المسار الثاني من اليسار

المشي هو طريقتي الموازية للكتابة والتي لطالما اعتمدتها لحلّ أي عقدة في رأسي، وأفضّل منه ما كان بجوار البحر، ثم من فترة طويلة أضيفت مشاوير السيارة تلك التي تكون دون وجهة محددة وعادة ما يكون لطريق الملك عبدالعزيز النصيب الأكبر منها، وكأني بهذا أقصد قطع مسافات أبدد بها ما يشغلني.

أضيف إلى روتين بعض أيامي -مؤخرًا- ما يقارب ساعتين من قيادة السيارة بما يمكنني تصنيفه طريق سفر وإن كان قصيرًا في حسابات ما يعد سفرًا. لكن ساعتين تُقضى في مواجهة طريق ليست بالأمر الهيّن على الأقل لمن اتخذ كما قلت قبل قليل من قطع المسافات أسلوبًا للتفكير، كما أنها تلوّح لي من بعيد أمام محاولات السهر، تهمس لي: مشاعل، في اليوم التالي ينتظرك طريق، هل سهرك الآن مهم؟😏

طريق خماسي المسارات، اخترت منها بعد دراسة مستفيضة لسلوك قائدي السيارات، المسار الثاني من اليسار وذلك لأن الأول يرفع لدي هرمون الأدرينالين بطريقة سلبية وأنا أخشى من تأثير عادات الظل، التي نعتادها أو تعتادنا دون حرص منّا ولا ترحمنا في إثبات أثرها سواء على مزاجنا، نفسيتنا أو أي شيء آخر. المسار الثاني بالنسبة لي مثاليًا، يمكنني القيادة فيه بالسرعة القصوى المسموح بها دون اضطراري لمواجهة من (يكشح لي) ليكمل طيرانه، أما الثالث تبدأ فيه السرعة تقل عن القصوى مما قد يرفع ضغطك قليلًا، بالنسبة للرابع والخامس (أي أقصى اليمين) فلا حاجة للتعليق.

بعد الوصول للمسار الأمثل ها قد حان وقت العودة لهواجيس الطريق، لا، لحظة! قبلها كانت وما زالت تقطعني تأملات الطريق وبالأخص تكوين الجبال، أنا بطبعي متأملة أحب تفحّص الأشياء من حولي ومع الاختلاف الجذري بين تكوين جدة ببحرها وطرقها التي يمكنني وصفها الآن بالمسطحة مقارنة بما أعبر خلاله من جبال شاهقة، هو بالأحرى مدعاة لإطلاق النظر لولا الانتباه للطريق. كيف لمدينة أن تبنى بين الجبال هكذا؟ أحياء كاملة وبيوت وشوارع -الوضع عاادي وهم كذا بين الجبال- والله إنه لأمر عجيب! أطالع مشدوهة يمينًا ويسارًا وكأني لأول مرة أرى جبالًا.. لكنها حقًا تدفعك دفعًا لتفحصها، تزداد الحالة في المساء لأنها تتحول إلى ظلال بأشكال حادة ومن زواية نظرك دائمًا تبدو لا نهائية 🫨 ما زلت أعيش دهشتي وحيرتي وشهقاتي أمام وجود جبال وسط مدينة أو مدينة وسط جبال، وسأرى إلى متى تبقى؟ هل يمكن أن أعتاد على منظرها ويقف سيل التصوير والتوقف وإطالة النظر؟

تجسيدًا لدهشتي من وجود الجبال بهذه الكثافة في المشهد اليومي لمدينة.

والآن أعود إلى هواجيس الطريق، لكثرتها كدت أن أضيف تصنيفًا هنا في المدونة أوثقها من خلاله لولا خصوصيتها، فكيف الحال وأنا أمام ساعتين منها؟ في البداية انتهيت من كل المتراكم من الأسئلة الوجودية والمهنية ومشاكل النوم وجداول الأنشطة وتوزيع الوقت كما يجب أن يكون، صفّرت العداد. وبدأت جولة الأفكار كل واحدة تقول: نحن هناااا! أولها ختم القرآن استماعًا من بداية سورة البقرة واستمرت الخطة حتى انتهيت من النساء، ثم عدت لما كنت عليه من اختيار السور الأثيرة إلى قلبي. حتى الآن لا أثر للبودكاست على الإطلاق.. تأخذني تأملات الآيات بعيدًا وبعض الأحيان أعيد السورة من البداية لأن صوت ضجيج رأسي كان مرتفعًا. الحضور الطاغي لهواجيس الكتابة، تأتيني أفكارًا لو أمسكت ببعضها وحولتها فعلًا لنص وواقع كما أضاءت في رأسي….أقول لو، ولو تفتح عمل الشيطان.

ظهرت من جديد كذلك عاداتي التي أظنها غريبة واحتفظ بها لنفسي، كأن اتخذ نقطة في الطريق أعطيها دور العامل الضابط في التجارب، بمجرد الوصول إليها افترض كم تبقى من طريقي وأقارن، هناك نقطة في طريق ذهابي عادة ما يتبقى لي عند وصولي إليها ٢٨ دقيقة وأخرى عند عودتي وعندها يتبقى لي ١٨ دقيقة. وأكثر ما أثار فضولي، وجود أرجوحة خضراء في وسط البر! ليس بجوارها ما يستدعي وجودها. وأشياء غريبة أو محيرة تجعل من وجهك هكذا 🤨 قد أكتب عنها لاحقًا.

على الهامش:
هذه التدوينة كتبتها في رأسي أثناء عودتي قبل قليل، لم تكن بشكلها الحالي -وهي في رأسي- وتفلّت منها الكثير لكن هذا ما استطعت الإمساك به.

أضف تعليق