أن أكبر مرتين

كعادتي في العطلة الصيفية، أميل إلى روتين هادئ وبسيط لكنه في الوقت نفسه يجعل من كل يوم كما لو أنه يوم جديد أو على الأقل هناك ما ينتظرني أو أنتظره، لم أبتعد كثيرًا عن عادتي هذه المرة، لكن ثمة اختلافات خاصة بهذه العطلة.


قبل قليل شعرت بحاجتي الشديدة للكتابة، هناك ما أود تفريغه، تأمله ومن ثم إعادة ترتيبه. مؤخرًا زادت الفوضى وتداخلت الأصوات مع الصدى، وأنا مذ عرفتني لم أتصالح مع الضوضاء، لذا لابد من فعل شيء ما يخفف من صخب رأسي فكانت الكتابة.

مرة أخرى، قبل قليل أمسكت بدفتر يومياتي وشرعت في الكتابة، احتجت إلى الحديث طويلًا وتفصيلًا.. وعندما بدأت تدوين اليوم ثم التاريخ في التقويم الهجري يمينًا والميلادي يسارًا، أدركت بأن اليوم يصادف تاريخ ميلادي بالهجري، إذًا، ها نحن من جديد مع ختام السنة الذي يصادف قدومي، وكما قالت لي صديقة ذات مرة بما معناه: جئتِ قبل السنة الهجرية بأيام وكأنك تريدين بذلك استقبالنا! اممم قالتها منذ ما يقارب العشر سنوات وأعجبتني لذا أهمس بها إلى نفسي حين أتسائل ماذا لو صبرتِ يا مشاعل قليلًا، ساعات إذا لا تريدي حسابها بالأيام؟ فتخرجي للنور غرة الشهر والسنة الهجرية التالية؟ لا بأس، من الناحية الأخرى وكما يقال: ختامها مسك.
الغريب، أنه ولأول مرة يلتقي يوم ميلادي في التقويمين الهجري والميلادي خلال شهر واحد، فذو الحجة احتوى السابع والعشرين من يونيو والسادس والعشرين من ذو الحجة، وبإعادة قراءة الجملة الأخيرة قد يتضح جليًا كيف أني أميل إلى اللحظات الأخيرة -فعلًا- منذ البداية.


كانت لدي قائمة قصيرة بقيت عالقة في رأسي لأسبوعين كاملين! تحتوي غرائب هذه السنة والتي أقصد بها هذا الشهر، القائمة كاملة عبارة عن عنصرين أحدهما الآنف ذكره، والآخر هو أنه ولأول مرة يتساوى عمري بالهجري والميلادي، أليست ملاحظة تستحق أن تدوّن؟ بالطبع نعم!

يونيو: قيظ

بالعودة إلى كتابة ملخص للشهور، يونيو كان الأغرب بلا منازع، الأمر يشبه خروجي إلى أماكن جديدة في معظمها بينما قضيت جل وقتي أقف في ظل علامتي استفاهم وتعجب من ظهيرة يوم قائظ مقطبة حاجبي أحاول استيعاب المكان الذي أقف فيه.
العجيب أن الحالة الغرائبية هذه لم تحدث بالتدرج أو لم يكن لكل أسبوع شكله الخاص به، إنما وكأن هناك زر ضغط في أول الشهر وبقي على حاله دون منقذ حتى مع اقتراب إعلانها حالة طارئة.
كنت في مواجهة علمي بوجود خطب ما، لكن أجهل تمامًا الطريقة الملائمة للتعامل معه والتي تحول دون تفاقمه، أرى أن الأمور كانت تزداد حدة بمرور الأيام بخلاف العادة، لم تكن تتحسن.


عشت شهرًا أبعد ما أكون فيه عن العقلانية، بل غارقة في عكسها، وأنا أرتدي نظارة كان من باب أولى أن يكتب في وصفها كما كتب على مرآة السيارة: الأجسام الظاهرة في المرآة تبدو أصغر وأبعد مما هي عليه في الواقع. هذه العبارة احتجتها احتياج الغريق لخشبة نجاة، تبدو جملة درامية؟ تمامًا هذا حالي في يونيو: تضخيم ودراما وغرابة تفكير وتحليل لا أعلم من أين يأتي وأفكار لا ينتمي أنا وهي إلى بعضنا الآخر، ببساطة لم أكن أنا< هذه الأخيرة درامية أيضًا؟ لا بأس لابد من وصف الشهر بما يناسب حال عيشه.
رافق كل ما سبق، أني كنت (أنقد) على نفسي ولكن لا أتجاوز ذلك، أي لا حيلة للتعاطي مع الأمر، وهذا انعكس على نفسيتي أكثر وزادت الأمور سوء. لم أكن أفهم أو أرى كل شيء كما هو، ثم ألاحظ ذلك بعد فترة قصيرة فأحاول إصلاح الأمور لأكتشف عطبًا جديدًا يلوح في الأفق..


هذا يجعلني أتأمل الإنسان ونفسه، ويعيدني إلى فترة قرأت فيها عن السلوكيات وتفسير كل شعور، أظنني بحاجة للعودة إلى تلك الكتب، كما وأني تعجبت من تعقيدات النفس، حين يتحول أمر ما إلى: أنت تعلم (ماذا) لكنك لا تدرك (كيف) فهل يجدي نفعًا إدراك نصف الشيء؟ لا أعلم. أدرك أن هناك خطب ما، في الوضع الطبيعي لا أتخذ أي قرار، لا أفعل شيئًا حتى أهدأ، لأني أعلم نتيجة هذه التصرفات الفورية، لكن هذه المرة كنت أقفز قفزًا مظليًا، أو سقوطًا حرًا إلى كل فعل (فوري) فزدت الطين بلة مرات عدة.


ما أعلمه هو أن نسخة مشاعل في يونيو كانت عجيبة! أيعقل أن يكون هذا حالنا في الشهر الذي ولدنا فيه، بصيغة أخرى: هل هذه متلازمة شهر الميلاد؟

31

كتبت ما أريد في رسالة طويلة، وما هذه التدوينة إلا محاولة للحفاظ على العادة التي أريد لها أن تستمر، وهنا أقتبس بعضًا منها مع الكثير من الحذف والتعديل.

كعادتي في كتابة تدوينة في السابع والعشرين من يونيو لتكون موجزًا لعام كامل، تحمل من الرمزية الكثير وبها ما يساويها كذلك من الوضوح، إلا أن هذه السنة تستحق الاستثناء كما لو أنه -الاستثناء- وجد في أيامي لسبب يتسع معه قلبي. بدأتها هنا في المدونة العام الذي بلغت فيه السابع والعشرين، على شكل تدوينة اختصر بها أبرز أو أهم ما حدث في عامي المنصرم كملخص أميز به سنواتي، عامي (الخاص) يبدأ وينتهي بالطبع بتاريخ ميلادي، وهذه السنة بكل ما احتوته إلا أن أمرًا واحدًا يتقدم كل ما كان، إلى الحد الذي يدفعني لأسمي عامي كاملًا به.

حياة كل واحد على هذه البسيطة عبارة عن محطات، يبدو كلامًا مكررًا؟ نعم. لكنه واقعي جدًا، وما نحن لولا التبدلات والتغيرات التي نعبرها أو تعبرنا. مررت في حياتي بالكثير مما يوصف بالجمال، لكن والله ولا أجمل مما حدث لي هذا العام! وإن كانت المشاعر لا تعزل في حالة كهذه، لكن -حين أفكر- بعقلانية ربما، أرى أنه أكبر من مجرد مشاعر. أتعلم تلك الحالة حين يكبر المعنى في صدرك وتعجز عن قوله حرفًا أو صوتًا؟ هذا بالضبط حالي إذا ما أردت الحديث. لا يهم حقيقة إن قلت حماس أو اندفاع أو أو أو لأني أعلم بأنه ليس كذلك، هذه حالة خاصة خالصة أعيشها، كما لو أن قلبي طفل يستكشف زاوية جديدة في الحياة.

وبالمجمل كان عامًا لطيفًا هادئًا، حظيت فيه بالكثير من الأوقات الطيبة والحمدلله, والعقبى لقادم العمر.

ليس إلا

التقطتُ الصورة كعادتي المفضلة في الرد عن سؤال اطمئنان هو كذلك مفضل بالضرورة.

تشير الساعة الآن إلى العاشرة من مساء الاثنين، بعد يوم طويل ومرهق جدًا. وهذه المرة هو كذلك إلى الحد الذي أتخيل فيه كل حرف من (طويل – مرهق) يقف ممشوقًا يتباهى بأداء دوره على أكمل وجه في مسرحية أيامي، مجسدًا بكل اتقان كل معنى يمكن أن يتضمن هاذين الوصفين.
بدأ يومي مثل أي يوم عمل، ولمزيد من الدقة: مثل أي اثنين، وهو يقتبس بعضًا من ثقل الأحد الذي لا يضاهيه ثقل لكنه أقل حدة وأكثر ازدحامًا، على أية حال.. كنت أريد اقتباسًا أتوارى خلفه يمثلني ويختصر حالي وأريح به رأسي من محاولة الكتابة، لكنها حال مركبة، تستدعي كتابة نص تملأه الفوضى وكومة جيدة من الأشياء وضدها، تمامًا كحال رأسي والأفكار تحوم بين جنباته لا تأبه سوى بتسجيل حضورها، لا بل حضورها الكثيف.

هذه المرة لا أريد الإسهاب في وصف أيامي، أميل لإبقاء بعضها لي وحدي، لكن اليوم وأمس حصل بهما ما يسترعي انتباهي ويستهلك مزاجي ويدفعني دفعًا مثقلًا للتأمل والفهم، ويؤكد لي أن لا ذنب يصلنا من وراء الصمت في كثير من الأحيان.. بخلاف الكلام!

وأنا بكتابتي هذه كما يقول سلطان السبهان:
أريد ولا أريد وصوت نار
بأفكاري، وغيم ما أغرّه.

هنا محاولة لتوثيق ما مررت به من انزعاج يزاحم هدوء أيامي وما أشعر به، كما يجدر بي الإشارة إلى أن شعور الانزعاج يمثل أقلية لكني خرجت منه بالكثير لذا أمسكت به، ولأني في غمرة انشغالي وتنقلاتي، استشعرت عظيم نعم الله، فالحمدلله دائمًا وأبدًا.

دائرة مغلقة

استيقظت ونظرت إلى جوالي بعين واحدة، تشير الساعة إلى السابعة صباحًا ودقيقتين، استيقظت قبل المنبه الأول بنصف ساعة، ودون قرار مسبق قررت الغياب. أكملت نومي إلى الثامنة والنصف، وكل ما فعلته بعد ذلك هو أني خرجت من غرفتي إلى الصالة. غياب غير مخطط له لكن كنت بحاجة إليه، أحمل معي كتاب (فلسفة التجرد الرقمي) أينما ذهبت، ومنذ الأول من أبريل عدت وحذفت جميع تطبيقات التواصل إلا واتساب وتليقرام، أيامي في رمضان مزدحمة بطريقة غريبة، لا ليست مزدحمة بل محشوة، ورأسي يلازمه صداع أو دوار طوال الوقت، وأنا غارقة بين تحضير الدروس وكتابة المقالات، كما لو أن حياتي قائمة على هاتين المهمتين فقط!
اليوم كان لدي موعد في عيادة، لم أدرك أنه في وقت حرج من اليوم سوى في الصباح، موعدي عند تمام الثامنة مساء، لا بأس بموعد هكذا لكن ليس في مساء رمضان! لأنه يلزمني الخروج من البيت على أقل تقدير الساعة 7:45م وهنا تكون ذروة دوخة ما بعد الفطور، وقبلها لابد من الاستعداد -_- لا أعلم أين كان عقلي حين سألتني الموظفة قبل أسبوعين: يناسبك الساعة 8م في رمضان؟ وأجبتها بكل حماس: ايوة مناسب! لا بأس، أكتب الآن وقد انتهيت منه، وبالمنسابة وصلت عند الاستقبال بالضبط عند الساعة 7:59م وانتظرت خمس دقائق قبل وصول موظفة الاستقبال الأولى.

خرجت بعدها والخمول الناتج عن الإرهاق يتسرب إلى جسمي، وجدت عربة للشاي فأخذت كوبين، لا أعلم الثاني لمن؟ ولكن عندما وصلت البيت رأيت خالي الكبير، سلمت عليه وناولته كوب الشاي، كان من نصيبه.

رمضان غير مناسب للدراسة، أو من جهتي.. غير مناسب للتدريس، الأمر مرهق مهما حاولنا تلطيفه، والطالبات في سبات عميق وإن كانت أعينهن مفتوحة، حاضرات دون أذهانهن! طريق العودة صار تحديًا مع مقاومة النوم، ولا محاولات تجدي مع تنظيم الأخير، مهما حاولت لا يستمر إلا يوم واحد ويعود كل شيء إلى الفوضى، الساعات تركض بغرابة، لا أعلم كيف نصل إلى منتصف كل يوم بهذه السرعة؟ إضافة إلى أن الجميع يريد ويطلب إنجاز مهام، وأنا؟ أشعر أني أدور في دائرة مغلقة مملوءة بمهام عمل لا نهائية، لا وقت لي كما هي العادة، أقضيه بفعل ما أحب. رمضانات ما قبل الدراسة كانت أفضل بكثير، أقل فوصى وساعات كافية لكل شيء.

تلازمني هواجيس جديدة هذه الأيام، من تلك التي تظهر في كل وقت وحين، ليست ثقيلة.. على العكس بل خفيفة وممتعة، بها الكثير من التأمل والامتنان. وماوس لابتوبي المربع الماثل أمام لوحة المفاتيح، تسرب الملل إليه عبر مؤشري اليمين واليسار، وصرت استغرق بضع ثوان إضافية وأنا أقنعهم بالعمل! ولا أحبذ الماوس الخارجي، ماذا أيضًا؟ حصلت على كوب جديد هدية من خالي، صورته له وأنا أشرب به شاي بحبق.


لا شيء محدد أنوي قوله، إنما أردت الكتابة وحسب.

مارسيات: إعادة ضبط المصنع

 ملخص مارس كان في أصله رسالة طويلة، وهنا جزء منا:

بدأ مارس بإجازة ما بين الفصلين -الثاني والثالث- وكانت إجازة بيتوتية يغلب عليها الهدوء، لكن مزاجي لم يكن في أحسن حالاته.. وبهذا الحال انقضى الأسبوع الأول من مارس، ولم أكتب من يوميات هذا الأسبوع سوى شذرات. 

جاء الأسبوع الثاني وقد اشتركت في مسابقة الترجمة بالجامعة الإلكترونية، واجتزت الثلاث مراحل الأولى، اختبار ثم ترجمة نص من العربية إلى الإنجليزية ثم ترجمة نص من الإنجليزية إلى العربية، لم أنتقل للنهائيات لكن ما اجتزته أسعدني حقًا. مازال حينها تفكيري مضطربًا وينعكس هذا جليًا على مزاجي، فأدخل في صمت مطبق، لاحظت صديقاتي في غرفة المعلمات وماما من قبلهم، هناك شيء ما يا مشاعل؟ وأنا أشبه ما يكون الأمر باختفاء أجزاء من مشاعل، إلى أن وصلنا للأسبوع الثالث، عندها قررت لابد من كتابة كثيفة أستدعي بها كل ما حدث فأخرجه كتابة لأول مرة وبها تكون الأخيرة، قررت أن أكتب دون استثناءات، أعيد ما حدث كاملًا، وبالطبع هذه الكتابة جلبت معها جميع المشاعر المرافقة، وازدادت نفسيتي سوء، لكن بصمت…. كتبت بين 15 مارس إلى 19 مارس 5 رسائل تكاد تكون من أطول ما كتبت، كتبت وكتبت وكتبت  لازمتني المسودات طوال وقتي وقلت كل شيء يخالجني، ووالله دون مبالغة كأني بانتهائي ضغطت زرًا كاتمًا لكل تلك الأفكار مع ما يرافقها من مشاعر، بالطبع ليس اختفاء تام إنما جزء كبير، دهشت! وصار مرور الأيام من بعدها إنما تحسنًا وقربًا إلى مشاعل وطبيعتها. كنت أفكر -هواجيس الطريق- هل فعلًا الكتابة تفعل كل هذا؟ ثم تذكرت بأنها على الأقل تفعل معي، فأنا لا أحسن التحدث كما أفعل في الكتابة، وبها ومن خلالها يمكنني قول الكثير. المهم والأهم أن الأسبوعين الأخيرة من مارس كانت بمثابة استعادة ضبط المصنع لمشاعل، عدت لكتابة يومياتي بكثافة، وعدت إلى مزاجي ونفسيتي الطبيعية أو أقرب ما يكون لها، كانت تلك الكتابة تفريغ مما كان يلازمني، تحررت من عبء مثقل وأجمل شيء هو ملاحظتي للتحسن، كيف استيقاظي كل يوم يفرق عن الذي يسبقه.
وفي الجهة الأخرى كتبت في دفتر يومياتي بتاريخ 20 مارس:

 أرى أن القدرة على الكتابة باستفاضة، القدرة على استحضار كل ذلك الألم والوجع بكل ما يحمله من مشاعر مكثفة، يعني أن شوطًا كبيرً قد قُطع.

تكمن الفكرة في أنه يستحيل استمرار الغرق في دائرة الأفكار واستحضار ما صار والزيادة والتكرار! ثم التأثير على مزاجي وأيامي وأوقاتي! لابد من التوقف وكسر هذه الدائرة لأنها ببساطة لن تقف وستستمر في الدوران… والعمر مرة واحدة.

قرار التوقف عن التعامل مع هذه الأفكار والمشاعر يحفظ الكثير من الوقف ويحافظ على المزاج بأفضل حال ممكنة، الحياة مرة واحدة واللحظات التي تمر لا تعود.. والشعور له أن يكون في أفضل حالاته.

باقي أنتبه لعملي سواء المدرسة أو سياق، وأنتبه لصلاتي والأذكار والقرآن ونومي وشرب لماء والأكل والقراءة والترجمة والمشاهدات وقبل كل هذا الدعاء (رسمت قلب)

أريد الغرق في المعاني أكثر، وعودة الهدوء، الروقان، طول البال، التروي…. 

_____________________________

زادت كلماتي المنطوقة في اليوم، قضيت أوقاتًا أطول مع ماما والأهل، عدت لكتابة قوائم المهام اليومية، نظمت نومي، باقي الأكل والرياضة (مع رمضان الوضع سلطة حبتين) 

لا تعلم حجم شعوري بالامتنان وأنا أنتبه لأدق التفاصيل التي استشعر من خلالها أني فعلًا (تشافيت) السر كله يكمن في التفاصيل الصغيرة، في سيل الأفكار ونوعها، في كلامي الداخلي مع نفسي، في حواراتي مع غيري، في تقبلي لقضاء يوم جديد والذهاب للعمل وملاقاة الناس وووو … هذه الأشياء هي مشاعل لكني فقدتها من هول من مررت به، الآن أنا أستعيدني ولكن نسخة معدلة مزيدة ومنقحة، سعيدة جدًا بهذه العودة وبالشعور المرافق لها. أن تعود إليك والله هذا شيء عظيم، فالحمدلله على ما كان وما سيكون، الحمدلله دامًا وأبدًا. 

معنى آخَر لـ آخِر

في المعجم:
آخِر: مقابل الأول، عكس الأول.
كلمة: اللفظةُ الدَّالةُ على معنًى مفرد بالوضع.

كما يظهر هي كلمة مختصرة بمعنى واضح، إلا أني سلبتها معناها وضده، في كل مرة كنت أكتبها لشخص بعينه، أتركها غارقة في بحر الحروف، عالقة بين كل المعاني إلا معناها، في المنتصف تبتعد عن ضدها (الأول)، ولا تقترب من الأخير، تبقى ضائعة، دائمًا ما تجد لها (وجودًا) في مكان ما إنما ليس أينما يفترض لها أن تكون، وما أقسى أن تكون موجودًا في (الخطأ) مكانًا أو توقيتًا، والأسوأ كلاهما.

في كل مرة أكتبها: آخر، ما إن أنتهي من كتابة الراء حتى تبدأ في ركضها، تحاول اللاحق، تحاول الوصول إلى الجهة الأخرى حيث معناها الكامن بين حروفها، أثناء ذلك، يصلني ضحك كل الكلمات! إذن هم يعلموا بقصتها، يدركوا جيدًا ضياعها ومحاولاتها، وكثرة استخدامها دون فائدة، مسلوبة المعنى والقوة.

ألحقتها بكلمات عدة، علّها تساعدها في العودة إلى جوهرها فكانت: آخر تلويحة – آخر رسالة – آخر محاولة، صارت أصوات الضحك أعلى! وبقيت هي على حالها. لم أكتف بهذا، أرفقتها بي، ربما أكون مرشدتها فقلت: آخر مرة، لمرات عدة، لكني أعود! آخ تطورت الحالة، والحمدلله، بالنسبة لي لا أحد يعلم سواه، وإلا كنت سمعت ضحكاتهم تمامًا كما سمعتها كلمتي المسلوبة.

كان كل هذا متكئًا على أمر واحد: استثناء، حتى طال هذا الاستثناء أفعالي وكلماتي، فأقول آخر مرة، لمرات وأعود، لم يكن لآخر مفعولها على الإطلاق، لم يظهر حزمها أو صرامتها، لا يتعدى الأمر كونها هدنة قصيرة، ولا أعلم من فينا يقنع الآخر، أكتبها لتقتنع بأنها المرة الأخيرة فعلًا، أم تقنعني بأنها ستمثل معناها خير تمثيل؟ بعد كل مرة أستعين بها، كان كلانا ينظر إلى الآخر مبتسمًا على عدم جدوى استخدامها وتكرارها المتكرر حشوًا في معنى الحياة، إلى أي حد هذا مضحك؟

لكن يبدو لي كما تشير التقارير الصادرة مؤخرًا، أنها في طريقها إلى معناها،  دون ركض هذه المرة، وقريبًا جدًا ستصل، وسيكون لـ آخِر معناها السليم، تجربة قاسية خاضتها، متميزة بذلك عن كل الكلمات، لا بأس فالتجارب تصقل وكانت هذه الجولة من نصيب كلمة آخِر.

فبرايريات: لا بأس

تساؤلات في رسومات اليوميات.

بدأت كتابة فبراير من اليوم الرابع، كتبت حينها ما حدث ويمكنني أن ألقي عليه اسم الشرارة. أعتقد بأن الأمور أخذت بالسير إلى الطريق المنحدرة، لم أكن أتعامل بعقلانية بما يكفي وكان الجنون يمسك زمام الأمور، كتبت كثيرًا، كتبت وكتبت وكتبت! كنت بحاجة لكل هذا.. كتبت رسائل وفي دفتر يومياتي وفي الملاحظات وفي كل مكان، كما لو أريد إفراغ رأسي كاملًا، حدثٌ جديد يؤكد لي بأن الثرثرة كتابةً هي طريقتي الأولى في التعاطي مع الأمور. كنت غزيرة وكثيفة ومندلقة للحد الذي لا أفهمه، لم يكن لدي ما يمنعني من إيصال ما أريد فوريًا ولحظيًا، وبالطبع أنا لست مع هذه الطريقة ولكن لم أملك الصبر الذي يحثني للانتظار ولو لدقائق، ليست طريقتي أو على الأقل ليست للدرجة التي وصلت إليها، وهذا لا يؤكد لي سوى أني لم أكن على ما يرام مع هذا الموضوع على وجه الخصوص، حاولت تهدئة نفسي ولكني لم أنجح، لا بأس هي أكثر ما كنت أردده، مضت الأيام سريعًا ولا أبالغ إن قلت بدت علي أشبه ما يكون بالآثار الجانبية لأعراض الانسحاب ههههه، حذفت تطبيقات التواصل لبضعة أيام، لازمني دفتر يومياتي أكثر من المعتاد، والتزمت الصمت كثيرًا، بمعنى آخر انكمشت، أعلم بأن كلامي يبدو مبالغة لكن هذا ما أقوله دومًا حول صدق ما أشعر به وأعيشه، بعيدًا جدًا عن العقل والمنطق… العفوية والصدق كانا سيدا كل المواقف.

افتكرت نصًا كتبته ذات يوم عنوانه غرق التجاوز ، ومع اختلاف دوافع الكتابة لكن طريقتي في التجاوز واحدة:

أعلم أني أستغرق وقتًا طويلًا في التجاوز، أغرق فيما أريد مغادرته إلى الدرجة التي تمكنني لاحقًا من الرحيل بهدوء وسلام دون إلحاح بالعودة. العودة تعني أن جزءًا ما زال يريد أو ينتمي، حزنًا لم يأخذ وقته، كلمة لم تقال، محاولة عبور سريعة وفاشلة أو تنهيدة عالقة. استيعاب قرار الرحيل ليس بالأمر السهل، لكن ما يهوّنه عليّ يقيني التام وإدراكي بأنه مرحلة لن تدوم مهما طالت وآلمتني. تواجدي وسط موجة مضطربة برفقة وعي عالي أمر مؤلم، أختزله في شعوري الخالص بالحزن. حزن صافي دون شوائب من أي مشاعر أخرى، والحزن ثقيل على النفس أتخيل تواجده المركز في قلبي، يثقله ويهوي به.

خرجت الأمور عن السيطرة، وهذه حال متطرفة لا أصل إليها إلا في مرحلة متقدمة، أصل لأقصاي بكل جنوني ثم أعود بالتدرج إلى حيث كنت، حينها أخرج عن كل شيء وأبقى في دوامة الأسئلة لم لا؟ ما المانع؟ ما أسوأ ما سيحدث؟ وكمية لا بأس بها من التناقضات كنتيجة حتمية للفورية التي أسكنها أو تسكنني، ما زالت الأسئلة والحيرة حاضرة لكن بوتيرة أقل إذ بدأت الأمور تتضح شيئًا فشيئًا، لاحظت ماما وصديقاتي انكماشي، وما عساي أن أقول؟ لا شيء بالطبع وكنت أعيد السبب بتهكم إما للأعراض المصاحبة لتجاوز الثلاثين أو لأني نضجت أو أي سبب بعيد كل البعد عن الحقيقة. فبراير كان شهرًا دون مشاركة مقارنة بالشهور السابقة، وأقصد هنا مشاركة يومياتي وبالتحديد ستوري سناب وإذا عرف السبب بطل العجب وهو غياب الدافع بالنسبة لي، حاولت المقاومة وكسر شرط (الوجود) بسنابات لا داع لها، وأنا بذلك عدت إلى 2020م وما قبلها. لا مشكلة لدي بذلك المهم ألا أتوقف عن التوثيق بصرف النظر عن المشاركة.

خرجت من هذه (العامين إلا شهرين) بالكثير حول مشاعل، أشياء لم أكن لأعرفها لولا خوضي هذه التجربة، كنت فعلًا متفاجئة من تفاصيل كثيرة ومحاولات الفهم هي العامل المشترك، ثم كومة من الأسئلة، كانت فترة أشبه ما تكون بالتنقيب وسبر أغوار العميق، بجوار ما حدث في العامين هذه أصلًا، أشبه ما كنت تحت مجهر أحاول فهم مشاعل من خلال ما تعبره. في أحيان كثيرة أنا أفهم، لكن هذا الفهم خلاف ما أريد أو أتمنى، فتأتي الانتكاسة، أعلم بأني في لحظات كثيرة بدوت (متناقضة) أو (غير مفهومة) بينما كنت أملك تفسيرًا أو دافعًا لكل ما يحدث، وأنا هنا لا أتحدث عن مشاعل وحدها، ما يدهشني أني أعي جيدًا تبعات الظروف، لكن تأتي لحظة يغدو فيها هذا الفهم وكأنه حائط يعيق الوصول، فتحدث انتكاسة جديدة! نحن نفهم لكننا في المقابل نريد! خرجت كذلك بأن لا يشترط أن يكون هناك مخطئ، إنما سياق الظروف والأحوال وطرق الاتصال لا تخدم بحال! ونستوعب أن ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، حتى مع وجود العذوبة، والفهم والمراعاة، والاستيعاب… أهو الطمع؟ طمع بمزيد من الجمال؟ ربما. الشيء المزعج الوحيد بالنسبة لي هو أن ماذا لو بعد كل هذا لم أُفهم كما أنا، ولا أعلم لم هذا الهاجس؟ ربما الأمل

وكأن فبراير بكل هذا قدم لي اليقين ذاك الذي يُقطع به الشك، اليقين الذي أستطيع الاتكاء عليه بدلًا من التذبذب في لدن الشك، حتى وإن كان يقينًا خلاف الذي أريده وأتمناه لكنه على الأقل (يقين) وواحدة أخرى من: لا بأس مشمش، لا بأس. أتوقع بانتهاء فبراير تهدأ الأمور، تعود الأيام لوتيرتها الروتينية الخالية من كل تلك المحاولات.

وفي الجهة الأخرى من فبراير، قرأت: مذكرات العمى/ رحلة عبر الظلام. وبدأت: يهود بلا مال + السطحيون: ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا. عدت للخياطة والتطريز ومحاولات حياكة حقائب قماشية والتلوين، شهر مليء بالكثير من الصور والكتابة والهواجيس، وبضع لقاءات، وفي المدرسة قضينا يومين من أجمل ما يكون، يوم التأسيس بمشاركة الطالبات وآخر يوم مفتوح للمعلمات فقط، فبراير كان شهرًا خاليًا من المشي والخطوات! ماذا أيضًا؟ بدأت أسلوب كتابة مختلف ويبدو أني متورطة بعض الشيء، الأول أسلوب موسوعي والثاني وصفي تسويقي.

اختم بما قالته روضة الحاج وكأنها كتبته عن لساني بعد كل تلك الثرثرة:

لا بأسَ
ليست تلك آخرَ طعنةٍ
فلكم أمضَّتنا مُدىً
ورماحُ
ولكم خُذلنا في الذين نحبهم
وتعاورتنا في الطريقِ جراحُ!
لا بأسَ
قد تعتادُ يا قلبي الذي
أعياه رغمَ بيانِه الإفصاحُ
فاصمتْ فقد يُنجيك حرفٌ أبكمٌ
ويجيرك الإضلالُ
لا الايضاحُ
أتعبتني وتعبتَ
هذا عمرُنا يذوي
متى يا صاحبي نرتاحُ؟

هواجيس الطريق

في الصباح وأنا في طريقي إلى المدرسة، وبينما أعيش حالة الخدر تلك التي تلي الاستيقاظ وتسبق اليقظة وكعادتي أتأمل كل ما حولي، لفتني اسم شركة غذائية تقدم مخبوزات اسمها (سائغ) وأراه اسم ذكي ومعبر.

١١:٤٠ص شعور الخفة مصاحب لهذا اليوم، الانعتاق من أمر ما مهما صغر يبقى له تأثيره على مزاجك، والأهم على حدود تفكيرك خلال يومك، وهذا ما أشعر به حتى بعد مرور ساعات فقط. هذه القشة التي قصمت ظهر البعير😊

مسودة لم تكتمل.