الإبهام.. الجندي المجهول

أعرف أهمية الإبهام، وأنه بمثابة الملك بين الأصابع، فلا تكاد تستقيم حركة بدونه أو دون بصمته الواضحة. ولهذا، حين كنت معلمة لعلوم الصف الثاني المتوسط، وما إن نصل إلى درس الجهاز العظمي، كنت أطلب من الطالبات عزل الإبهام ثم محاولة أداء أبسط الأنشطة اليومية، لنكتشف معًا دوره المحوري.

وأنا أعد إفطار اليوم السابع والعشرين من رمضان لهذا العام (1447هـ)، وخلال انشغالي بتقطيع الخضروات -وربما تحت تأثير الجوع- أصبت إبهام يدي اليسرى بجرح يمكن وصفه مقارنة بإصابات المطبخ، بأنه متوسط العمق، ليس سطحيًا ولا شديد الغور. لكن النزيف لم يكن اعتياديًا، بل ازداد قليلًا. تحاملت على نفسي واحتملت الألم حتى العاشرة مساءً، ثم ذهبت إلى المستوصف ظنًا مني بضرورة تعقيمه ولفّه طبيًا بدلًا من الحل المؤقت الذي قمت به في المنزل.

ومنذ ذلك الحين، بدأت ألاحظ -بطريقة شبه صادمة- أهمية إبهام يدي اليسرى. ومصدر الصدمة أنني، بوصفي (يُمنى)، كنت أعتقد أن يدي اليمنى، بكل ملحقاتها، هي سيدة المواقف كلها.

بعد إصابتي واضطراري لعزل الإبهام خشية أن يصله الماء أو يصطدم بأي شيء، اختلفت الأمور تمامًا. بدا لي وكأنه يعيش دور الجندي المجهول، ذاك الذي يبذل الكثير دون أن يُلاحظ أو يُشكر.

بصمة الآيباد التي تفتحه؟ ببساطة، هي إبهام يدي اليسرى، أثناء قيادة السيارة، أعتمد كثيرًا على يدي اليسرى، وبالتحديد حين يلتقي إبهامي مع سبابتي على المقود. ربط النقاب، تقليب صفحات الكتب، وتصفح الجوال.. كلها قائمة على يدي اليسرى والقائمة تطول، ولا أكاد أحصي عدد اللحظات التي أدركت فيها أهمية هذا الإبهام تحديدًا.. شعرت أنني كنت ظالمة، أميل لليمين فقط لأنه في اليد التي ظننت أنني أعتمد عليها أكثر.

حتى كتابة هذه التدوينة لم تسلم، اضطررت لفتح الآيباد إلى إدخال كلمة السر المكونة من ثماني خانات بدلًا من بصمته، ونقابي صار أوسع لأنني لا أحسن شده، وتعثرت في ترتيب الوضوء لأنني أضفت إلى خطواته الانتباه إليه، وحتى تصوير تفاصيل القهوة أو طبخة اليوم صار أصعب، لأن يدي اليسرى لم تعد تعمل بكامل ملحقاتها.

خلاصة هذه التدوينة: أقدّم اعتذارًا رسميًا ليدي اليسرى كاملة، ولإبهامها على وجه الخصوص، نظير دوره الجوهري كجندي مجهول… وأعدهما أن أكون أكثر انتباهًا، وأكثر عدلًا.

أضف تعليق