تجي معايا؟

عندما يكون هناك هدف مرجو من وراء مشاركة اللحظات، أي هدف على اتساع تنوعها، حينها تبدو المشاركة منطقية، أن نستقطع جزءًا من أوقاتنا لعيون المتعة مثلًا! لكن في الجهة الأخرى، ماذا عن مشاركة وقت أو طعم أو رحلة لمجرد المشاركة؟ أو أن التواجد مع شخص بعينه له تأثيره المغري بصرف النظر عن المأمول من هذا التواجد وهذه المشاركة.

نذهب سويًا لمغسلة السيارة، لشراء احتياجات يومية بسيطة، أو الاكتفاء بالجلوس إلى طاولة في مقهى وكل مشغول بعمله، والصمت يغلفنا إلا من كلمات بسيطة، أخذ لفة في السيارة دون وجهة، الكثير والكثير من اللحظات التي تبدو في ظاهرها خالية من أي (متعة) لكنها الأفضل، بل هي الأقرب.

اعتدت على هذا النوع من المشاركة منذ طفولتي المبكرة، كنت الطفلة التي ترافق جميع أفراد العائلة كل واحد منهم وفق نمط مشاويره، ذهبت إلى سوق الجمعة مبكرًا بعد الفجر، وإلى ورشة لتصيح السيارات، إلى السوق دون هدف سوى أن أحدهم قال: تروحي معايا؟ إلى المسجد (قسم الرجال) نعم دخلت المسجد لكنه مشهد ضبابي في رأسي لصغري حينها، البنقلة ومغسلة الملابس ومراكز التسوق والأماكن الجديدة التي يقودنا الفضول لاستكشافها، وخياط رجالي والذكرى المرتبطة هنا أني ذهبت مع جدي لوالدتي رحمه الله لتفصيل ثوب لخالي الذي يكبرني بعامين، وبعد الانتهاء من أخذ القياسات وأراد جدي المغادرة، نعم؟ حان دوري! حاول جدي إقناعي بأن هذا للرجال فقط لكن صغر عمري حال دون فهمي إذ كنت حينها صغيرة جدًا قبل عمر الروضة أو أن الغيرة رفضت الاقتناع ليش خالي وأنا لا؟ وصل الأمر للبكاء هنا قال جدي للخياط: خلاص خيّط لها ثوب، وهذا ما كان بالفعل، لم أتوقف عن البكاء إلا بعد شروعه في أخذ القياسات، وفعلًا حصلت على ثوب كان وما زال سيرة لا تنسى ولا يفوت ذكرها في أي سياق ملائم،. نعود للقائمة: عيادات طبية وفجأة أتحول إلى مرافق، الأسواق الشعبية مثل باب مكة وباب شريف والخاسكية هنا تنحصر الرفقة مع جدتي، انت لا تكتفي بالرفقة بل بتعدى الأمر إلى المشاورة في بعض القرارات، حقيقة لا يمكنني حصر الأماكن التي ذهبت إليها لا لشيء سوى أني مرافق ولا الشعور أو الذكريات المرتبطة بها. لدي ذكريات غزيرة من هذا النوع مع جميع أفراد عائلتي، وما زلت أعيش مثل هذه اللحظات وما زالت تحافظ على سحرها الخاص. طفولتي كثيفة جدًا بهذا النوع من الذكريات إلى حد أعجز معه الإمساك بأكثرها.

أتذكر ذات مرة أردت شراء أقلام تحديد القراءة، مشوار بسيط وصغير إلى أقرب مكتبة، لكن سألت زينب تروحي معايا؟ وفعلًا التقينا من أجل شراء هذه الأقلام فقط! ولكن صادف حدوث أمر في المكتبة حوّل هذه الدقائق إلى ذكرى مضحكة جدًا. بمثل هذا النوع من المشاركة تتكون أغلب المواقف واللحظات التي تبقى معنا وقودًا وذكريات متجددة لباقي الأيام. أنا وزينب بالذات لدينا قائمة ليست قصيرة من هذه اللحظات باختلاف دوافعها وشعورنا وما رافقها.

لا يمكنني بحال وصف حبي لعفوية هذه المشاركات، إلا أن المسؤوليات والالتزامات تحد بعض الشيء منها لأننا بالطبع لم نعد متاحين ونملك أوقاتنا كما كنا. ولا أخفي استغرابي من رفض بعضهم مثل هذا النوع من الخرجات! ولكن كل على هواه وما تعود كما أنها فن لا يجيده الكثير، لأن مثل هذه المشاركة تتطلب بالضرورة مرونة عالية تناسب عفوية وفجائية التغيرات التي يمكن أن تُخترع بحينها وتقبل احتمالية تدني جودة الموجود من كل/ أي شيء.

إن كنت في يوم ما سأقدم نصيحة لأي علاقة كانت، حتمًا ستكون تزودوا قدر استطاعتكم بهذا النوع من الأوقات.

آخر خرجة دون وجهة ولا هدف.

مينيوم

اعتادت في كل مرة بعد ابتسامة واسعة تصحح لها: منيو بدون الميم، مو منيوم. تضحك ثم ترد عليها: أنا ما قلت منيوم بس انت تسمعيها كذا!

يتكرر هذا المشهد القصير في كل مرة يكونا فيها مع بعضهما ولمحاولاتهما الدائمة لاكتشاف أماكن جديدة ولذيذة! يعني (يتكرر) كثيرًا ومع تكراره تبقى الابتسامة حاضرة وبقوة. هاه ايش قلتي هذي المرة؟ ءءا منيو منيو.

اليوم فتحتْ هاتفها لتساعدها في الوصول إلى حساب على انستقرام وجدت في محرك البحث: مينيوم حلويات سمر. هااااا بالجرم المشهود! والابتسامة تحولت إلى ضحكة، بل ضحكات متواصلة.

البينة 😂❤️

ومن هنا تستحق أن تبدل كل الأبجديات لأجلها، وماذا يعني إضافة حرف إلى كلمة قديمة؟ منيو… منيوم حتى أنها هكذا تبدو أجمل! تبدو كلمة كاملة، الميم يغلقها بخلاف الواو يتركها تتأرجح.

المسار الثاني من اليسار

المشي هو طريقتي الموازية للكتابة والتي لطالما اعتمدتها لحلّ أي عقدة في رأسي، وأفضّل منه ما كان بجوار البحر، ثم من فترة طويلة أضيفت مشاوير السيارة تلك التي تكون دون وجهة محددة وعادة ما يكون لطريق الملك عبدالعزيز النصيب الأكبر منها، وكأني بهذا أقصد قطع مسافات أبدد بها ما يشغلني.

أضيف إلى روتين بعض أيامي -مؤخرًا- ما يقارب ساعتين من قيادة السيارة بما يمكنني تصنيفه طريق سفر وإن كان قصيرًا في حسابات ما يعد سفرًا. لكن ساعتين تُقضى في مواجهة طريق ليست بالأمر الهيّن على الأقل لمن اتخذ كما قلت قبل قليل من قطع المسافات أسلوبًا للتفكير، كما أنها تلوّح لي من بعيد أمام محاولات السهر، تهمس لي: مشاعل، في اليوم التالي ينتظرك طريق، هل سهرك الآن مهم؟😏

طريق خماسي المسارات، اخترت منها بعد دراسة مستفيضة لسلوك قائدي السيارات، المسار الثاني من اليسار وذلك لأن الأول يرفع لدي هرمون الأدرينالين بطريقة سلبية وأنا أخشى من تأثير عادات الظل، التي نعتادها أو تعتادنا دون حرص منّا ولا ترحمنا في إثبات أثرها سواء على مزاجنا، نفسيتنا أو أي شيء آخر. المسار الثاني بالنسبة لي مثاليًا، يمكنني القيادة فيه بالسرعة القصوى المسموح بها دون اضطراري لمواجهة من (يكشح لي) ليكمل طيرانه، أما الثالث تبدأ فيه السرعة تقل عن القصوى مما قد يرفع ضغطك قليلًا، بالنسبة للرابع والخامس (أي أقصى اليمين) فلا حاجة للتعليق.

بعد الوصول للمسار الأمثل ها قد حان وقت العودة لهواجيس الطريق، لا، لحظة! قبلها كانت وما زالت تقطعني تأملات الطريق وبالأخص تكوين الجبال، أنا بطبعي متأملة أحب تفحّص الأشياء من حولي ومع الاختلاف الجذري بين تكوين جدة ببحرها وطرقها التي يمكنني وصفها الآن بالمسطحة مقارنة بما أعبر خلاله من جبال شاهقة، هو بالأحرى مدعاة لإطلاق النظر لولا الانتباه للطريق. كيف لمدينة أن تبنى بين الجبال هكذا؟ أحياء كاملة وبيوت وشوارع -الوضع عاادي وهم كذا بين الجبال- والله إنه لأمر عجيب! أطالع مشدوهة يمينًا ويسارًا وكأني لأول مرة أرى جبالًا.. لكنها حقًا تدفعك دفعًا لتفحصها، تزداد الحالة في المساء لأنها تتحول إلى ظلال بأشكال حادة ومن زواية نظرك دائمًا تبدو لا نهائية 🫨 ما زلت أعيش دهشتي وحيرتي وشهقاتي أمام وجود جبال وسط مدينة أو مدينة وسط جبال، وسأرى إلى متى تبقى؟ هل يمكن أن أعتاد على منظرها ويقف سيل التصوير والتوقف وإطالة النظر؟

تجسيدًا لدهشتي من وجود الجبال بهذه الكثافة في المشهد اليومي لمدينة.

والآن أعود إلى هواجيس الطريق، لكثرتها كدت أن أضيف تصنيفًا هنا في المدونة أوثقها من خلاله لولا خصوصيتها، فكيف الحال وأنا أمام ساعتين منها؟ في البداية انتهيت من كل المتراكم من الأسئلة الوجودية والمهنية ومشاكل النوم وجداول الأنشطة وتوزيع الوقت كما يجب أن يكون، صفّرت العداد. وبدأت جولة الأفكار كل واحدة تقول: نحن هناااا! أولها ختم القرآن استماعًا من بداية سورة البقرة واستمرت الخطة حتى انتهيت من النساء، ثم عدت لما كنت عليه من اختيار السور الأثيرة إلى قلبي. حتى الآن لا أثر للبودكاست على الإطلاق.. تأخذني تأملات الآيات بعيدًا وبعض الأحيان أعيد السورة من البداية لأن صوت ضجيج رأسي كان مرتفعًا. الحضور الطاغي لهواجيس الكتابة، تأتيني أفكارًا لو أمسكت ببعضها وحولتها فعلًا لنص وواقع كما أضاءت في رأسي….أقول لو، ولو تفتح عمل الشيطان.

ظهرت من جديد كذلك عاداتي التي أظنها غريبة واحتفظ بها لنفسي، كأن اتخذ نقطة في الطريق أعطيها دور العامل الضابط في التجارب، بمجرد الوصول إليها افترض كم تبقى من طريقي وأقارن، هناك نقطة في طريق ذهابي عادة ما يتبقى لي عند وصولي إليها ٢٨ دقيقة وأخرى عند عودتي وعندها يتبقى لي ١٨ دقيقة. وأكثر ما أثار فضولي، وجود أرجوحة خضراء في وسط البر! ليس بجوارها ما يستدعي وجودها. وأشياء غريبة أو محيرة تجعل من وجهك هكذا 🤨 قد أكتب عنها لاحقًا.

على الهامش:
هذه التدوينة كتبتها في رأسي أثناء عودتي قبل قليل، لم تكن بشكلها الحالي -وهي في رأسي- وتفلّت منها الكثير لكن هذا ما استطعت الإمساك به.

في الظل

أجلس الآن إلى جهازي بعد يوم عمل شبه متعب، تشير الساعة إلى الثانية وسبع دقائق بعد النصف، كعادتي حين أمر بلحظات صمت في المدونة، يقابلها ضجيج في رأسي، اقتربت من الشهرين دون كتابة هنا، جرى خلالها الكثير والكثير مما يستحق الكتابة لكني وأخيرًا ضبطت إلى درجة متقدمة ما أشاركه في كل مكان بما في ذلك مكاني القصي. لست بحاجة لمزيد من الانكشاف والوضوح، ولمن يقرأ مدونتي يعلم أنها رغبة قديمة ومتكررة، وخلال الشهرين الماضية اقتصر معظم إن لم يكن كل تواجدي في التطبيقات على القراءة والكتب، هذا ما أريده بالضبط، تعمدت الابتعاد عن المدونة فترة قصيرة لضبط الأمر، حقيقة فقدت شغف المشاركة، كل شيء بدا دون معنى وهدف، عشت في المقابل لحظات خالصة، وثقت واحتفظت بها في جهازي أو في قصة سنابتشات بأقل عدد من المقربات.

أفقد معنى المشاركة لعدد كبير من الناس، أو حتى التعرض للكثير من اليوميات والتفاصيل لأناس لا نعني لبعضنا شيئًا. توثيق اللحظات واليوميات، الاحتفاظ بها ما زال فعل أثير، ما توقف هو مشاركة ذلك. انستجرام كذلك توقفت فيه عن نشر صور يومياتي واقتصرت بصور ما أقرأ من كتب، الحياة في الظل صارت هدفًا ومطمعًا أسعى إليه بكل جدية، وعلى ضوء ذلك ألغيت نشر عددًا من التغريدات تحمل في طياتها تفاصيلًا مما أردت التوقف عن مشاركتها.

الكتابة والترجمة والقراءة وربما بعض الخواطر والأفكار هي كل ما أرغب في إظهاره، ما عدى ذلك فـ لدفاتر يومياتي أو أقرب الأقرباء. وصلت إلى مرحلة تشبع من المشاركة أو حتى الاطلاع، وما هي إلا فكرة مؤجلة وصلت لها بعد الكثير من التدرج والتراجع، والكلام في شأنها يطول، ولدعم استمراري سأكمل قراءة ما اخترته من كتب تغطي جوانب مختلفة متعلقة بالموضوع.

2023

2023 في دفاتر يومياتها كاملة.

بدأت قبل يومين عادتي نهاية كل عام، قراءة يومياته كاملة. تفاجأت من أني كتبت يوميات ٢٠٢٣ في ثلاث دفاتر وأنا كنت أعتقد بأنها اثنين. ثم أخذت بإرسال فقرات من كتبت عنهم، وكأني أقول لهم ها أنتم قد حظيتم بشرف الكتابة عنكم في يومياتي! هههه

لن أسهب في وصف سنتي وكيف كانت إلا من أمر واحد، ستبقى السنة التي أدركت فيها أمورًا جديدة عن مشاعل وهذا نتيجة دخولي لمنطقة جديدة كليًا، وهنا لا مجازًا ولا تصفيف كلمات، إنما فعلًا اكتشفت جوانب جديدة، كان أثرها ممتد ومتعدي، شمل الإيمان الصادق بالقضاء والقدر، وتهذيب الذات، وأمور عدة ليست بالسهلة أو البسيطة، وإن كانت في حينها مزعجة لي أنا سواء لسببها أو لفعلها، إلا أنها لن تبقى كذلك وتنتقل من الشعور المزعج السلبي المرافق لها إلى حقيقة كونها أمر وقع وانتهى، المهم الآن بماذا أخرج من كل ما كان؟ هناك حيثيات كثيرة لذا وجب التجاوز مع أخذ ما يستفاد. طريق قصير مشيت فيه ببطء وانتهيت منه بنسخة جديدة من مشاعل.. لكل قدر حكمة فالحمدلله على أقداره وعلى لطفه الخفي وعلى حكمته، الحمدلله دائمًا وأبدًا. كما قلت لن أسهب، ولكن خرجت بالكثير عني وعن أفكاري وقراراتي وقناعاتي، خرجت بما يفوق التجربة في طولها وكيفها. كما وللأبد أحب أثر مرور الوقت، مرور الوقت وحده ويالحجم التغير الهادئ البطيء المرافق، كيف لثورة بركان تبرد وتجمد.. وهذا معنى كثيرًا ما استحضره بأشكال وحالات مختلفة.

الجدير بالذكر أني ولسنوات كثيرة اعتدت أن تتزامن بداية دفاتر يومياتي مع بداية السنة في التقويم الهجري، ولكن استخدامي لمنظمات تعتمد على التقويم الميلادي -ولتنظيم رأسي- وحدت البدايات على أن تكون مع السنة الميلادية، وهذه السنة لا أنوي استخدام أي منظم، وأقصد ذلك الذي أطلبه سنويًا من اليابان منذ ست سنوات، نكتفي بهذا القدر ويكون دفتر يومياتي وحيدًا شاملًا لكل شيء… هذا إدراك لحظي.

هي سارّة

قديمًا، منذ سنوات طويلة شاهدت فيلمًا وكان هناك شيخ كبير له صديق صغير، يعلمه الحياة ويتعلم منه ربما معنى الحياة! حين شاهدته أعجبتني الفكرة وتمنيت لو أن هناك طفلة صغيرة أجرب معها نفس هذا الدور وهو غريب لحد ما، إذ لا قرابة واضحة تستدعي التقاء ذلك الشيخ بالطفل. ثم شاء الله سبحانه وصارت لي رفيقة درب من وإلى المدرسة، نلتقي صباحًا وفي الظهيرة، نتبادل التحايا والأحاديث وهواجيس الطريق، طفلة ذكية في صفها الأول الابتدائي. حتى مع قصر المسافة الزمنية المقضية بيننا، إلا أن اختلاق الأحاديث والضحكات وشمس الظهيرة تجمعنا، وبيننا بضع وعود صغيرة.

أذهب أنا إلى قسم الثانوي، أنظر إليها وهي في طريقها إلى قسم الابتدائي وبالتحديد الصفوف الأولية. وقد تدرجنا حتى وصلنا إلى هذه المرحلة، استغرقنا فصلًا دراسيًا كاملًا! معها غيرت بوابة دخولي إلى المدرسة لتكون الأقرب إلى قسمها والأبعد عن قسمي، غيرت بوابة الدخول بعد سنوات من ثباتها لأجد سيارتي في الظهيرة قبالة الشمس فتتحول إلى كهف ساخن حين خروجنا، لم يقتصر الأمر على ذلك، كنت أوصلها بنفسي إلى بوابة قسمها وفي الظهيرة ولفارق ربع ساعة تسبقني بانتهاء دوامها أذهب وآخذها إلى مكتبي حتى وقت خروجي. ثم انتقلنا إلى معرفة أقسام المدرسة، هنا وهناك انظري إلى حرف الثاء؟ هذا يعني ثانوي وهنا ب؟ ابتدائي، أنت من هنا وأنا من هناك، ثم تطور الأمر وكونت صديقتي (الطفلة😂) صداقات مع كل من في غرفتي معلمات المتوسط والثانوي! وصارت تعلم بالضبط متى تغادر قسمها مزهوة إلى مكتبي، تستقبلها التحايا يوميًا، لم يقف الأمر إلى هنا، تعرف أيضًا أماكن تواجدي إن لم أكن في الغرفة. وذات يوم تفاجأت بها دعت صديقتها لترى أبلة مشاعل وهي جالسة في مكتبها 🤓 أين المشكلة؟ أهل صديقتها ينتظرونها بالخارج بينما هنا يدار تعارف جديد هههههه. بالمناسبة، بدأنا في تعلم بوابات المدرسة وهي ثلاث، وصعبة على طفلة لكن أتيتها بحيلة، غيرت مكان توقفي -مرة أخرى-، ثم أسألها ظهرًا، وين وقفنا اليوم؟ من هنا علمتها ثم صرت أسألها فتأخذ ثوان للتذكر. طفلة في صفها الأول تتعلم شرقية وغربية وشمالية ثم هي نفسها كل بوابة تحمل اسمين، جهة ورقم فتستدرك: بوابة ١! نعم ما زلنا عند تعلم البوابة الأولى.

تعلمت مني: have a nice day! لأني أقولها يوميًا وهي تغادر إلى قسمها وفي يوم وهي نازلة إلى منزلها قالتها بسرعة.. ثم نظرت إلي قائلة: قلتها قبلك ☺️

لاحظنا من طول انتظارنا إشارة معطوبة متدلية ونسجنا خيالات، قالت لي: يمكن تطيح فوق سيارتنا؟ / لا احنا ما نمشي من تحتها شوفي احنا نروح يسار/ اممم صح كلامك، راقبناها إلى أن أصلحوها فسألتها: طالعي ايش اللي تغير؟ هاه لاحظي كويس! صرخت: صللللحو الإشارة. في ذات الإشارة نراقب السحاب عندما يكون الطقس غائمًا، أطلب منها: شوفي السحاب تمشي / كيف عرفتي؟ / طيب انا اقولك طالعي في طرف عمود النور وشوفيها من ورا وهي تمشي او طالعي طرف المبنى هذاك وشوفيها.. وبعد ثواني من التأمل: والله صح تمشي!

عرفتُ قوائم تشغيلها المفضلة، وخططها لنهاية الأسبوع، وخمولها يوم الأحد، وتميزها وأدبها، سألتني: ايش تسجعي؟ الهلال ولا الاتحاد؟ طلبت منها إعادة السؤال للتأكد من تسجعي؟… أجبتها: صراحة ما أسجع ولا فريق!

أطلعتني على مكان جلوسها في الفصل، ومن هم صديقاتها، ورقمها التسلسلي، صارت تعرف كما قلت متى تغادر قسمها وطريق وصولها إليّ، وأي الكراسي تحركه لتجلس إما بجواري أو أمام مكتبي. أسألها كل يوم: كيف كان يومك؟ وصارت تعرف كيف تجيب، تصف لي يومها منذ أن تركتها للحظتنا، وهي تحسب الفسحة (حصة الفسحة) وعندما لا تكون في مزاج جيد تختصر الإجابة، فـ أُطيلها بسؤال: من من صديقاتك سعادتك اليوم؟ / ساعدتني في ايش؟ / اممم في حل أوراق العمل؟/ احنا كل وحدة لها ورقة لوحدها -_-

هناك أيام وهي قليلة يكون الصمت سيد الموقف، صباحًا أو في العودة، إما لنعاس يكاد يأكلنا أو لمزاج مرهق! لكن وجودها غير من روتين صباحي، وصرت أصل مبكرة لا لبصمتي وإنما لوقت الحصة الأولى، لا أريد أن تفوتها أي فقرة صباحية إن وجدت.

أحب الأطفال، ومن يعرفني يعلم ذلك، أحب قضاء وقت معهم وإن قصر، ومحادثتهم ومشاركتهم وتعليمهم وكل ما اتصل بهم، هي سارة وسارّة فعلًا، كثيرًا ما ابتسم أو أضحك بسببها، سعيدة بها.

ملاحظة:

أثناء كتابتي قفز إلى رأسي الكثير من الحوارات التي كانت بيننا، لكن آثرت الاحتفاظ بها، أفكر في كتابتها بدفتر يومياتي، لكونها عفوية لحظية ولطيفة.

هرج

-١-

في كل مرة أدفع فيها اشتراك مدونتي، وهذا ثابت في ديسمبر من كل سنة، يتجدد معه شعوري بالحب الكبير لمكاني القصي وتزداد شهيتي للكتابة وتتدفق الأفكار التي عادة ما تتفجر أثناء قيادتي للسيارة.

-٢-

اليوم مثلًا، أدركت وهذا ليس للمرة الأولى، أن هناك من وإن حسنت علاقتنا معهم لكنهم محدودين في أيامنا، أي أن جل ما يجمعنا بهم أمور على مقياس الحياة الحقيقي ما هو إلا قشور، ضحك وقضاء وقت، أنا وهم ما زلنا وسنبقى واقفين في دوائرنا الخارجية البعيدة، ولا مشكلة في ذلك على الإطلاق، المهم هو إنزال الناس منازلهم، أن نعرف حجم المساحة التي يشغلها كل فرد ومدى تأثيره علينا وهذا والله أمر حسن ويختصر الكثير.

-٣-

مهما خرجت والتقيت وتحدثت وسمعت وفعلت ما بدى لي، لا أجدني إلا أمام دفتري أكتب وأرتب أفكاري، وكلما تناقشت وخضت في أمور مهمة أعود وأنكب إلى كتابة كثيفة أكمل بها مشهد يومي، ولعظيم دور وأثر الكتابة عليّ دائمًا أتخيل، ماذا لو لم يكن هناك فعل (الكتابة)؟

صخب صامت

رفقة الوقت.

نهاية أسبوعي هذه المرة جائت بعد فترة إرهاق شديدة اللهجة، وانعكس ذلك على نومي ومزاجي وجسدي ولحظات الفراغ، كنت بحاجة إلى قضاء أوقات بأقل عدد من الكلمات والبشر قدر المستطاع، اخترت كتاب (الصمت في عصر الصخب) رفيقًا لي في يومي العطلة، لم أعلم بأني سأحدد فيه كثيرًا وأكتب أكثر، يبدو حقًا وفقت في اختياره، مناسب لكل شيء في الفترة الحالية.

في الحقيقة، أود الكتابة كثيرًا وهذا ما فعلته بالأمس في دفتر يومياتي بعد صمت وانشغال ممتدين منذ شهر، كتبت حتى هدأت، بالأمس لاحظت فرق حالي عند النهاية عنه في البداية وهذا ملاحظ في مرات مشابهة، استغرقت الكتابة ما يقارب ساعة كاملة. مثل هذه الكتابة والتي عادة ما تكون بعد انقطاع واحتدام تأتي كضرورة واحتياج.

أكتب الآن وأنا جالسة إلى طاولة مفضلة في مقهى مفضل، يبعد عن بيتنا قرابة العشر دقائق، كنت أريد الذهاب لآخر لكنه بعيد وأنا في حال لا يسمح بأي شكل من أشكال (الكثير) سواء كان مسافة أو وقت أو أي شيء من كل شيء!

هذا المقهى إضافة لقربه يكاد يكون ممتاز في كل ما يقدمه (الساخن) وله إطلالة بنوافذ زجاجية واسعة جدًا، مما يتيح لي تأمل شوارع جدة فأهيم في حبها أكثر وأكثر. هل يعقل لقلب أن يعشق مدينة إلى هذا الحد؟ جدة بالطبع تستحق وبجدارة 💙🌊

كان هادئاً وبمعنى آخر لا صوت فيه ثم وفجأة بدأوا بتشغيل أغاني، لم يكتفوا مثلًا بموسيقى على أقل تقدير! وهنا تذكرت ما قرأته في كتابي قبل دقائق من خروجي إلى هنا: كل مشكلات الإنسانية تنجم من عجز الإنسان عن الجلوس صامتًا في غرفة بمفرده. نعم لم كل هذا؟

قرأت تغريدة تسأل عن أهم الدروس التي خرجت بها من ٢٠٢٣، بالنسبة لي، لم يكن درسًا بقدر ما هو تأكيد صريح وواضح، ربما سأقول بأني سعيدة أني خرجت بأقل الأضرار الممكنة مع عبرة قوية ودائمة.

انقضى الفصل الدراسي الأول وأنا في قسم الثانوي مع الصف الثاني ثانوي ومقرر الهندسة، وبدأ الثاني مع الصف الأول الثانوي ومقرر الفيزياء١، مر كل هذا وأنا لم أكتب!

أجمل ما يمكن أن يهديه الإنسان لنفسه، رفقة طيبة له مع ذاته، إذا ما أحسنها.. كل ما عدا ذلك سهل وجميل.

ثرثرة

في هذه اللحظة من يومي، أشعر وكأن زحامًا أو احتدامًا أو حشودًا تسكنني، مضت أسابيع منذ آخر مرة كتبت فيها يومياتي وأقصد هنا الكتابة في دفتر يومياتي على وجه الخصوص وهو المكان الأهم. كتبت خلال ما مضى بعضًا من صباحاتي -في الدفتر-، إذ اعتدت على تضخم رغبتي في التدوين صباحًا وخاصة بينما أجلس إلى فوضى مكتبي، إلا أني لم أكتب أيًا مما يدرج تحت أفكار أو هواجيس أو أسئلة أو تحديثات أيامي، وكعادتي مع لحظات الصمت الكتابي هذه، لا تتوقف أفكار تقفز في رأسي تحت عنوان: نقطة مهمة للكتابة عنها.

هذا الصمت بالنسبة لي مزعج، تزامن معه قرار توقفي عن كتابة رسائل طويلة ويبدو هذه المرة إن لم يكن قرارًا نهائيًا فهو بالطبع طويل أمد فيما يخص تنفيذه، ومع هذا الحال دخلت في حالة صمت عميقة، لا يوميات ولا تدوينات ولا رسائل، فإن شيئًا لا يتسرب من رأسي! وتتراكم الحروف مع الكلمات والأفكار بجوار يومياتي منتظرة لحظة الفرج.

أود الكتابة عن أشياء كثيرة، عن حقيبتي والعمل في قسم جديد وزيادة سكوتي وأفكاري وكومة جيدة من الأسئلة واستنتاجاتي وتجاربي واكتشافاتي وامتناني وطالباتي وشعوري وهواجيس اللحظة وهذه وحدها تضم الكثير.. عن فهمي المتأخر بعض الشيء، وعن غضبي ولومي لذاتي والأهم أخيرًا تكامل الفهم إلى حد يسمح عنده بتجاوز كل ذرة غضب أو لوم أو حزن.

الآن 11:42م تتملكني رغبة في تحويل كل شيء إلى نص، ثم أفكر في قوة الصمت الظاهر هذه رغم كل ما يدور في الداخل هناك.

مخرج:

“ولكنني واصلت
‏وأنا مُتعب
‏واصلت
‏وأنا خائِف
‏واصلت
‏وأنا وحيد
‏واصلت
‏ولم يكُن لدّي من الرجاءات الكثير
‏سِوى أن لا أتعثر يومًا
‏في تعبٍ آخر، وخوفٍ آخر، ووِحدةٍ أُخرى”.

إنه الخميس مرة أخرى!

إنه الخميس، وهذه المرة جاء بعد طول غياب، ليس في حضوره إنما في حالي المرافق له، اليوم عدت إلى ما كنت عليه وما اعتدت أن يكون من نفسي وطبعي وفكري، عدت نفسيًا وذهنيًا ومشاعريًا إلى مشاعل التي ابتعدت عنها لفترة كنت خلالها لا أقف عن محاولات الرجوع. وأعني بالعودة والرجوع، أن أقضي أوقاتي بتلك الحال التي يغدو فيها ذهني خاليًا مما يعبره قسرًا! يظهر في كل وقت وحين، دون استئذان ولا يستجيب لطلبك منه بالمغادرة.

الأمر طبيعي جدًا، فالانتقالات السريعة المفاجئة كما كتبت هنا سابقًا تأخذ وقتها معي، وأنا أنتبه إليها وأسجل في يومياتي تفاصيل التحديثات القائمة. كتبت كثيرًا، وكنت في بادئ الأمر متقلبة حادة إلى ما يقترب من التضاد والنقيض، كنت أعيش كل حالة كما يجب، ومحاولات العيش مستمرة، خطان متوازيان أحدهما يسرق اللحظة والآخر يحاول عيشها بأفضل ما يكون أو ‏حققت المعنى الكامن في هذا السطر: ” طاف في دوائر لا تنتهي. أعطى نفسه أن تضيع.” درت وضعت كثيرًا، وأبدو لمن حولي أنا كما أنا لا اختلاف، في حين أني كنت أقطع شوطًا ثم ما ألبث أجدني محتدمة عند نقطة البداية من جديد!

الأربعة الأسابيع الأولى، كنت ظاهريًا على ما يرام، إنما السر كله في الداخل، أنا مع نفسي! كنت مثقلة، محبطة ويغلبني شعور الخيبة لأسباب تخصني، وأفكار في معظمها متضخمة والكثير من الحيرة والأسئلة المعلقة، فمغادرة المنطقة الخاصة أمر مرهق، لا يُتجاوز بسهولة وكأن شيئًا لم يكن، وهنا أتذكر ما مر بي ذات يوم وأنا أقرأ: “كنت أتركه ينتقل إلى المكان الثاني من اهتمامي.” هذا الانتقال يأتي حاملًا معه أثقاله، وكما قلت أيضًا أنا استغرق وقتًا أطول، لا أضغط على نفسي، أفرغ كل شيء حتى لا يبقى ما يضطرني المكوث لفترة أطول.

استغرقتني هذه العودة 11 أسبوعًا، لم ألاحظها اليوم فقط، تحسن الحال بما يرضيني منذ أسبوعين تقريبًا، لكن هذا الأسبوع كان من السهل ملاحظة العودة داخليًا، عودة شعوري وتفكيري وصوت حديثي ونوع الأفكار و و و. عدت مشاعل التي أعرفها، أضحك وأشاغب وأحارش من حولي هذه مقايسي، صحيح أن طبعي يميل للهدوء، لكن في الوقت ذاته أنا أشاغب (لفظيًا) عاد الهدوء دون شعور سلبي وقل الانفعال والاستغراق في الأمور دون أي مرافق قسري، لا مشتتات (داخلية)، رافق ذلك عودتي للأنشطة المفضلة.

وهنا أتذكر الاستئناف بشكله: “وأن أتابع دون انقطاع ما بدأته من تصعيد منذ ولادتي.” و “نحن ما نحمل في قلوبنا من فُتات الحنين، وما نخزنه في ذاكرتنا من جداول التجربة.”

بصوت مرتفع: إنه الخميس، وأي خميس!