من دقائق من حصصي. أعجبتني الفكرة وسأجعل لكل شهر ملف واحد يضم كل أيامه.

متحمسة ومتفائلة ومشتاقة لرمضان وطقوسه وأجواءه، بلغنا الله ومن نحب بكل خير وصحة وسلامة.

لُطف

-1-
تشير الساعة الآن إلى التاسعة مساء من يوم الاثنين، اليوم أول اختباراتي النصفية في الجامعة من المستوى الأخير. تغيبت عن المدرسة في محاولة لاستغلال ساعات الصباح في المذاكرة. المقرر أقل مما اعتدنا عليه. أكتب الآن بينما أنتظر انتقال الصور من هاتفي إلى لابتوبي، مرهقة ونعسانة جدًا.

بالعودة للوراء قليلًا، بالأمس بدأنا الفصل الدراسي الثالث وهذه المرة الأولى التي يكون فيها فصلًا ثالثًا. أحتاج إلى ما يحفزني، أشعر بأن السنة الدراسية طويلة جدًا، إضافة إلى ذلك فإن دوامنا سيستمر في رمضان. آخر مرة ذهبت فيها إلى المدرسة في رمضان كانت وأنا في الصف الأول ثانوي. لا آبه إلا للعطش -_- وكيف سيكون الحال مع شرح الدروس؟

مزيدًا من العودة للوراء، أردت كتابة ملخص لإجازتي لكن نفسية ليلة العودة للدوام لم تكن تساعد، لعل أبرز ما كان فيها أنها كانت بيتوتية عائلية. أخيرًا وبعد توقف عدت إلى النادي. اشتركت ضمن عرض يضاعف مدة الاشتراك بنفس السعر الأصلي. عدت لحصص الرياضة وللسباحة، آه يا السباحة أكثر ما اشتقت إليه. أحاول جاهدة الذهاب يوميًا، حتى مع دوام المدرسة أو الجامعة. أريد أن يكون النادي ثابت في أيامي وليس خيارًا متاحًا متى ما كان وقتي يسمح.

-2-
قررت منذ أسبوعين أن أراقب لطف الناس من حولي، من ضيق الدائرة الاجتماعية لاتساعها، بدء من أقرب ناسي إلى أبعدهم. لا يخلو يومي من كم هائل مما يجعلني أبتسم وأحمد الله عليهم. رسالة من ماما تخبرني بأنها (تبلت) الدجاج من أجلي، وأخرى من آمال لأمر تعلم كيف تداريه بيننا وهنا رحاب تجلب كوب قهوة دون أن أطلبها ونتشارك أنا وخلود طريق العودة ولكل يوم شكله، تركي يحب أن يهاتفني شبه يوميًا ولدقائق قليلة وغدي تختار قضاء مشاويرها برفقتي وفطوم تشاركني منشورات وفطيم توثق لي متابعتها لمدونتي وهناك شذى وأسماء تفتقداني إذا ما غبت عن الجامعة، سجى تعزمني على خرجة وزينب تشاركني حركات طفلها، أمي (جدتي) تشتري لي نوع السمك الذي أحب، هبة وعزة تقولان بأنهما اشتقا لي عندما انشغلت ولم أغادر مكتبي والقائمة تطول وقلبي يهنأ ويتسع سعادة. اعتدت الانتباه وتقدير صغائر الأمور قبل كبيرها، هذه اللفتات الصغيرة هي بهجة أيامنا، هي ما يميز كل يوم عن سابقه إذا ما أكلنا الروتين، والانتباه لها يبهج الروح.

الناس للناس والكل بالله، سأستمر أتلمس هذه اللطائف فهذ نعمة عظيمة وأثرها على النفس كبير. نحن اجتماعيون بطبعنا، نحن بمن حولنا ونأنس بهم. فاللهم أدمهم نعمة وبارك فيهم.

-3-

أحتاج مزيدًا من ضبط لطعامي ونومي ما زال غير ثابت، كذلك جدول للتمارين الرياضية في النادي. يومي مزدحم بالطريقة التي أحب وهنا أذكر نصًا كتبته ذات مرة:

أعتقد أن أجمل ما يقدمه المرء لنفسه هو أن ينشغل بها ومن أجلها. أن يستمر سعيه للتحسين والتطوير وتحقيق الأحلام، وأن تكون دائمًا هناك خطوة تالية ومرحلة جديدة وتجربة مختلفة. أستمتع بالتحضيرات المسبقة، بمراحل البحث والسؤال قبل القرار ثم الوصول. يبقى الإنسان بخير طالما هناك محاولات وتطلع للأفضل.

حتى على المستوى اليومي، الإضافات والتجديد والتقدم والخطوات الصغيرة تعني لي الكثير وتعطيني شعورًا طيبًا. كذلك أفضل الانشغال. أن يكون لكل ساعة شكلها وما يميزها. الانتقال من مهمة لأخرى ولا أعني هنا ساعة بالتمام كما لا أقصد المهام الجادة فقط، إنما كل ما يمكن للمرء أن ينشغل به. المهم، التنوع والتغيير. على العكس، هناك أيام لفعل اللاشيء بكل ما تعنيه الكلمة من معنى لكنها استثناء. 

الحمدلله حمدًا تطيب به الحياة، الحمدلله دائمًا وأبدًا.

عالم

أنا لا أقول لك اجعل العالم أفضل، لأني لا أعتقد أن التقدم هو بالضرورة جزء من الميثاق. أنا أخبرك فقط أن تعيش فيه. لا أن تكابده أو تعاني منه أو تعبره وحسب ولكن أن تعيشه، وتنظر إليه في محاولة للحصول على صورة، في محاولة للعيش بتهور واقتناص الفرص، لتكوّن عملك وتفخر به وتغتنم اللحظة. 

ترجمة:___جوان ديديون

رسائل لن تصل

ذكرت سابقًا في رسالة ما بأنني سأبدأ الموسم الثاني season 2 من سلسلة رسائلي، الموسوم الثاني بالنسبة إلى ذلك البريد بعينه وإلا فإن رسائلي بسنواتها الطويلة تجاوزت فكرة كهذه. لكني لم أحدد مكان ولا هيئة هذه البداية أو يمكنني ادعاء ذلك الآن. وكما هو معروف، فإن كتابتي للرسائل تمامًا كاليوميات لن تقف لأي سبب كان. قد تتعثر أو تتأخر أو تتغير بعض تفاصيلها مثل بريد المرسل إليه أو طريقة كتابتها أو حتى موعدها، لكنها أمر ثابت في أيامي.

وهذا ما سيحدث. لأول مرة، عوضًا عن مرسل إليه واحد كما اعتدت، ستكون مشرّعة لكل العابرين من هنا قلوا أم كثروا. أقول هذا وأشعر بغرابة لأني اعتدت لسنوات أن تكون رسائلي موجهة لشخص واحد دائمًا ولأن للرسائل ما يمزيها لدي ويجعلها دون غيرها مما أكتبه، لها سطوتها علي وهي تكاد تلازم كل أوقاتي كمسودات ممتدة إلى حين إرسالها. لكن لم لا أجرب عكس ذلك؟

في الفترة الحالية، لا آبه لأي شيء، تمامًا كشعوري فترة ٢٠٢٠ مما دفعني حينها إلى كتابة يومياتي بالتزام يومي هنا في المدونة ولمدة ستة أشهر. تخرج من وراء حالة اللامبالاة هذه الكثير من النصوص، لذا لا بأس إن عشتها مرة أخرى. والآن الأمر مشابه إلا أنه مع الرسائل بدلًا عن اليوميات.

لم يسبق لي كتابة رسائل هكذا يقرأها الجميع، أحب في الرسائل بالذات خصوصيتها وأن أعرف المخاطب، فلكل شخص ما يميزه وينعكس هذا على محتوى وطريقة كتابة الرسالة نفسها. أما الآن سأرى كيف تبدو وهي ليست مرسلة لأحد بعينه ولا أعلم إن كنت أستطيع أن أحذو بالأريحية حذو رسائلي السابقة. لكن إذا ما فكرت بالأمر، أجد رسائلي بشكل أو بآخر هي عبارة عن يوميات لكن بتفاصيل خاصة بها!

على كل حال، سأرى!

مسودة رقم 6

أكتب الآن بينما أنا جالسة في مقهى كافيين لاب، وصلت هنا عند الساعة الحادية عشر ونصف والآن الساعة الواحدة والربع. استيقظت فجأة وقررت كذلك قبل النهوض رغبتي المجيء إلى هنا وفي هذا اعتراف صريح بحاجتي إلى الكتابة وهي السبب الرئيسي لتواجدي. تناولت فطوري (فطيرة تفاح وقهوة) بدأت بكتابة المتراكم من يومياتي، بالطبع سأكتفي بأبرزها لأن آخر ما كتبته كان قبل ثلاثة أسابع وخلال ذلك حصل الكثير.

أكتب اليوم وأنا حزينة، حزينة جدًا حزن عميق. سبب هذا الحزن هو الحالة الصحية لجدي، أشعر بأن هذا الأمر يقف على أكتافي ويلقي بظلاله على كل لحظاتي. أنا بخير لكني أفقد رغبتي تجاه معظم الأشياء وعلى رأسها: التواجد أو التحدث إلى أي أحد كائن من كان. الصمت والهدوء هما كل ما أريد. صورته لا تغادر بالي وجيش من الأسئلة يحاصرني من كل مكان. بماذا يشعر؟ كيف يفكر؟ وكيف حاله؟ ممنوع من الزيارة لكن يوم الجمعة توسلت بكل ما أتيت إلى الممرضة المسؤولة وأخيرًا سمحت لنا بدقيقة واحدة ولشخص واحد كان أنا. دخلت إليه خلعت نقابي ليعرفني وبدأت بالتحدث إليه. لم أقاوم بكائي وصوتي المتحشرج. فاصل: بينما أكتب ما سبق وصلنا تحديث عن حالة جدي ودموعي لا تقف عن الانهمار حتى وأنا في مكان عام، لكن استقبلت الجدار منذ البداية. أعلم جيدًا بأن هذا حال الدنيا لكن من يقنع قلبي؟ يا الله. صارت الزيارة مسموحة، لكن ماذا عن حاله؟ اللهم لا اعتراض.

ترعبني احتمالية بأنه قد لا يعود قادرًا على التحدث، بأن لا نعلم بم يرغب وماذا يريد أو حتى لا يتحدث إلينا؟ أن نكون حوله دون سماع حسه؟ وأن يبقى صوته ذكرى في رؤوسنا. كم تبدو قاسية فكرة اختفاء أصوات من نحب؟

وهنا لم أعد قادة على إكمال الكتابة.

مركز الكورنيش

قررت فجأة الحصول على حذاء جديد وكذلك ذهابي إلى مركز الكورنيش دون سواه. أردت التقاط صورة للواجهة لكن خضت تجربة جديدة مع مكاني القديم حالت دون تحقق ذلك. دخلت بالخطأ إلى مسار المواقف العلوية بدلًا من الأرضية ولا مجال للتراجع إذ إن الطريق يزداد في الارتفاع كلما تقدمت حتى وجدتني فيما يعادل الطابق الثاني من المركز. لأول مرة أجرب المواقف العلوية هناك.

مركز الكورنيش من الأماكن البارزة في ذاكرتي والتي لن يكتمل حديثي عن طفولتي دون التعريج عليها. من الأماكن العتيقة وتربطني به ذاكرة غارقة في القدم تعود إلى عمر الرابعة. ذاكرة مزدحمة بالكثير من التفاصيل والأشخاص والمواقف واللحظات. قضيت بين زواياه الكثير من أوقاتي، كان من أماكني المفضلة تلك التي أسعد بذهابنا إليها. كانت زيارتنا له تكاد تكون شبه شهرية، بالتحديد إلى مكتبة المأمون وقد انقسمت إلى قسمين، أحدهما قرطاسية والآخر مكتبة. سلسلة أناشيد سنا وقوائم ممتدة من كتبي الأولى تعود إلى هناك، كتب جحا وكتب الألغاز والقصص القصيرة إلى أن وصلت إلى كتاب (لا تحزن) في الصف الأول متوسط تقريبًا.

الدخول إلى مركز الكورنيش يعني الاصطدام المفاجئ والسريع برائحة القهوة وهي تسيطر على المكان من كل الجهات وتعود لدارة القهوة، يعني النافورة وصوتها والوجوه مزدحمة من كل الجنسيات بلا استثناء.

ذهبت إليه اليوم مع ماما، وحصلت على حذائين بدلًا من واحد، لكن لم أصطدم برائحة القهوة ولا بتلك الوجوه الوافرة. كان كل شيء كما هو باستثناء مكتبة المأمون والتي صعقت قبل سنوات بتقلص حجمها من نصف طابق إلى نصف محل يحتوي كتب لا يميزها شيء سوى أنها ما تبقى من مكتبة هائلة. هناك محل في طرف السوق، اعتدت شراء أحذية الجامعة منه لسنوات، عدت إليه بعد انقطاع كورونا ولم أجده واليوم لم أقترب من تلك الزاوية، وسوبر ماركت الدانوب يبدو غريبًا، كرقعة في ثوب قديم.

لم ألتقط سوى الصورة أعلاه لأتذكر أين أوقفت السيارة فلا أدخل في رحلة بحث طويلة. كنت أفكر مع سلسلة الهدم الممتدة في جدة، وهي جغرافيا ليست بعيدة عن مركز الكورنيش. إذا ما هدم في يوم ما، فهذا يعني بالضرورة اختفاء جزء من ذاكرة الطفولة (المكانية). والآن، أريد البدء بتصوير أماكني المفضلة أو ما تبقى منها. لدي قناعة بأن اختفاء المكان أو تبدل تفاصيله الناتجة عن ترميم مثلًا تؤثر في وجوده. مدرستي الابتدائية 87 هدمت ثم بنيت من جديد باسم آخر، بهذا هي لم تبقى سوى في رأسي! أيضًا الابتدائي 32 داخلة ضمن مشروع الهدم وستختفي تمامًا .

أحب جدة وأعشق أماكنها خصوصًا تلك المرتبطة بسنوات لم يبقى منها إلا طيف ذكراها، ولا أنكر بأنه يحزنني ما يحدث فيها من تغير عظيم ومفاجئ -وحاد بعض الشيء- لهويتها ولجدة التي نعرفها لكنه في المقابل ضريبة التجديد والتطور. نمر بأماكن كثيرة هدمت لكن ما زلنا نحاول تذكر بداية ونهاية أطراف الأماكن. هنا كان المطعم ملاصق له السوبر ماركت وهناك المركز بجواره الحلاق و و و و.

رأيت اليوم مقطعًا التقط من البنك الإسلامي، لا أرى إلا أرضًا شاسعة. كانت هنا حياة، فهل سنقول: كانت هنا جدة؟

توقد

-1-
أولي التفاصيل الصغيرة اهتمامًا دون تكلف وأراعي صغائر الأمور، ويبدو أن رأسي في يوم ما قرر اتخاذ وضعية الملاحظة دون أذن مني، هو يتكفل بالأمور وأنا عضو شرف. وأهتم بالفروق وأقارن كثيرًا بين الأمور وحساسيتي أظنها عكسية إذ أراعي الآخرين في تعاملي وأسقط اعتبارات كثيرة لمحاولة قراءة الحال كل هذا حتى أكون خفيفة. أفهم جيدًا وفي أحيان كثيرة يكون هذا الفهم هو كل مشكلتي. إضافة للفهم ملاحظتي شديدة. وإذا اجتمعا ينتج عن ذلك إدراك مرتفع لكل ما يدور حولي، ألاحظ التأخر عن العادة وإن قل وما لم يقال وكأنه قيل صراحة، التغيرات الصغيرة وما تجره خلفها، النبرة والنظرة وما بينهما. أفهم بعمق لكن إما اختار تجاهل هذا الفهم وكأنه لم يكن أو استباقه حتى لا يكون. لا أبالغ، وأمثلتي على هذا كثيرة، أقول ما سبق لأنه بقدر ما يهمني إلا أنه قد يصل لدرجة الإرهاق في بعض الأحيان. هذا التوقد والحضور الدائم بقصد أو بدون، مرهق. هل لاسمي من هذا نصيب؟ حيلة ضعيفة لحد ما.

-2-
لاحظت سمة لم أكن أراها من قبل بهذا الوضوح والحدة بين طالبات ما زلن في المرحلة المتوسطة. القلق. قلق ظاهر وواضح وغريب حيال أمور بسيطة تحتاج بعض الانتظار! حتى وأنا أخبر الطالبة: عادي خذي راحتك، لسى باقي وقت. طيب روحي للي بعده وبعدين ارجعي خذي وقتك مع هذا….استغرب تعاملهم وإن قد يكون ناتجًا عن حرص مثلًا أو لأي دافع. عندما كنت في المتوسط، أو خلال دراستي كنا نعرف من صديقاتنا من كان القلق ملازم لها لكن لم يكن شيء مرافق للجميع أو الأغلبية، ليس بهذا العدد. أتأملهم وأتمنى لو أعرف ما السبب؟ ما المشترك بينهم؟ وجعل القلق نتيجة؟ 

-3-
 ​لكثرة ما يعبرني أو ما أعبره في الفترة الحالية وهو ليس بالقليل، بت استخدم استراتيجية البنج الموضعي هههههه طبعًا اخترعتها من رأسي. فكرتها ببساطة: أنا أدرك كل الأمور بتفاصيلها لكن اختار بالمفاضلة بينهم أيهم أشغل تفكيري به الآن وأيهم يحتمل البقاء لوقت لاحق فيوضع تحت بنج مؤقت. حقيقة لا أعلم بأي كلمات أصف حال أيامي لكن الشيء العجيب أني لا أشعر بمشاعر سلبية. أدرك أنها فترة ضغط عال جدًا لكن لست مستاءة أو محبطة مثلًا! إنما كل ما في الأمر هو أنني أعي ما يحدث ولن أقول أيضًا هناك مشاعر إيجابية طاغية، لا. تتكرر كلمة مشاعر لكن يهمني فهم ما أشعر به. للمشي بعد الله فضل كبير.  أتعلم تلك اللحظات التي تخاطب فيها نفسك؟ لا أحد يعي ما تمر به لذا لا مواساة ولا تخفيف ولا شيء من أي شيء سوى منك إليك. ثم أولًا وقبل كل شيء الدعاء، لا سلوى ولا طمأنينة ولا قوة كالتي أجدها في الدعاء. يقينًا يطبطب على قلبي ورضًا بكل ما يأتي من بعده. الدعاء حبل متين وقوة داعمة. 

الأمر سيّان

-1-
قرأت ذات مرة بأن أكثر الأسئلة تبدأ بـ:كيف؟ في حين أن معظم إن لم تكن جميع أسئلتي قائمة على: لماذا؟ لم تكن حيرتي في الطريقة، دائمًا هناك حل. إنما في الأسباب والدوافع والمحفزات. في معرفة الأساس الذي قادنا إلى ما وصلنا إليه عند وصولنا أو فيما يدفعنا للوصول إذا لم نسلك طريقًا بعد.
هناك ما يحدث ويجعلني متعجبة فعلًا من مشاعل! لم يسبق لي أن كنت في حالة مشابهة على الإطلاق. غرابة غريبة 😶
اعتدت على ترك الأمور تسير كيفما اتفق، حتى وإن كانت (ظاهريًا) تبدو متناقضة فالأساس واحد وستؤول في آخر الأمر إلى نفس الجهة. لكن هذه المرة؟ لا يخصني الأمر وحدي وهنا مكمن النكتة. لا يملك الجميع القدر نفسه من المرونة واللين، لذا قد لا تُتجاوز (الحماقات المتكررة) عندما تكون نتيجتها متعدية ومشتركة إن كان مرتكبها واحد (أنا)

-2-
الإنسان إنسانًا بما يعتريه ويعبره من مرتفعات ومنخفضات، بقلة حيلته أمام ما استعصى عليه، بتجاربه الجديدة وخبراته القديمة. من هذه القناعة، أنا لا أخجل مما أخوضه ولا من تبدل وتغير حالي. أواجه بكل ثبات لحظات ضعفي التي أدركها تمامًا، تلك التي أقف أمامها عاجزة عن اتخاذ أي خطوة رغم فهمي التام لما يحدث أو حتى النقيض من ذلك. وما كتبته الآن إنما توثيقًا لهذه المواجهة والتي تبدو لي -حتى اللحظة- صماء تمامًا. حين أقرأ ما كتبت، أسأل: ألا يبدو في هذا مبالغة يا مشاعل؟ قد يكون كذلك. لكن على الأقل، أنا أكتب ما أعيشه وأشعر به، أكتب صدق شعوري وأنقل أفكاري كلٌ كما هو. ولا مانع لدي إن بدا في ذلك مبالغة طالما أنه واقعًا قائمًا ولو للحظة واحدة.
مررت بما هو أشد وأصعب أضعافًا كثيرة مما لا يبقي مجالًا للمقارنة. ولطالما كانت الكتابة طريقة للتجاوز، لذا ستبقى كذلك. وليقرأ من يقرأ أو يقرأ من لا يقرأ أو لا يقرأ من يقرأ الأمر سيان.
ولأن مريم قالت: الكتابة تحتاج شجاعة؛ فأنت ستواجه نفسك أولاً وهذا أمرٌ ليس بالهيّن. ثم ستواجه الناس وهو أمر لا أعرف كيف أصفه.

ثلاث سنوات

الذكرى السنوية الثالثة للمدونة، أي ثلاث سنوات مضت على أجمل قراراتي، وبهذه المناسبة لابد من كتابة شيء ما. لمدة أسبوعين وأنا أعيش تلك الحالة التي تتردد فيها تدوينات طويلة لكنها لا تتجاوز كونها طيف أفكار يرافقني طوال الوقت.

في الحقيقة، لا أتذكر أني سبق وقضيت أسبوعين وأنا منشغلة بشكل متواصل كما يحدث معي الآن. لطالما تزاحمت المهام من جميع الجهات لكن ليست كهذه المرة. دون مبالغة، أكون منشغلة منذ استيقاظي وحتى موعد نومي. حالة ركض مستمرة، بين حصص أغلبها متتالية إلى حضور محاضرات ثم إكمال القائمة بمهام البيت. رأسي في حالة تأهب وتخطيط وتقديم وتأجيل وبحث عن حلول بديلة ..إلخ. بالإضافة لمراعاة الكثير والرد على المحادثات المهمة أو حتى غير المهمة في الأوقات الضائعة بين الانتقال من مهمة لأخرى. ما زلت أشعر بذنب التأخر الناتج عن غيابي عند إصابتي بكورونا على الرغم من أنه طفيف وحتى بعدما تجاوزته، جدولي منذ عدت وهو خمس حصص يوميًا! وأول المتضررين صوتي. حتى الآن لم يعد لطبيعته، مبحوح مجروح متألم مسكين ومرهق طوال الوقت.

أعيش فوضى بسبب اختلاف الفصول الدراسية بين الجامعة والمدرسة، إذ أننا في بداية الفصل الثاني في الجامعة لكن في نهاية الفصل الثاني في المدرسة! وهذا يعني اختلاف الشعور تجاه كل منهما. أحدهما نهاية والآخر بداية، هنا لابد من الركض وهناك لا مشكلة في المشي! لا أعرف نحن في أي أسبوع؟ في المدرسة الأسبوع العاشر من أصل ثلاثة عشر أسبوعًا وفي الجامعة نحن في الأسبوع الخامس من أصل أربعة عشر أسبوعًا؟ لا أعلم وهنا لا أبالغ عندما أقول لا أعلم. في الحقيقة، معظم الوقت أنا لا أعلم عن تفاصل كثيرة وهذا أمر غريب على مشاعل لكن لا بأس ولن أحاول إدراك كل شيء. دع الأمور تسير كيفما اتفق.

لا وقت للقراءة أو المشاهدة أو المشي، لكن الحسنة الوحيدة هي التزامي بالكتابة التفصيلية في دفتر يومياتي. أكتب بالكثافة والطريقة التي أحب، تفاصيل ومواقف ومشاعر وأفكار وحوارات وتفكير بصوت مرتفع، أقنع نفسي وأحلل ما يحتاج إلى تمييز وتفنيد والكثير مما يحدث في أيامي. أكتب كثيرًا جدًا وهذا الأمر يعيد لي بعضًا من جمال شعوري خلال اليوم.

نظرة عامة: أفقد رغبة التواصل والمشاركة، أميل للانكماش والابتعاد. في الواقع يصعب الانزواء لكن الرغبة امتدت هذه المرة لتشمل التطبيقات، وأرى هذا جيدًا. مؤخرًا، اختلف تواجدي، مستمرة في حسابي الخاص في انستقرام والذي لا يتابعني ولا أتابع به أحد وامتد الأمر نفسه في تويتر مع حساب مغلق. زاهدة في كثير من الأشياء ولا رغبة لي بالتشبث سوى بالأساسيات فقط وأميل للتخفف وإفلات يدي مما قد يتطلب تركيزًا إضافيًا، على الأقل في الفترة الحالية. كل شيء يمكنه الانتظار، لا داع للركض. علينا الاستغراق والغرق والغوص وربما الاستغناء.

قلت لنفسي في لحظة: كل ما يتطلبه الأمر منا، العودة للوراء قليلًا ثم أخذ نظرة بانورامية ندرك من خلالها حقيقة ما كان. تلك الحقيقة والتي غُيّبت لسبب ما. يمكننا الآن الفهم بوضوح واتزان نفسي يسمح لنا بمواجهة كل ما كنا نهرب منه، استيعابه وبتالي تجاوزه بيسر وسهولة.

وصلتني الرسالة التالية من الجامعة، أسعدتني وجعلتني أبتسم:

كعادتي أجدني في الدعاء، لدي ما أدعو الله به في كل وقت وحين، مع كل حركة والتفاتة وانتقالة، وسط شرحي وأنا أقود السيارة، في الانتظار أو في المحاضرات. لا شيء كشعور الإلحاح بالدعاء لله وحده مع يقين تام ورضا بكل أشكال الاستجابة كيفما كانت.

كل ما أتمناه الآن، مزيدًا من الوقت -لا أعرف كيف- والنوم والهدوء.