هي سارّة

قديمًا، منذ سنوات طويلة شاهدت فيلمًا وكان هناك شيخ كبير له صديق صغير، يعلمه الحياة ويتعلم منه ربما معنى الحياة! حين شاهدته أعجبتني الفكرة وتمنيت لو أن هناك طفلة صغيرة أجرب معها نفس هذا الدور وهو غريب لحد ما، إذ لا قرابة واضحة تستدعي التقاء ذلك الشيخ بالطفل. ثم شاء الله سبحانه وصارت لي رفيقة درب من وإلى المدرسة، نلتقي صباحًا وفي الظهيرة، نتبادل التحايا والأحاديث وهواجيس الطريق، طفلة ذكية في صفها الأول الابتدائي. حتى مع قصر المسافة الزمنية المقضية بيننا، إلا أن اختلاق الأحاديث والضحكات وشمس الظهيرة تجمعنا، وبيننا بضع وعود صغيرة.

أذهب أنا إلى قسم الثانوي، أنظر إليها وهي في طريقها إلى قسم الابتدائي وبالتحديد الصفوف الأولية. وقد تدرجنا حتى وصلنا إلى هذه المرحلة، استغرقنا فصلًا دراسيًا كاملًا! معها غيرت بوابة دخولي إلى المدرسة لتكون الأقرب إلى قسمها والأبعد عن قسمي، غيرت بوابة الدخول بعد سنوات من ثباتها لأجد سيارتي في الظهيرة قبالة الشمس فتتحول إلى كهف ساخن حين خروجنا، لم يقتصر الأمر على ذلك، كنت أوصلها بنفسي إلى بوابة قسمها وفي الظهيرة ولفارق ربع ساعة تسبقني بانتهاء دوامها أذهب وآخذها إلى مكتبي حتى وقت خروجي. ثم انتقلنا إلى معرفة أقسام المدرسة، هنا وهناك انظري إلى حرف الثاء؟ هذا يعني ثانوي وهنا ب؟ ابتدائي، أنت من هنا وأنا من هناك، ثم تطور الأمر وكونت صديقتي (الطفلة😂) صداقات مع كل من في غرفتي معلمات المتوسط والثانوي! وصارت تعلم بالضبط متى تغادر قسمها مزهوة إلى مكتبي، تستقبلها التحايا يوميًا، لم يقف الأمر إلى هنا، تعرف أيضًا أماكن تواجدي إن لم أكن في الغرفة. وذات يوم تفاجأت بها دعت صديقتها لترى أبلة مشاعل وهي جالسة في مكتبها 🤓 أين المشكلة؟ أهل صديقتها ينتظرونها بالخارج بينما هنا يدار تعارف جديد هههههه. بالمناسبة، بدأنا في تعلم بوابات المدرسة وهي ثلاث، وصعبة على طفلة لكن أتيتها بحيلة، غيرت مكان توقفي -مرة أخرى-، ثم أسألها ظهرًا، وين وقفنا اليوم؟ من هنا علمتها ثم صرت أسألها فتأخذ ثوان للتذكر. طفلة في صفها الأول تتعلم شرقية وغربية وشمالية ثم هي نفسها كل بوابة تحمل اسمين، جهة ورقم فتستدرك: بوابة ١! نعم ما زلنا عند تعلم البوابة الأولى.

تعلمت مني: have a nice day! لأني أقولها يوميًا وهي تغادر إلى قسمها وفي يوم وهي نازلة إلى منزلها قالتها بسرعة.. ثم نظرت إلي قائلة: قلتها قبلك ☺️

لاحظنا من طول انتظارنا إشارة معطوبة متدلية ونسجنا خيالات، قالت لي: يمكن تطيح فوق سيارتنا؟ / لا احنا ما نمشي من تحتها شوفي احنا نروح يسار/ اممم صح كلامك، راقبناها إلى أن أصلحوها فسألتها: طالعي ايش اللي تغير؟ هاه لاحظي كويس! صرخت: صللللحو الإشارة. في ذات الإشارة نراقب السحاب عندما يكون الطقس غائمًا، أطلب منها: شوفي السحاب تمشي / كيف عرفتي؟ / طيب انا اقولك طالعي في طرف عمود النور وشوفيها من ورا وهي تمشي او طالعي طرف المبنى هذاك وشوفيها.. وبعد ثواني من التأمل: والله صح تمشي!

عرفتُ قوائم تشغيلها المفضلة، وخططها لنهاية الأسبوع، وخمولها يوم الأحد، وتميزها وأدبها، سألتني: ايش تسجعي؟ الهلال ولا الاتحاد؟ طلبت منها إعادة السؤال للتأكد من تسجعي؟… أجبتها: صراحة ما أسجع ولا فريق!

أطلعتني على مكان جلوسها في الفصل، ومن هم صديقاتها، ورقمها التسلسلي، صارت تعرف كما قلت متى تغادر قسمها وطريق وصولها إليّ، وأي الكراسي تحركه لتجلس إما بجواري أو أمام مكتبي. أسألها كل يوم: كيف كان يومك؟ وصارت تعرف كيف تجيب، تصف لي يومها منذ أن تركتها للحظتنا، وهي تحسب الفسحة (حصة الفسحة) وعندما لا تكون في مزاج جيد تختصر الإجابة، فـ أُطيلها بسؤال: من من صديقاتك سعادتك اليوم؟ / ساعدتني في ايش؟ / اممم في حل أوراق العمل؟/ احنا كل وحدة لها ورقة لوحدها -_-

هناك أيام وهي قليلة يكون الصمت سيد الموقف، صباحًا أو في العودة، إما لنعاس يكاد يأكلنا أو لمزاج مرهق! لكن وجودها غير من روتين صباحي، وصرت أصل مبكرة لا لبصمتي وإنما لوقت الحصة الأولى، لا أريد أن تفوتها أي فقرة صباحية إن وجدت.

أحب الأطفال، ومن يعرفني يعلم ذلك، أحب قضاء وقت معهم وإن قصر، ومحادثتهم ومشاركتهم وتعليمهم وكل ما اتصل بهم، هي سارة وسارّة فعلًا، كثيرًا ما ابتسم أو أضحك بسببها، سعيدة بها.

ملاحظة:

أثناء كتابتي قفز إلى رأسي الكثير من الحوارات التي كانت بيننا، لكن آثرت الاحتفاظ بها، أفكر في كتابتها بدفتر يومياتي، لكونها عفوية لحظية ولطيفة.

هرج

-١-

في كل مرة أدفع فيها اشتراك مدونتي، وهذا ثابت في ديسمبر من كل سنة، يتجدد معه شعوري بالحب الكبير لمكاني القصي وتزداد شهيتي للكتابة وتتدفق الأفكار التي عادة ما تتفجر أثناء قيادتي للسيارة.

-٢-

اليوم مثلًا، أدركت وهذا ليس للمرة الأولى، أن هناك من وإن حسنت علاقتنا معهم لكنهم محدودين في أيامنا، أي أن جل ما يجمعنا بهم أمور على مقياس الحياة الحقيقي ما هو إلا قشور، ضحك وقضاء وقت، أنا وهم ما زلنا وسنبقى واقفين في دوائرنا الخارجية البعيدة، ولا مشكلة في ذلك على الإطلاق، المهم هو إنزال الناس منازلهم، أن نعرف حجم المساحة التي يشغلها كل فرد ومدى تأثيره علينا وهذا والله أمر حسن ويختصر الكثير.

-٣-

مهما خرجت والتقيت وتحدثت وسمعت وفعلت ما بدى لي، لا أجدني إلا أمام دفتري أكتب وأرتب أفكاري، وكلما تناقشت وخضت في أمور مهمة أعود وأنكب إلى كتابة كثيفة أكمل بها مشهد يومي، ولعظيم دور وأثر الكتابة عليّ دائمًا أتخيل، ماذا لو لم يكن هناك فعل (الكتابة)؟

صخب صامت

رفقة الوقت.

نهاية أسبوعي هذه المرة جائت بعد فترة إرهاق شديدة اللهجة، وانعكس ذلك على نومي ومزاجي وجسدي ولحظات الفراغ، كنت بحاجة إلى قضاء أوقات بأقل عدد من الكلمات والبشر قدر المستطاع، اخترت كتاب (الصمت في عصر الصخب) رفيقًا لي في يومي العطلة، لم أعلم بأني سأحدد فيه كثيرًا وأكتب أكثر، يبدو حقًا وفقت في اختياره، مناسب لكل شيء في الفترة الحالية.

في الحقيقة، أود الكتابة كثيرًا وهذا ما فعلته بالأمس في دفتر يومياتي بعد صمت وانشغال ممتدين منذ شهر، كتبت حتى هدأت، بالأمس لاحظت فرق حالي عند النهاية عنه في البداية وهذا ملاحظ في مرات مشابهة، استغرقت الكتابة ما يقارب ساعة كاملة. مثل هذه الكتابة والتي عادة ما تكون بعد انقطاع واحتدام تأتي كضرورة واحتياج.

أكتب الآن وأنا جالسة إلى طاولة مفضلة في مقهى مفضل، يبعد عن بيتنا قرابة العشر دقائق، كنت أريد الذهاب لآخر لكنه بعيد وأنا في حال لا يسمح بأي شكل من أشكال (الكثير) سواء كان مسافة أو وقت أو أي شيء من كل شيء!

هذا المقهى إضافة لقربه يكاد يكون ممتاز في كل ما يقدمه (الساخن) وله إطلالة بنوافذ زجاجية واسعة جدًا، مما يتيح لي تأمل شوارع جدة فأهيم في حبها أكثر وأكثر. هل يعقل لقلب أن يعشق مدينة إلى هذا الحد؟ جدة بالطبع تستحق وبجدارة 💙🌊

كان هادئاً وبمعنى آخر لا صوت فيه ثم وفجأة بدأوا بتشغيل أغاني، لم يكتفوا مثلًا بموسيقى على أقل تقدير! وهنا تذكرت ما قرأته في كتابي قبل دقائق من خروجي إلى هنا: كل مشكلات الإنسانية تنجم من عجز الإنسان عن الجلوس صامتًا في غرفة بمفرده. نعم لم كل هذا؟

قرأت تغريدة تسأل عن أهم الدروس التي خرجت بها من ٢٠٢٣، بالنسبة لي، لم يكن درسًا بقدر ما هو تأكيد صريح وواضح، ربما سأقول بأني سعيدة أني خرجت بأقل الأضرار الممكنة مع عبرة قوية ودائمة.

انقضى الفصل الدراسي الأول وأنا في قسم الثانوي مع الصف الثاني ثانوي ومقرر الهندسة، وبدأ الثاني مع الصف الأول الثانوي ومقرر الفيزياء١، مر كل هذا وأنا لم أكتب!

أجمل ما يمكن أن يهديه الإنسان لنفسه، رفقة طيبة له مع ذاته، إذا ما أحسنها.. كل ما عدا ذلك سهل وجميل.

ثرثرة

في هذه اللحظة من يومي، أشعر وكأن زحامًا أو احتدامًا أو حشودًا تسكنني، مضت أسابيع منذ آخر مرة كتبت فيها يومياتي وأقصد هنا الكتابة في دفتر يومياتي على وجه الخصوص وهو المكان الأهم. كتبت خلال ما مضى بعضًا من صباحاتي -في الدفتر-، إذ اعتدت على تضخم رغبتي في التدوين صباحًا وخاصة بينما أجلس إلى فوضى مكتبي، إلا أني لم أكتب أيًا مما يدرج تحت أفكار أو هواجيس أو أسئلة أو تحديثات أيامي، وكعادتي مع لحظات الصمت الكتابي هذه، لا تتوقف أفكار تقفز في رأسي تحت عنوان: نقطة مهمة للكتابة عنها.

هذا الصمت بالنسبة لي مزعج، تزامن معه قرار توقفي عن كتابة رسائل طويلة ويبدو هذه المرة إن لم يكن قرارًا نهائيًا فهو بالطبع طويل أمد فيما يخص تنفيذه، ومع هذا الحال دخلت في حالة صمت عميقة، لا يوميات ولا تدوينات ولا رسائل، فإن شيئًا لا يتسرب من رأسي! وتتراكم الحروف مع الكلمات والأفكار بجوار يومياتي منتظرة لحظة الفرج.

أود الكتابة عن أشياء كثيرة، عن حقيبتي والعمل في قسم جديد وزيادة سكوتي وأفكاري وكومة جيدة من الأسئلة واستنتاجاتي وتجاربي واكتشافاتي وامتناني وطالباتي وشعوري وهواجيس اللحظة وهذه وحدها تضم الكثير.. عن فهمي المتأخر بعض الشيء، وعن غضبي ولومي لذاتي والأهم أخيرًا تكامل الفهم إلى حد يسمح عنده بتجاوز كل ذرة غضب أو لوم أو حزن.

الآن 11:42م تتملكني رغبة في تحويل كل شيء إلى نص، ثم أفكر في قوة الصمت الظاهر هذه رغم كل ما يدور في الداخل هناك.

مخرج:

“ولكنني واصلت
‏وأنا مُتعب
‏واصلت
‏وأنا خائِف
‏واصلت
‏وأنا وحيد
‏واصلت
‏ولم يكُن لدّي من الرجاءات الكثير
‏سِوى أن لا أتعثر يومًا
‏في تعبٍ آخر، وخوفٍ آخر، ووِحدةٍ أُخرى”.

إنه الخميس مرة أخرى!

إنه الخميس، وهذه المرة جاء بعد طول غياب، ليس في حضوره إنما في حالي المرافق له، اليوم عدت إلى ما كنت عليه وما اعتدت أن يكون من نفسي وطبعي وفكري، عدت نفسيًا وذهنيًا ومشاعريًا إلى مشاعل التي ابتعدت عنها لفترة كنت خلالها لا أقف عن محاولات الرجوع. وأعني بالعودة والرجوع، أن أقضي أوقاتي بتلك الحال التي يغدو فيها ذهني خاليًا مما يعبره قسرًا! يظهر في كل وقت وحين، دون استئذان ولا يستجيب لطلبك منه بالمغادرة.

الأمر طبيعي جدًا، فالانتقالات السريعة المفاجئة كما كتبت هنا سابقًا تأخذ وقتها معي، وأنا أنتبه إليها وأسجل في يومياتي تفاصيل التحديثات القائمة. كتبت كثيرًا، وكنت في بادئ الأمر متقلبة حادة إلى ما يقترب من التضاد والنقيض، كنت أعيش كل حالة كما يجب، ومحاولات العيش مستمرة، خطان متوازيان أحدهما يسرق اللحظة والآخر يحاول عيشها بأفضل ما يكون أو ‏حققت المعنى الكامن في هذا السطر: ” طاف في دوائر لا تنتهي. أعطى نفسه أن تضيع.” درت وضعت كثيرًا، وأبدو لمن حولي أنا كما أنا لا اختلاف، في حين أني كنت أقطع شوطًا ثم ما ألبث أجدني محتدمة عند نقطة البداية من جديد!

الأربعة الأسابيع الأولى، كنت ظاهريًا على ما يرام، إنما السر كله في الداخل، أنا مع نفسي! كنت مثقلة، محبطة ويغلبني شعور الخيبة لأسباب تخصني، وأفكار في معظمها متضخمة والكثير من الحيرة والأسئلة المعلقة، فمغادرة المنطقة الخاصة أمر مرهق، لا يُتجاوز بسهولة وكأن شيئًا لم يكن، وهنا أتذكر ما مر بي ذات يوم وأنا أقرأ: “كنت أتركه ينتقل إلى المكان الثاني من اهتمامي.” هذا الانتقال يأتي حاملًا معه أثقاله، وكما قلت أيضًا أنا استغرق وقتًا أطول، لا أضغط على نفسي، أفرغ كل شيء حتى لا يبقى ما يضطرني المكوث لفترة أطول.

استغرقتني هذه العودة 11 أسبوعًا، لم ألاحظها اليوم فقط، تحسن الحال بما يرضيني منذ أسبوعين تقريبًا، لكن هذا الأسبوع كان من السهل ملاحظة العودة داخليًا، عودة شعوري وتفكيري وصوت حديثي ونوع الأفكار و و و. عدت مشاعل التي أعرفها، أضحك وأشاغب وأحارش من حولي هذه مقايسي، صحيح أن طبعي يميل للهدوء، لكن في الوقت ذاته أنا أشاغب (لفظيًا) عاد الهدوء دون شعور سلبي وقل الانفعال والاستغراق في الأمور دون أي مرافق قسري، لا مشتتات (داخلية)، رافق ذلك عودتي للأنشطة المفضلة.

وهنا أتذكر الاستئناف بشكله: “وأن أتابع دون انقطاع ما بدأته من تصعيد منذ ولادتي.” و “نحن ما نحمل في قلوبنا من فُتات الحنين، وما نخزنه في ذاكرتنا من جداول التجربة.”

بصوت مرتفع: إنه الخميس، وأي خميس!

فيلم: CODA

للمرة الثانية أشاهد فيلم CODA على الأقل أكملته هذه المرة، فالمرة الأولى كانت سنة 2020 وحين سجلت دخول إلى حسابي كان ما زال تطبيق Apple TV محتفظًا بدقائق مشاهدتي، وعلمت بأني وصلت إلى النصف ساعة الأولى. لا أتذكر منها إلا مشهدًا واحدًا في أحسن الأحوال، لكن أتذكر جيدًا انطباعي بأنه فيلم جيد جدًا، من النوع المفضل على الأقل.

وتذكرت حينها -2020- محاولاتي للقراءة والمشاهدات التي كانت تنتهي دون إكمال لأي شيء منها، كان ذهني مشغول لدرجة أعجز من خلالها فهم الكثير من الدلالات الرمزية لكل ما يعبر أمامي بما في ذلك من نصوص أو مشاهد.

وعليه سحبت مؤشر الوصول الواقف عند الدقيقة الثلاثين إلى الثانية الأولى، أعدت مشاهدة الفيلم من البداية، CODA بفكرته يشبه كتابًا كنت قد قرأته واسمه: يدا أبي، الفكرة باختصار تحكي قصة لأفراد طبعيين ولدوا لوالدين صم، الكتاب رائع وكذلك الفيلم! والاثنين مبنيين على قصة واقعية وكلامها تطرق لنفس الأفكار تقريبًا لكن الفيلم لأني شاهدته اليوم فأنا ما زلت تحت تأثيره. شخصية روبي وهي بوابة أهلها للتواصل مع العالم الخارجي، وكيف تتداخل وتتقاطع المصالح الشخصية مع مصالح العائلة، وظهر في الفيلم ما أفضله، عوالم متداخلة للفرد الواحد وذلك أن تكون جزءًا من عائلة بكل ما تعنيه الكلمة ثم كذلك في الجهة الأخرى لك عالمك الخاص والذي عادة لا يشاركك به أحد، هكذا كانت روبي مع مسؤولية إيصال صوت أهلها للمجتمع ورغبتها في الالتحاق بالجامعة مما يعني انفصالها عنهم ورحيلها لمدينة أخرى.

من المشاهد المؤثرة، طلب منها أستاذ الموسيقى وصف شعورها عندما تغني، حاولت بالكلمات لكن انتهى بها الحال برفع كتفيها تخبره من الصعب وصف ذلك! طلب منها المحاولة، عندها فقط بدأت وصف ما تشعر به بلغة الإشارة، ابتسم الأستاذ ولم يطلب منها ترجمة ما قالته، ما يهمه أنها عبّرت! ومن هنا يفهم بأن لغة الإشارة هي اللغة التي اعتادت بها التعبير عن مشاعرها، ويعود ذلك إلى تواصلها مع أفراد عائلتها.

ومن هنا بعد الفيلم ومن قبل الكتاب، أفكر بمشاهدة كل أو جزء من مقابلة الممثلة ليلى عبدالله وحديثها حول والديها كونها هي كذلك مولودة لوالدين صم.

أكثر ما أعجبني، وهي إجابة لفضول رافقني طوال الفيلم، لكن المخرج كان ذكيًا بما يكفي ليروي فضول أمثالي من المشاهدين، كنت في لحظات أتسائل عن الصمت والهدوء التام الذي يعيشه الأصم، كيف يرى كل هذا الضوء والحركة دون أن يعبر رأسه منها أي حس؟! وإذ به وفي أهم مشهد يعتمد على الصوت اعتمادًا تامًا وفي مسرح المدرسة، ينقل لنا تجربتهم: مشهد يصل إلى نصف دقيقة بلا أصوات! نرى كل شيء وصمت مطبق.

اليوم عدت أشاهد الأفلام بطريقتي القديمة المفضلة، بجواري دفتر يومياتي مفتوحًا من الجهة المعاكسة لمسار يومياتي، عنوان الفيلم وقائمة وصلت إلى الرقم 15 أكتب فيها ملاحظاتي وأفكاري واقتباساتي، ولعل بهذا عودة إلى متابعة الأفلام والمسلسلات بجوار القراءة والكتابة.

صفعة العودة!

أتعلمون حين يضيع طفل عن والدته وتنهار؟ ثم إذا وجدته أول ما تعطيه ضربة اللقاء؟ هذه التدوينة أشبه بتلك الصفعة التي يتلقاها طفل ضائع من والدته!

أكتب الآن بعدما استعدت قدرتي على الدخول إلى مدونتي، بعد يومين من المعاناة (دون مبالغة) واحتمالية كبيرة تميل إلى فقدانها، وعدد لا بأس به من رسائل أشرح فيها مشكلتي لدعم ووردبريس، في الحقيقة إحدى رسائلهم كان مفادها أن لا وسيلة لمساعدتك! وهنا تكمن فجوة الغباء الناتج عن ذكاء التقنية، لكن كنت أشبه بالأم -ذاتها في الأعلى- التي تحاول جهدها في استعادة طفلها!

فكرة -مجرد فكرة- فقدان مدونتي هكذا فجأة ودون اختياري سيئة جدًا! كادت أن تكون اسم على مسمى، مكانًا قصيًا حتى على صاحبه.

عودًا حميدًا مكاني القصي المفضل🥹❤️

Let it go 🫳🏻

تجربة فقد أشياء ذات قيمة عظيمة في نفسك تهبك مناعة، تجربة واحدة فقط قادرة على منحك الكثير، كأن تجعلك في المرات التالية ترخي يديك بسهولة متى ما دعت الحاجة، وتتراجع رغبتك في الاحتفاظ بالأشياء التي كنت تحرص عليها، خاصة تلك التي يُظن دومًا بأن لا معنى لها، قصاصات وصور وبطاقات و و و. فكرة كهذه قد تتوسع لتشمل بعض مما يندرج تحت خيارات ومفاهيم مشابهة: الاحتفاظ – البقاء – الرحيل – المغادرة…

مع هذا، يظل للمغادرة طقوسها، لن تُسلب حقك في عيش شعورك خالصًا، لكنك تعيشه وأنت تدرك منذ البداية أنها مسألة وقت ليس إلا، ومتى اكتفيت أو أفرغت كل تلك المشاعر والأفكار المصاحبة بثقلها ستكون عودتك -إن كان لابد من عودة- لهذه المنطقة مختلفة، دون آلام مرافقة أو وجع ينخر أو محاولة تحاشي وابتعاد.

من يعرفني جيدًا قبل ٢٠٢٠ يعلم حبي الشديد للاحتفاظ والإبقاء على الأشياء، كان أقرب للتندر ها مشاعل تبغي المنديل ذكرى؟ كتبت ذات مرة عن صندوقي الأثير الذي لم أعيد تجميعه، لكن مع نهاية تلك السنة وأنا راكنة في الجهة الأخرى، أتخفف كما لم أكن، كما لو كان لزامًا عليّ العيش بأقل القليل، حقًا أنا في الضد مما اعتدت عليه لسنوات، هل تحولت التجربة إلى قناعة تسحب معها معاني الاحتفاظ (بالكثير) من الأشياء الصغيرة أو حتى الكبيرة؟ ربما! المهم، صار من السهل حذف صور أو محادثات أو رسائل أو قصاصات كنت سأفضل الاحتفاظ بها، وكان أقرب للمستحيل التخلي عنها.

في المقابل، ما زلت اكتفي في أحيان كثيرة بالكتابة حول كل ما/ من أود المحافظة عليه، يبدو هكذا أفضل؟ وبما أن الكتابة سيدة كل الأفعال لذا بالطبع: نعم.

وفي الكل خير

👩🏻‍🏫
مضى أسبوعي مختلفًا، تلزمني هذه المرة العودة للوراء قليلًا، جئت هذه المدرسة في أول الأمر زيارة وأنا طالبة في الصف الثاني ثانوي من أجل دورة الإلقاء أمام الجمهور وكنت حينها قد وصلت إلى المراحل الأخيرة في مسابقة بحث على مستوى مدارس ثانويات جدة، كان -وما زال- لها مع غيرها من المدارس الأهلية في جدة اسمها بيننا نحن طالبات المدارس الحكومية، أتذكر جيدًا كيف أنا وزميلاتي في الفصل متحمسات لرؤيتها من الداخل! كنت أنا الوحيدة الذاهبة من بينهم وفي اليوم السابق الكل كان ينبهني حسب اهتمامه، كيف ساحاتهم؟ كيف مقصفهم؟ والذي علمت في اليوم التالي بأنهم يطلقون عليه اسم (كافتيريا) وغيره الكثير مما عدت به إلى صديقاتي لأخبرهم.

ثم شاء الله سبحانه أن أعود إليها بعد سنوات لكن هذه المرة معلمة، أساس تواجدي كان لتدريس العلوم في قسم المتوسط، مع هذا كنت ولعدد من السنوات معلمة (مشتركة) بين قسمي الابتدائي والمتوسط، آخر هذه المشاركة انتهت بعد سنة الدراسة (عن بعد) لأتفرغ بعدها إلى تدريس صفي الأول والثاني متوسط.

ثم (مكره أخوك لا بطل) ها أنا أنتقل إلى قسم الثانوي، ولأن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، كل ما يسعني فعله هو أن أدعو الله التوفيق والتيسير. كل شيء جديد: قسم – غرفة – زميلات – طالبات – إدارة – مواد دراسية. وفي الكل خير. لكن ربما من الحسنات في هذا الانتقال هو تدريس تخصصي: الفيزياء بعد الهندسة.

على هامش الانتقال: ستكون بدايتي مع طالبات الصف الثاني ثانوي، المضحك أنه سبق واجتمعنا مع علوم الصف الرابع ابتدائي ثم الصف الثاني متوسط (عن بعد) والآن مع مقرر الهندسة. 👵🏼

أسأل الله التوفيق والسداد والعون لي ولطالباتي.