في مهب الريح، كنت.

عودة قليلة للوراء، نعم إلى السنة الدراسية الماضية وبدايتها إذ كانت العودة الأكثر صعوبة بالنسبة لي، خصوصًا في أولها حيث تقاطعات متعددة في آن واحد ويلزمني مواجهة كل هذا وحدي. لماذا أتخذ من بداية السنة الدراسية علامة مرجعية في سجلات الوقت؟ أتذكر هذا الاقتباس: وأخبرت كل من يهمه الأمر بأنني سوف أسافر لمدة فصل دراسي كامل (لا يفكر أساتذة التعليم وفقًا للشهور، فالفصل الدراسي هو وحدتنا الزمنية.) #جغرافيا_الوقت

وخلال عام منذ تلك العودة حتى الآن -أكتب هذه التدوينة بعد نهاية الأسبوع السابع من العام الدراسي الحالي- تذبذبت كثيرًا من أجل الوقوف ثابتة مرة أخرى، وأرخيت على غير العادة يدي من كل شيء تقريبًا، فقدت رغبة التشبث وصرت لا مبالية أمام الكثير مما يعبرني، كنت أستيقظ وأنا أدفع نفسي دفعًا للقاء أيامي، وأكتب في دفاتر يومياتي كل حيرتي وأسئلتي وقوائم التذكيرات وأخرى للتنبيهات وواحدة إضافية للمحظورات وأخيرة لما أرغب في فعله دون تنفيذ يذكر، لم يكن وقوفي هذه المرة بالذات سهلًا أو سريعًا. جاهدت جهادًا قاسيًا وعلى جبهات عدة، ما كان مختلفًا هو أني ولأول مرة استسلم إلى هذا الحد! كنت كمن أرخى كتفيه يائسًا بائسًا مشكلّة كتلة مركزة من الإحباط. لم يكن هذا حالي طوال الوقت، لا على الإطلاق…لكن في مرات عدة خلتني هكذا. وسمحت لنفسي بعيش كل لحظة إلى أقصاها رغبة مني في التخفيف من التراكمات وما يليها من مواجهات.. كنت بلا مبالغة أردد: معليش يا مشاعل عادي مو شرط كل شي يكون بأحسن صورته الآن، فيه أولويات.. اوكي عدّي مشّي…. وما يعد فارقًا هنا، أن كل ما أعنيه هو شيء داخلي، لا يرى بالعين المجردة لكن كنت أغرق في وحله كل ثانية، وهذا ما يزيد الانتشال صعوبة!

لم أكن لأصل إلى ما عليه الآن لولا فضل الله سبحانه قبل أي سبب آخر، أدرك تمام الإدراك ومن قبل مؤمنة أن ما كتبه الله لي من كل ما كان لحكمة يعلمها وحده لكن في باطنها الخير لي كامنًا، محدودية تفكيرنا وقدرتنا البشرية قد لا تستوعب ذلك في أحيان عدة، إيماننا وسعينا الدؤوب للوصول إلى أفضل نسخة منّا وإن كانت بعد سقوط متكرر، وحدها لا تذهب هباءً منثورًا.

توقفت عن الكتابة هنا متعمدة وغير متعمدة، لم أرغب بتوثيق كثيف -هنا- لكل تخبطاتي ومحاولاتي للوقوف من جديد، أردت العودة وأنا مشاعل بنسختها الجديدة (المعدّلة والمزيدة). مشاعل التي تنغمس في تفاصيل يومية صغيرة لكنها مفضلة، هذه المتعة الصغيرة والتي يمكنني وصف أن أيامي قائمة عليها، فقدتها. لم أكن أتذوق المتعة في أي شيء حتى مما أفضّله، والعقل هنا ومحاولات التعقل قد تبدو سخافة.. لكن ما الذي يجدر بنا فعله؟

تركت الأمور تسير وفقًا لما تريده في معظم الأحيان= فوضى عارمة. ساءت في جهة وتحسنت في أخرى، كان كل شيء يبدو سطحيًا ظاهريًا لا أعيش أي لحظة بشعور صادق وعميق كما يجب، وهذا أسوأ ما يحدث لي أنا التي أغرق في تفاصيل لحظاتي، كنت أمثّل في مواقف كثيرة، رغبة مني لكيلا أفقد خط الرجعة تمامًا، بهذه الحيلة قاومت بعض الأحيان، إلى أن عدت قليلًا وبالتدرج وبلا شك تضمن ذلك الكثير من الانتكاسات، لكن المهم هو علمك التام بأن هذه انتكاسة مؤقتة وليس تصفيرة للعداد. كان تقدمًا بطيئًا جدًا يتبعه توقف لفترات طويلة، مع صوتي الداخلي للتذكير والمواساة أو الإحباط في بعض الأحيان.

تحسنت الأمور أخيرًا بفضل الله، ولعل أبرز مؤشر هو قدرتي على الالتزام بروتين – تدوينتي السابقة خير دليل- ثم التركيز على الأهم والمهم فقط، هذا ما قد يبدو بديهيًا لكن للأسف المشتتات كانت تفوز بالاهتمام مقابل الأولويات (محاولات هروب) لأن لا حيلة لتحمل أي شيء. عدت للقراءة المنتظمة، متابعة حفظي، ضبط كلًا من سعراتي الحرارية وساعات نومي وتناولي للقهوة وعدد خطواتي وشربي للماء ومؤخرًا إغلاق دوائر ساعتي، أخيرًا للترجمة وها أنا أعود للكتابة، وتصوير مشاهد الشروق والغروب المفضلة والتي توقفت عنها كثيرًا. ومن قبل، الوعي بما يستحق الالتفات إليه وما لا أكرمه بطرف عين، ما يأخذ من وقتي وما لا أعطيه فضلة ثواني! إدراك قيمة الأشخاص والأشياء والدروب والخيارات من حولي، لهذا والله أثر عظيم في قلبي وهذا ما كنت أفقده. وبينهما كثير، لكن لا حاجة للكتابة عنه -هنا-

الآن والآن فقط، يمكنني قول أني استعدت النسخة المفضلة والأفضل من مشاعل. ألا يستحق هذا الاحتفال؟

الحمدلله.

رأي واحد حول “في مهب الريح، كنت.

  1. اعتقد اننا نستحق اكثر من احتفال يا مشاعل .
    و جدت شيئا مشتركا بيننا نحن الاثنان و هو محاربة كل الظروف و محاولة استرجاع تلك الشخصية الخاصة بنا و ربما الافضل منها و انا اعمل على الامر كثيرا منذ فترات و ها انا اسير في طريق مبتغاي ايضا …. اتمنى لكي اياما سعيدة و التوفيق ان شاء الله

    إعجاب

اترك رداً على LOGIRYA BLOG إلغاء الرد