يناير 23

من هنا وهناك:

استيقظت اليوم باكرًا وكان الطقس باردًا لذا تناولنا وجبة الفطور من أمام البحر، وطوال الأيام الثلاثة الأولى من فبراير كنت أفكر في كتابة ملخص لشهر يناير، كالعادة كانت تأتيني الأفكار بل والعبارات كاملة جاهزة ورأسي على المخدة، لا طاقة لي حتى إلى كتابتها في ملاحظة الجوال.

مع بداية العام، أضفت بعض الأفكار إلى روتيني، منها ما هو يومي، وآخر أسبوعي أو شهري، الإضافة الأولى تتعلق بكتابة ملخص عند انتهاء كل شهر ميلادي، شرط ألا أبدأ الكتابة فعليًا إلا بعد انتهاء الشهر تمامًا. والجميل في الكتابة أننا من خلالها نعطي الأشياء حجمًا إضافيًا لما هي تشغله في الواقع، بمجرد أن فكرنا الكتابة عنها. مررت بتدوينات لأشخاص يكتبون تماما كما أريد، كل حدث صغير وعادي وعابر في أيامهم قادرين على تحويله إلى نص بديع، دون مبالغة: يمارسون الكتابة عن كل وأي شيء! عن الأشخاص والمواقف والكتب والحوارات والخيبات والأفكار والمشاهد والاقتباسات …. إلخ. هذا ما أردته، وكتبت فقرات حوله في رسائلي، حتى بالعودة إلى دفاتر يومياتي، تظهر وتتكرر هذه الرغبة، وهذا ما حصل في يناير، كتبت عدد جيد من النصوص القصيرة في دفتر يومياتي، يغلب عليها أسلوب الوصف، ما زلت بحاجة للكتابة أكثر، لاقتناص كل ما يمكن توسيعه في كتابة تضفي عليه لمسة أعذب!

تجاوزت معظم الأسبوع الأول من يناير، ولم أكتب يومياتي إلا في اليوم السادس مختصرة كل ما حصل، الثالث من يناير احتوى أكثر الأشياء التي رغبتها منذ عشرين شهرًا والحمدلله، الأمر أشبه بحلم لكنه حلم واقعي. وفي كتابة ملخص الشهر، يجدر بي ذكر ما فعلته، بداية أنا لا أحب التوكيدات بفكرتها الخالصة ولا أنتمي إطلاقًا لهذا النوع من التفاعل مع الحياة، حتى أني وبكل صراحة بحثت عن حكم شرعي حولها، الأمور العقائدية مخيفة بعض الشيء، بدأت كتابة بعض مما أردده، كان الأمر محاولة إمساك بما أقوله لنفسي دومًا، الكتابة قيد وتذكير، كنت بحاجة لإعادة سماع بعض القناعات.. كتبتها وأعدت قراءتها، العجيب أن لهذا أثر جيد، أرى أساسه (التذكر) عرّضت رأسي لما هو مغيب فكانت هناك استجابة جيدة.

كتبت رسالة طويلة واحدة، بدأتها وأنهيتها خلال الأسبوعين الأخيرة من الشهر، كانت مسودة طويلة.. لكن بقاؤها كثيرًا على غير العادة جعلني أرغب في حذف أجزاء منها واختصار أخرى، ما زال يدهشني فعل المشاركة، كيف ولماذا نرغب في مشاركة شخص دون غيره؟ غريب عجيب أمر الإنسان.

يناير يعني عودتي للقراءة، قرأت خلاله مجموعة من الكتب بشهية واسعة، النص والحياة ثم ماركوفالدو ثم قراءات من أجل النسيان ثم لن تتكلم لغتي وأخيرًا إعادة قراءة كتاب أسرار صغيرة. بدأت كذلك فكرة عمل قائمة في تطبيق Google maps للأماكن التي أذهب إليها بالطبع ليست كلها إنما المميز منها مع تقييمها وكتابة شيء قصير جدًا. مشيت في يناير كثيرًا، تطبيق الخطوات يخبرني بالجزء الذي يكون الجوال برفقتي، قاربت على 140 ألف خطوة، بمعدل 5000 يوميًا، لكني بالتأكيد أمشي ضعفها.

لحظات لا تنسى:

وصفها يختصرها، هي لحظة واللحظة لغويًا: الوقت القصير بمقدار لحظ العين. لكنها لحظة تحمل معنى يفوقها طولًا وعمقًا، وهنا بعضها وليس كُلها.

  1. في الحادي عشر كتبت: وفي غمرة شعوري المثقل تلقيت اتصالًا من — عند الساعة 7:51م حول — كان الاتصال كالماء للظمآن.
  2. في السادس عشر كتبت: طلب اتصال، ثم نص جميل ومكالمة لـ 18د حركة تعني لي الكثير، وجاءت في وقتها.
  3. العشرون: كنت في مقهى وكتبت كما لو أنها المرة الأولى التي أواجه فيها نفسي، ساعة من الكتابة وصفتها: المكان هادئ نسبيًا، على الأقل استطعت كتابة وتفريغ كل الزحمة والفوضى التي ملأت رأسي لأيام، ما زلت أكتب وأظنني سأستغرق مزيدًا من الوقت، ملئت دفتري بالكثير من علامات الاستفهام، هذه الأسئلة هي وأفكارها ما رافقني في جميع أوقاتي طوال الأسبوعين الماضية، وبالتحديد أثناء قيادة السيارة، كنت -على غير العادة- لا أريد الاستماع إلى بودكاست أو موسيقى، لا أريد أي صوت سوى رأسي! أو كما يقول ساراماغو: لا شيء من أي شيء. انتهت فترة (التخمير) وحان وقت إخراجها للنور، كتابتها، مواجتها والوصول إلى نقاط ترضي جميع الأطراف (أنا وأفكاري*ضحكة*) على الرغم من كونها فترة مليئة بالأسئلة، لكن في الجهة الأخرى.. هي فترة هادئة، لا انتظارات ولا توقعات، إنما لحظات وأيام لتعاش، وهذا فضل عظيم فالحمدلله دائمًا وأبدا.
  4. في الثالث والعشرون: كتبت نصًا في لحظة شعور كثيف، لحظة مختلطة من غضب وخيبة حولتهما إلى نص أدبي كتب بطريقة لا أعلم كيف وصلت إليها، أعجبتني جدًا إلى الحد الذي يمنعني من مشاركتها في أي مكان!!! قبل هذا اليوم كنت بحاجة للاطمئنان، ولاتصال لا من أجل تبادل أي شيء سوى الحال والأخبار! وحماسي واندفاعي كانا واضحين… ثم صار واتصلت، وبعدها ماذا؟ أُغلقت المكالمة في وجهي 🙂 لحظة عصية عن الفهم! حاولت إعادة صياغة ما حصل، ربما مشكلة في الشبكة، أو انتهت بطارية الهاتف أو حدث أمر ما… لم أرغب فهم ما حصل فعلًا! ولا أريد الإسهاب لأني حتمًا سأقول ما (يزعّل) فالأمر لا يبرر لو كنت أنا لقلت ببساطة: معليه بس حابة أقفل! أي شيء به لمسة ذوق أو أدب أو احترام، قد أتفهم لكن هذه المرة بالذات أصبت بخيبة لشعوري الذي يسبق هذا الاتصال، أتفهم لكن الزعل موجود، وعوضًا عن أي فعل كتبت ما يمكنني تصنيفه إلى أجمل ما كتبت منذ فترة طويلة جدًا. نص جميل بفكرته وهو لا يشبه الحدث في شيء إنما أشبه ما يكون بانتقام لي بطريقة أدبية هههههههه.

شخصيات:

كان على خلاف ما اعتدنا عليه من البشر، يجذبه إغلاق الأبواب والنوافذ الموصلة إليه، وإعادة القادمين إليه رجوعًا قسريًا إلى حيث أتوا، يشعرهم بثقلهم وغرابتهم التي هي ربما انعكاسًا لشعور ما يسكنه. الأكيد رغم كل هذا، أن ما هو عليه الآن، ليست نسخته الأصلية، أكاد أجزم بأن هناك نسخة أفضل مخبئة في مكان ما، قد تكون الظروف تحول دون ظهورها، لكن حتمًا موجودة.

معرض الكتاب الدولي بجدة_ 2022

صورة البداية مع حقيبتي وصورة الختام مع رفوف المدى، ويبقى ما بينهما للذكرى.

أخيرًا ها أنا ذا أكتب عن معرض الكتاب بجدة 2022، وهو ما يستحق الكتابة عنه إذ جاء مختلفًا هذه المرة، أولًا: لأنه أول معرض يقام بعد توقف استمر عامين بسبب جائحة كورونا، فآخر معرض بجدة كان سنة 2019. ثانيًا: لأني كنت خلاله المشترية إضافة إلى البائعة، خضت تجربة (بائعة كتب) لمدة عشرة أيام في دار المدى العراقية. ثالثًا: لأنه أقيم في موقع جديد (جدة سوبر دوم). كانت تجربة مكثفة عشتها بتفاصيلها، لكني لم أكتب عنها في دفتر يومياتي لأني كنت أعود مرهقة بعد يوم طويل ممتد منذ السابعة صباحًا إلى حوالي الحادية عشرة مساء، دوام في المدرسة وبعدها انطلاقة إلى المعرض.

أن أجرب بيع كتب، تجربة كاملة، تحمل في طياتها كل ما يمكن لبائع الكتب فعله، من التحدث إلى الزبائن إن صحت تسميتهم أو القرّاء، وتقديم اقتراحات، بعضهم يطلب اقتراحات وآخرين يكتفوا بقوائمهم، وبينهما من يلقي نظرة لا أكثر، وهناك من يخرج قائمة كتب ويغادرها بصمت، ومن يعدك بأن يعود لاحقًا، بعضهم يعود وأكثرهم يختفي، وتأكدت من أن بيع الكتب أو ملاقاة الجمهور يحتاج إلى مهارات إضافية، في الحقيقة كل مهنة لها مهاراتها الخاصة بها، والبائع بحاجة إلى طول بال لا قبله ولا بعده، وبائع الكتب على وجه الخصوص لأن فئة (المستثقفين) يحتاجون إلى حقيبة أخلاق إضافية تحملها برفقتك، عشرة أيام رأيت خلالها عجب العجاب، كما بالطبع كان هناك الجانب الأكبر هو الأجمل والألطف. أكرر مواجهة جمهور واسع أمر مرهق رغم الجمال الذي يحتويه!

اكتفيت في البداية بإخبار دائرتي الأصغر عن هذه الخطوة، وكنت أوثق يومياتي على ستوري سنابتشات عوضًا عن كتابة كل يوم فكما قلت كان الأمر مرهق للحد الذي منعني من الكتابة، ولأني لا أريد لهذه الأيام أن تذهب دون ما يبقيها فكان توثيقًا بالصور ومقاطع الفيديو القصيرة، وحتى مع عدم إخباري كانت سلسلة لقاءات لم أتوقعها، هي الأخرى وثقتها على تويتر، لم يمضي يوم دون لقاء واحد على الأقل. جميعهم دون معرفة مسبقة ودون تخطيط باستثناء من هم في ستوري سناب: زينب – رحاب – فطوم.

تجربة جمعت كل ما أحب فكانت كل تلك اللقاءات وما بينها أكثر، لم تكن لقاءات عادية، بالرغم من أن معظمها إن لم يكن كلها خاطفة سريعة، إلا أنها تعني لي الكثير بما شملته من (شهقات) وحوارات ونقاشات وضحكات. سعيدة جدًا وممتنة لكمّ اللطف الذي وصلني طوال تلك الأيام، ولكن لا أظني أرغب في تكرارها.

وأما عن حصيلة الكتب فقد خرجت بحصيلة واسعة، كنت أسير دون قائمة في معظم الأوقات، قليلة العناوين التي اخترتها لأنها ضمن قائمتي، يمكنني القول بأنها حصيلة غنية وتبقى لفترة جيدة أقل ما يكون إلى المعرض القادم بحول الله، غالبًا سأكتفي بها إلا إن اضطررت لكتاب تحت فكرة ما.

على الهامش:
حاولت كتابة مسودة عن التجربة خلال تواجدي في المعرض ولم أخرج سوى بالنص التالي أضعه دون تعديل:
أكتب الآن من اليوم الثالث لمعرض الكتاب الدولي بجدة، أجلس أمام طاولة البائع في دار المدى جناح V20، هذه الدورة للمعرض مميزة بالنسبة لي ولأسباب عدة، الأول أنه بعد انقطاع دام سنتين بسبب كورونا، آخر معرض حضرته كان 2019م، والسبب الثاني هو أني بائعة أو مسوقة لا أعلم ما المسمى الدقيق لجناح دار المدى طوال أيام المعرض، أي أني أحضر إلى المعرض كل يوم بحقيبتي الخاصة بالمعارض، أزور الجناح أول ثم أجد أقرب مخرج للحصول على جولة مطولة في المعرض كاملًا. أتواجد في الفترة المسائية، أي بين الرابعة إلى الحادية عشر أو أقل بقليل، اليوم وصلنا إلى اليوم الثالث..

وثبة

لصورة الطائر، قلت: كطائر وحيد، يفتعل الطيران.


أكتب الآن بعد مضي خمسة أسابيع على آخر تدوينة، لكن الأمر مختلف بالنسبة لدفتر يومياتي حيث كتب 22 صفحة، عدد صفحات جيد إذا ما أخذنا في الاعتبار كثافة ما احتوته. أكتب الآن، من صباح الأثنين في غرفتي لأننا نتمتع بالإجازة الفاصلة بين الفصل الدراسي الأول والفصل الدراسي الثاني، ونحن سكان جدة قد بدأت إجازتنا بيوم نسبق به باقي المملكة، كان لنا استثنائنا الخاص تبعًا للظروف المناخية وحالة مطرية غزيرة، أضافت إلى إجازتنا يوم الخميس، كما أن فوز المنتخب على الأرجنتين يوم الثلاثاء جعل الأربعاء إجازة، وعليه بدأت إجازة سكان جدة قبل الموعد المحدد بيومين.

قررت مع بدء إجازتي اعتزال تطبيقات التواصل الاجتماعي، وبالتحديد: سنابتشات – تويتر – انستقرام. لا لشيء، سوى لمزيد من التركيز كما أنني أرغب بالتقليل من المشاركة خصوصًا في سنابتشات على الرغم من أن المتواجدين في قصتي الخاصة لا يتجاوز عددهم العشرة أشخاص. أعتقد من الجيد الابتعاد بين الحين والآخر عن زخم التعرض لكل تلك التطبيقات، والإجازة فترة جيدة لذلك.

محاولاتي في استرجاع، أو تكوين روتين جديد ما زالت مستمرة، ينقصني التكيف مع ثبات أيامي الجديد، لكن الأسابيع الماضية احتوت على محاولات العودة للقراءة المنتظمة، و لمتابعة المسلسلات والأفلام، والبرامج الوثائقية، والمشي يوميًا، وضبط النظام الغذائي، وتنظيم أوقات النوم، وحفظ القرآن، خلق روتين ممتع وبسيط هو ما أسعى له دائمًا، الأمر الذي لا أعتقد بأني سأملّ منه في يوم ما، وهو بالضرورة مقياس لصحتي النفسية، إذ أني متى ما توقفت عن ضبط تفاصيل أيامي، أدرك وجود خطب ما.

بدأت -أخيرًا- قراءة الحرب والسلم مع مجموعة في تويتر، ما زلت متأخرة عنهم ويلزمني الانتهاء من المجلد الأول قبل يوم الأحد القادم حيث البداية المقررة للمجلد الثاني، وتمكنت بفضل الله التبرع بالدم للمرة السادسة، واحتفلت مع رحاب بالإنجازات الصغيرة التي لا يراها أحد، جربت قهوة V60 ليومين بعدها كاد قلبي أن يغادر صدري وتأكدت هذا النوع لا يناسبني، وعدت لفقرة وثائقي الجمعة، وجربت كتابة نصوص سردية بناء على كلمة واحدة، وخرجت أكثر من مرة خلال الفترة الماضية: ريم، واللقاء الأول المنتظر. زينب، وخلود، وآمال، ورحاب. ومشاوير من نوع: طريق طويلة + قائمة أغاني مفضلة + مشروب ساخن وامشي إلى أن يشاء الله، ورحلتين مرة مع الطالبات وأخرى للمعلمات فقط وكلتاهما كانت منعشة! كذلك حضرت ورشة عمل: كيف تعد كتابك للنشر؟ من تنظيم أدب مع هيئة الأدب والنشر والترجمة، وقضيت أوقات عائلية جيدة جدًا بالتحديد مع والدتي وجدتي حفظهما الله، ولا أنسى بداية جمال الطقس في جدة هذا وحده يعدل المزاج، ويسمح بالحصول على جرعات مكثفة من البحر، عدت إلى موكا كيان من جديد، الصدفة العجيبة أنها كانت إدمان الفترة نفسها من السنة الماضية بالاعتماد على تذكيرات سنباتشات.

قبل يومين، مضت سنتين على الحدث الذي غير حياتنا، على الانتقالة الكبرى، ودائمًا أنظر إليها من الجانب النفسي، أنا الآن أفضل بمراحل كبيرة قفزت قفزات واسعة عما كنته وما صرته، استعدت جزءًا كبيرًا من نفسية مشاعل وتعاطيها مع الحياة. كتبت في تويتر: إن كنت سأصف/ أكتب عن ٢٠٢٢، هي سنة استشفاء من أثر تبعات ٢٠٢٠، وأنا التي اعتقدت بأني (تجاوزت)، لأواجه خلالها (أغرب) حالات نفسية مركبة/ معقدة مررت بها. مجرد التفكير بالموضوع لمحاولة كتابته، يملأني حيرة واستغراب. أرى بأني نفسيًا داخليا كنت (هشة) كما لم أكن من قبل، وانعكس على تفكيري وتعاطي مع الأمور. لكن كيف استطعت مواجهة كل تلك المصاعب؟ كيف كنت أفصل بين مشاعل وبين ما يلزمني فعله مواجهته بكل تلك القوة؟ كان الاستمرار في الأعمال الروتينية العادية: دوام – جامعة أشبه بالعقاب. لم أكن في معظم الأحيان مشاعل، لا نفسيًا ولا فكريًا، هكذا باختصار. والآن من هنا، وبنظرة بانورامية: أنا في حالة دهشة حقيقية، وتعجب مما كنت عليه. نسخة جديدة ومختلفة من مشاعل خاصة بـ ٢٠٢١- وجزء من ٢٠٢٢.

كل ما أحرص عليه في الفترة الحالية، هو اللطف والامتنان وكل ما يقود إليهما، ألا تفقد الأمور المتكررة لذتها وجمال ما تحمله من معاني عظيمة. أكتب في دفتر يومياتي كل ما يشعرني باللطف من كلمات أو مواقف، وكذلك الحال مع الامتنان. والتروي والصبر أفضل ما يمكن أن يهديه المرء لنفسيه، وقبلهما الوعي بذاته، وأن يكون بمعزل عن تأثير الناس من حوله في قناعاته، مبادئه ورؤيته للحياة، والموازنة بين المرونة والصلابة النفسية. لا يهم أن نتعثر، لكن ألا نسقط على الإطلاق، تبدو عبارات معلبة لكني شعرت بها وما زلت وسأبقى. ولهذا كتبت: نمر بظروف ومواقف وأشخاص يتركوا أثرهم فينا، يمكن نضعف وتنهز عندنا شغلات كثيرة، نتفاجئ ونحتار! لكن معليه.. مؤقتًا ولفترة قصيرة، هذي ضريبة درس محترم وعلامة فارقة في شخصياتنا. المهم إنها تبقى شيء مؤقت وعابر، ونرجع بعدها لطبيعتنا واللي كنا عليه.

على الهامش:
31 يوليو: استغرقَ عمرًا في انتظار لمحة بينما هو يستحق التفاتة كاملة.
10 نوفمبر: لا تنتظر لمحة أو التفاتة ممن لا يراك، لا تنتظر شيئًا على الإطلاق. التفت أنت لمن يراك.

من تجربة لأخرى

صارت كتابة يومياتي أسبوعية أكثر من يومية إلا مع بضع لحظات تدفعني للكتابة حينها.
سرد أحداث الأسبوع كاملة دفعة واحدة، يحفز الذاكرة للإمساك بما تود إبقاءه مدة أطول، على الأقل إلى آخر الأسبوع، لكن في المقابل هناك لحظات تتفلت كانت ستبقى لو كتب كل يوم بيومه.

أعود للأسابيع السابقة، ليست بعيدة عن اليوم، ستة أسابيع فقط وأرى اختلاف ما كتبته فيها عن اليوم بما قد يصل إلى الضد. عشت كما قلت سابقًا تجربة مختلفة تمامًا جعلت أيام عملي تمتد من السادسة صباحًا وحتى السابعة مساء ثم حدثني عن تبعات ذلك نفسيًا وذهنيًا وجسديا! لم يكن الأمر سهلًا على الإطلاق تجاوزت صعوبته ما افترضته قبل البداية، وصرت أعاني من إرهاق متصل وقلة نوم ورأس مثقل وصمت يحيط بمعظم إن لم تكن كل أوقاتي ومزاج حاد، كتبت أثناء ذلك في دفتر يومياتي الكثير، كنت بحاجة للكلام لكن حلقي يؤلمني وإرهاقي يمنعني من خوض أي محادثات وإن وجدت نفسي في واحدة منها أختصرها إلى أقصر ما يمكن. باختصار لم أكن مشاعل وخفت من ذوباني إن استمرت هذه التجربة لفترة أطول كما لم أكن أرغب في المغادرة فورًا، أردت البقاء إلى وقت مناسب. لن أنكر، كان هناك لطفًا يخفف علي في لحظات عابرة، لكنه لا يقارن بحجم ما عانيته.

عدت لقراءة ما كتبته لأقارن ووجدت بأن قلة نومي والإرهاق هما أكثر ما تكرر خلال تلك الفترة كاملة.
في يوم كتبت:
تحديث 8:56م الحياة صعبة جدًا ولوصف أدق، الحياة وما فعلته في نفسي يجعلها صعبة، أسبوع سيء وحاد على الصعيد النفسي والجسدي، نومي سيء فقط 5 ساعات في اليوم ومهام كثيرة في كل الأوقات ومن كل الجهات، جهد مضاعف تجاه كل شيء. أكتب وأنا مثقلة ومحبطة وشعوري متضخم جدًا.
وبعد أربعة أسابيع مما نقلته أعلاه كتبت:
تبدو الحياة صعبة مؤخرًا بالنسبة لي، هي هكذا منذ أن بدأنا الفصل الأخير والذي يعود إلى آخر 2020م. عاد شعوري بمدى صعوبتها منذ بداية الفصل الدراسي الحالي وذلك لأني………. نتيجة لكل هذا أشعر أني تحت ضغط عال!
هذا بعض مما كتبته أثناء الستة أسابيع الماضية، كل ما أقوله الآن هو الحمدلله أن الله أنجاني من غير حول مني ولا قوة، كنت أعي أثر ما أعيشه على حياتي كاملة، على شخصيتي ونفسيتي وصحتي ومزاجي ورأسي، النوم وحاله السيء هو سيد الهموم وانعكاسه يغطي كل يومي فيزيد الطين بلة، كنت أفكر في الأضرار الجانبية، فيما سأفقده من قراءة ومشاهدة وأوقات راحة وهوايات مع استمرار الوضع الحالي، وما الذي يمكنه أن يتغير أو يحدث وهل يمكنني العودة بعد انتهاء كل هذا؟ لم تكن النهاية حاضرة إلا كطيف فكرة دون إجراء متخذ.

كان هذا حالي إلى نهاية الأسبوع الماضي وبالتحديد يوم الأربعاء 12 أكتوبر. أما الآن، أكتب من الجهة الأخرى، من تجربة جديدة ومختلفة تمامًا، ساقها الله لي بأفضل ما يمكن. بوادر هذه التجربة كانت من منتصف أغسطس لكنها لم تصل إلا في منتصف أكتوبر، ربما تأخرت لأدرك جيدًا قيمتها ومعناها أمام ما خضته من قبل. عاد خطي في دفتر يومياتي إلى حجمه الطبيعي بعد أن كان كبيرًا جدًا يمثل حجم غضبي وحزني، وعادت الكلمات متقاربة إلى ما كانت عليه بعد كل تلك المسافات الفاصلة بينها، هذه أولى علامات التحسن التي لمستها وأنا أكتب أسبوعي السابق. سبحانه جل في علاه يبدل الحال بين ليلة وضحاها. ممتنة لله لدرجة لم أصل إليها من سنوات، هذه النقلة ما زلت أستشعرها وأعيشها من أعمق نقطة في قلبي. ما عشته لن يكون عابرًا وأحتاج على الأقل ستة أسابيع أخرى أوازن بها ما مضى، بالطبع سأخرج منها بمعاني تبقى دروسًا في حياتي، أحتاج إلى تأملها ومن ثم كتابتها. ما أود قوله الآن هو ضرورة أن يدرب الإنسان نفسه على مهارة (المرونة النفسية) ولا شيء أرغب في إضافته إلى وقت لاحق.

تجربة غزيرة وكثيفة والحمدلله دائمًا وأبدا.

للأربعاء حلوته

-1-
عاد للأربعاء حبه القديم، بسبب تجربة جديدة أخوضها منذ ستة أسابيع صرت أنتبه أكثر لوصول الأربعاء كما لو أن قدومه إعلانًا لبدء نهاية أسبوعي وعاد بذلك ظهور حبه الكامن فينا منذ أن كان لسنوات هو آخر أيام العمل قبل أن يسحب الخميس البساط من تحته.

كتبت حينها في دفتري:
هذا الأسبوع ثقيل جدًا، أجلس الآن أمام نافذة كبيرة في مقهى جديد لا أعرفه سوى أني كتبت في تطبيق خرائط جوجل: مقهى. ليظهر لي أقربهم يبعد ٣د.

مقهى جديد أجلس فيه وحدي بمعنى لا رفقة معي كذلك أنا (الزبونة) الوحيدة، طلبت قهوة سوداء ثقلها من ثقل أيام هذا الأسبوع. القهوة المرة (السوداء) ليست سيئة، لأول مرة أشعر بذلك وتبدو مرارة الأيام قد غلبتها!

-2-

دفتر يومياتي الحالي أكتب فيه منذ أول مايو، يعني منذ أربعة أشهر ونصف. طالت مدة استخدامي له عن الوقت المتوقع والذي عادة ما يستغرقه كل دفتر أن يكفي يوميات شهرين إلى ثلاثة. مع ذلك غطى فترة مختلفة وممتلئة بأحداث أساسية ومهمة على رأسها تخرجي وتجربة مميزة أعيشها كما قلت منذ خمسة أسابيع. إذا استمريت بنفس وتيرة الكتابة، فأتوقع أن يكمل شهرين إضافية. أخيرًا، هذا القلم مفضل ⭐️ جاءني هدية من فطوم، أحضرتْ لي منه اثنين وبحثت عنه لكني لم أجده، لم يكن بحثًا جادًا لأن لدي آخر احتياطي.

عوضًا عن رسالة 💌

-1-

أهلًا! أكتب الآن من مساء يوم الأحد، أكتب وقد هدأت بعدما كنت أشبه ما أكون على فوهة بركان أو أن فورانه كامن بداخلي. وهذه الجملة الأخيرة يلزمها تفسير بسيط وعودة للوراء قليلًا. كانت الأمور على ما يرام إلى مساء السبت وبالتحديد الساعة الحادية عشرة مساء وأربعون دقيقة، حينها تلقيت خبرًا بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. دخلت في حالة حادة لا مجال لذكرها هنا، لكن لو كنت أكتب رسالة طويلة لأسهبت. نعود إلى القشة مرة أخرى، بينما كنت أستعد للنوم وقد تأخرت، قلبت موازيني.. حاولت عبثًا تهدئة الأمور ونفسي ولكن دون فائدة! في حالة كهذه عندما أصل لقمة شعور ما، كنت دون تفكير أتجه إلى البريد لتفريغ ما أشعر به، نقله كاملًا مني إلى حروف تحمل عني ثقل ذلك الشعور. أكتب وأكتب وأكتب دون أي اعتبار يذكر أو فلتر يمنعني إنما أطارد المعاني حتى أنقلها وأتخلص منها وحينها فقط أهدأ. وأنا هنا لا أبالغ إن قلت هذه طريقتي التي اعتمدتها لسنوات وبالتحديد من 2013.

-2-
كتابة الرسائل الطويلة شأن أساسي في أيامي وهو أمر قد تحدثت عنه كثيرًا، إلا أن رسائل مسقط أمرها مختلف تمامًا. بدأتها في منتصف سنة 2013 مع صديقة عُمانية وبالتحديد من مسقط. كنا نكتب لبعضنا في كل حالاتنا، أشدها فرحًا وحزنًا وهشاشة وقوة. ثم لسبب لا نعلمه أو ربما لا سبب سوى أن انقضت هذه التجربة الطويلة والجميلة، كانت آخر رسائلنا مع ظهور كورونا أواخر 2019 إلى منتصف 2020، سبع سنوات من الرسائل الطويلة وبمجموع 136 رسالة متبادلة! عدت إليها وأنا أكتب هذه الكلمات لإلقاء نظرة لا أكثر. حسنًا، ستبقى تجربة الرسائل المسقطية هي التجربة الخام للمراسلة. تذكرتها بالأمس وأنا أقاوم رغبة بداية كتابة رسالة تلخص حالتي وما كنت عليه، أغالبها بنوم يزاحمه أرق! فوضى. إذا هذه المرة انتصرت وبجدارة على إلحاح الكتابة ذلك الذي يأتيني في كل مرة لأقول: يلا مشاعل! هذه ستكون الرسالة الأخيرة. إلا أنه وياللعجب آخر رسالة بعثتها لم أفكر في حينها بأنها ستكون الأخيرة لكن يبدو أنها كذلك -إلى الآن على الأقل-

-3-
ولأني لم أكتب البارحة ثم نمت، استيقظت اليوم -بكل واقعية- وأنا أحمل معي ذات الشعور الذي نمت عليه. رافقني إلى منتصف النهار تقريبًا. وأعلم جيدًا لو أنني استسلمت وكتبت لما استيقظت بذلك الحال. ولكن لا بأس، لابد من نقطة توقف، لن أنكر بأنها بالنسبة لي كانت من أجمل ما كتبت. ليس على مستوى اللغة إنما الشعور والفكرة. إلا أن هذا الانطباع قد اختفى مؤخرًا. لم تعد رسائلي كما كانت، لا بخفتها ولا تنوعها ولا محتواها أي مما اعتدته فيها، ولأسباب أخرى كان لابد من توقفها. وهذا التوقف لم يكن سهلًا وحتى هذه اللحظة أخشى ظهور شعور قوي يحرضني للكتابة وأنصاع لأمره وأكتب ثم أرسل! ولكن سأحاول بكل ما أملكه من تحكم بالأمور، أن أكتفي بهذا الحد، صار وكأنه توقف ضروري أكثر من كونه اختياري.

-4-
الحصول على متلقي لرسائلي ليس بالأمر السهل، فأنا أعرف معنى أن أنسكب أمام قارئ هناك في الجهة الأخرى يطلع على أحوالي ويومياتي وتفاصيلي الدقيقة مما لا يعرفه عني أقرب ناسي وأحبابي. لم أحظى بحرية الكتابة كما كنت مع المسقطية ثم مؤخرًا منذ عام ونصف مع س. غ. وهذه الأخيرة صادف أنها شملت فترة احتوت على أحداث وتغيرات محورية في حياتي لذا كانت رسائل من العيار الثقيل جدًا. حتى الآن لم أكتب كما كتبت في هاتين التجربتين وفي الحقيقة يصعب بحال من الأحوال الوصول لمتلقي جديد، على الأقل في الوقت الحالي، كما لا أتقبل فكرة (الانكشاف) على (شخص جديد) لذا سأتوقف مؤقتًا عن المراسلة وقد يطول هذا المؤقت ولا بأس في ذلك إلى حين الوصول لمتلقي تتوفر فيه الشروط والأحكام. هذا التوقف أشبه ما يكون بحبس أو منع ماء جار عن إكمال سيره، ما الذي سيحدث؟ بالضبط هذه الأعراض الجانبية شديدة اللهجة ترافقني وعلي الوقوف أمام أي نزعات عودة وتراجع! والأمر ليس بالسهل على الإطلاق. لكن دفاتر يومياتي يمكنها استقبال تلك الرسائل لأن محتواها محال أن ينشر في المدونة، إما رسالة أو دفتر وسيكون الأخير موطنها كما كان من قبل. وٍسأكتب هنا في مدونتي ما يقبل المشركة.
أكرر، الأمر ليس سهلًا كما أنه غير مستحيل.

Absence

-1-

أكتب الآن في زمن الحصة الخامسة تقريبًا من يوم الأحد، أكتب من مكتبي في البيت. استيقظت لصلاة الفجر برأس مثقل أكثر مما يمكنني تجاهله، وتساءلت كيف يمكنني إكمال يومي بهكذا رأس؟ لذا قررت الغياب والحصول على بضع ساعات نوم إضافية علّها تقلل من حال رأسي.

-2-
بدأت الخميس الماضي قراءة (كتاب الكتابة) لإبراهيم نصر الله، والدافع وراء ذلك هو أن لي ما يقارب الشهر وأنا أعيش فترة مثالية مع الكتابة. والمثالية هنا فيما يخصني بعيدًا عن أي تقييمات أو تصنيفات. سبع مسودات هنا في المدونة وثلاث في البريد وعدد لا بأس به من ملاحظات الجوال وأكثر شهر كتبت فيه رسائل طويلة ولا ننسى بالطبع دفتر اليوميات . كنت أقضي وقتي بالكتابة عن كل ما يحدث حولي أو يخطر في بالي من فكرة أو تساؤل أو حدث، صادف هذه الرغبة بالكتابة غزارة أحداث وضيق وقت للتفرغ لكتابتها، مع ذلك كتبت.

وكعادة ما يحدث معنا حين نركز على أمر ما، يبدأ بالظهور في كل مكان، هذا ما حصل معي بالضبط، لأني قررت التركيز على القراءة حول الكتابة، بدأت ملاحظة كثرة النصوص والمقالات والاقتباسات من حولي والكل يعرّج على الكتابة. قنوات تلقرام وتغريدات تويتر ومدونات أتابعها.

-3-

في إحدى مقالاته يتحدث إبراهيم نصر الله عن نقطة تحوله من الكتابة على الورقة البيضاء والقلم الأسود إلى جهاز الكمبيوتر. وأتذكر رفضي السابق وعدم تقبلي فكرة الكتابة على الكمبيوتر مباشرة إلى أن أنشأت مدونتي 2019 وبدأت الكتابة على الجهاز مباشرة ووجدت أني أسهب أكثر! لاحقًا بعد فقدي لثلاث أرباع دفاتر يومياتي، زادت كتابتي على الكمبيوتر بشكل ملحوظ. وصارت في شكل رسائل مطولة وبالطبع هنا في المدونة، لكن لا أستطيع الاستغناء تمامًا عن الدفاتر، هناك أكتب ما يستحيل بحال من الأحوال كتابه في رسالة أو مدونة. هناك أساس الكتابة الحقيقية. وبالصدفة قرأت تدوينة لنوف تتحدث فيها عن ذات الفكرة بطريقة مختلفة.

-4-

أكثر ما أكتبه يندرج تحت اليوميات لكنها ليست توثيقًا للأحداث فقط وإنما ما بينها، محاولة الإمساك بما هو مؤقت وسريع التفلت لكنه يصنع فرق كبير. تسجيل للأفكار وعلامات الاستفهام التي تكاد تأكلنا والحيرة والمشاكل بحلولها، للحياة بأكملها من منظورنا وزاويتنا الشخصية. أساس ما نكتبه هو لنا ومن أجلنا ولا بأس بمشاركة بعضه أو جعله متاحًا للعابرين من مكان ما. الكتابة هي الموضوع الذي لا أمل القراءة/ الكتابة عنه. تأتيني لحظات أشعر بالممل من القراءة أو القراءة عنها والاقتباسات حولها تصيبني بالاشمئزاز في بعض الأحيان إلا أن الأمر مختلف تمامًا مع الكتابة. قد أتوقف عن الكتابة لكن زهوها حاضرًا معي دائمًا. وحين أتأمل قليلًا، أجدني أفكر وأحاور وأناقش وأوضح وأرتب و و و أكثر ما يكون بالكتابة. الكتابة حياة.

على الهامش: الأحد اليوم بحلة الثلاثاء، إذا أن الأربعاء والخميس إجازة اليوم الوطني أدام الله سعوديتنا بخير حال.

مشاوير يا قلبي العنا..

-1-

بينما أنا ماضية في مشاويري والتي تضاعفت مؤخرًا، وقفت اليوم عند إشارة وبجواري سيارة بها ثلاث بنات في المرحلة الابتدائية ولأن الإشارة التعيسة أغلقت مرتين ونحن ما زلنا ننتظر دورنا للعبور. في البداية تبادلنا الابتسامات ثم ما لبثن يطلقن بأيديهن كل إشارات القلوب وكنت أرد على كل حركة بمثلها إلى أن وصلن إلى أكثر الحركات حداثة والتي عرفتها من تيك توك لكني لم أجرب فعلها! حاولت لكن الشكل الظاهر أقرب ما يكون لمثلث منه إلى قلب وشعرت بذلك النوع من الفجوات بين الأجيال.

انعتقنا من الإشارة أخيرًا ومضيت خلفهم مع سيل جارف من التلويحات والقبلات والقلوب والالتفاتات والابتسامات الواسعة التي انتهت بانعطاف والدهم عكسي إلى اليسار. يلزمني قول: حدث كل هذا عصرًا وأنا أقاوم حر جدة الخانق وذلك بعدما قرر مكيف السيارة إخراج هواء أكثر حرارة من طقس جدة! هذا الموقف العابر، حسّن من مزاجي ولو قليلًا.

-2-

كانت مشاويري كثيرة خلال هذا الأسبوع وقضيت في زحمة جدة أوقاتًا طويلة إلى درجة أن تمكنت من حفظ الوجه الأول من سورة التحريم بمجرد سماعي له دون النظر إلى المصحف. وكنت في معظمها إن لم يكن جميعها وحيدة أواجه هواجسي حول البديهيات من الأفكار. لكن كنت بحاجة إلى تذكير نفسي بأن ما أعيشه أي كان لا أحد يعلمه وحتى وإن علموه فهم لا يدركوا منه إلا القشور لذا لا يجدر بي بأي حال من الأحوال أن أسمح بتأثري حول ما يحدث منهم/ معهم. طالما حجم الجهل بالأمر أكبر من العلم به لا داع للقلق وترك مساحة للحيرة غير المجدية. وإن تقاطعنا في مكان ما هذا لا يعني بالضرورة أن نكمل ونحن نسخًا مكررة لبعضنا البعض. وألا أسمح لما يزعجني بالاستمرار تحت أي سبب. وبالطبع المقارنات مرفوضة قطعًا!

عودة *طبيعية*

مرفقات اليوم الأول

أهلًا! صباح الخير، وعودًا طيبًا.

ها أنا ذا أكتب من مكتبي في غرفة المعلمات وقد عادت الطالبات وعادت معهن الحياة للمدرسة. أكتب لأوثق عودتنا وهي طبيعية مختلفة عن سابقاتها. تذكرنا بآخر مرة عدنا فيها إلى المدرسة كما اعتدنا لسنوات، حيث كانت في 2018 هي آخر سنة عدنا خلالها إلى المدارس كفعل طبيعي يتكرر كل عام. ثم جاء تعليق الدراسة في بداية 2019 ومنه إلى عام ونصف من الدراسة عن بعد. 2020 كانت سنة دراسية كاملة عن بعد ثم عدنا 2021 لكن كانت عودة مختلفة تمامًا، مليئة بالتعليمات والإجراءات الاحترازية والحفاظ على المسافة الآمنة والكمامة، لا مجموعات في الفصول والكثير من الأنشطة الممنوعة.

الآن وأخيرًا عودة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بدءًا من الاستعدادات نحن كمعلمات والفقرة الأهم التي منعنا منها العام الماضي: الهدايا.

من عاش كل تلك التغيرات والتي أراها عظيمة خلال فترة قصيرة بين 2019-2022 يدرك جيدًا عظيم نعمة العودة بشكلها الطبيعي. اشتقت للعطاء دون قلق أو توتر أو خوف، أن أقضي وقتي مع طالباتي دون قيود أو اعتبارات كثيرة.

سعيدة جدًا بهذه العودة والحمدلله على فضله وأسأل الله أن يكون عامًا حافلًا بالتعليم الممتع والتجارب الجميلة وبالتأكيد مكللًا بالنجاح والتوفيق.

بالنسبة لي فإنها سنة مميزة، أولًا: لأنه ولأول مرة منذ أن صرت معلمة توكل إلي مهمة رائدة فصل، مهمة جديدة والأجمل أني وآمال نتشارك مسؤولية الفصل نفسه. ثانيًا: أول سنة دراسية دون أن أكون فيها طالبة ويا لجمال الشعور، شعور الخفة.

طالبات الصف الثاني متوسط هذه المرة مميزات كذلك، ستكون هذه السنة الثالثة التي أدرسهم بها. المرة الأولى في الصف الرابع ثم في الصف الأول متوسط والآن في الصف الثاني متوسط. كذلك الحال مع طالبات الصف الأول متوسط سيكون لقاؤنا الثاني بعد الصف الرابع. وأظن قد تبقت لي دفعتين فقط ممن درستهم في الصف الرابع أنتظرهم في الصف الأول متوسط بإذن الله.

متفائلة والله يتم علينا بالخير.

مهمة أدائية

يبدو نحن المعلمات إذا ما ذهبنا في عطلة وأقصد بـ نحن: أنا وفاطمة. نشتاق إلى مهامنا، وكمحاولة لسد هذا الفراغ الحاصل نكلف أنفسنا بواجبات منزلية. أكتب هذه التدوينة بناء على اقتراح نتج من لقائنا اليوم، كذلك من جهتها فطوم هي الأخرى ستكتب. على كل واحدة وصف يومنا بطريقتها.

في بداية اليوم عادت لي فكرة أن سناب قائم لدرجة كبيرة على يوميات المدرسة وهذا يعني بالضرورة حصول فرق هائل في الإجازة. تحدثت بعد ذلك عن جمال كتاب أقرأه سرقته من فطوم، ثم سألتها : متى نتقابل؟ في بادئ الأمر أرجأنا الموعد إلى وقت لاحق وفقًا لإفادة الآنسة فاطمة لأنها تريد قضاء أطول وقت ممكن مع حضرتنا! ويا للهناء. لاحقًا، إذ بي أفاجئ باتصال منها بينما كنت غارقة في قيلولة العصر، وباتفاق سريع وفاصل زمني قصير لا يتجاوز الأربعين دقيقة كنا قد اتفقنا أن نلتقي في كافيين لاب عند الخامسة والنصف مساء.

وصلتُ قبلها ربما بعشر دقائق واخترت ذات الطاولة التي كلما ذهبنا إلى هناك نجلس إليها، يمكن لتلك الطاولة أن تكمل عنا أحاديثنا كأن تقول لفطوم ها أنت هنا تخالفين ما سبق وتبنيته من قناعة في هذا الموضوع! ليس في لقائكما الأخير إنما الذي يسبقه. طاولة في الركن بجوار نافذة تطل علينا ببضع خيوط من شمس النهار. لم أطلب حتى تصل بينما هي ما زالت بنسخة المقهى القديمة إذ تعتقد بأنه يتوجب علينا الطلب من الأسفل في حين أننا نجلس في الطابق العلوي: فطوم أطلعي الطلب صار من فوق!

للمرة الأولى أوثق لحظة وصولها، كانت تحمل كيسًا (قصيرًا) يظهر طرفي كتابين، تمايلت وهي تسير: دايمًا معانا كتب. صحيح، كنت أحمل معي كتابها: شجرتي شجرة البرتقال الرائعة.

فاطمة يعني الأحاديث العميقة والجادة تمتزج بها ضحكاتنا وحسها الفكاهي وأسئلة الإجازة وتطورات الحياة وآخر التحديثات وما توصلنا إليه من قناعات ووجهات نظر، أن نتحدث عما نحب من قراءة وكتابة ومشاهدات ومواقف حياة. يعني أن ننتقل من موضوع لآخر بانسيابية فائقة مع حدوث بعض ثغرات مقاطعة سريعة تخلف نسيانًا مؤقتًا لما كنا نقوله. كان لقاء طويلًا كما أرادت، كوبي قهوة ساخنة وقطعة حلا صغيرة -لم تعجبني- انتهينا منهما على مهل ثم طال بنا الوقت لتطلب كل واحد طلبها الثاني، أنا كوب ثلج وهي قهوة سوداء كسواد قلوب البشر ههههه. كان كوب الثلج ممتلئ وحباته كبيرة، خدّر لساني والمتضرر الأول حرف الراء الذي لاحظته فطوم: اتحداك تقولي حرف الراء؟ انتي ايش اسمك كامل؟ وتقلد كلامي غير الواضح عندما أتحدث وفمي ممتلئ بثلجة عملاقة.

أحب صور المقاهي على وجه الخصوص، لا يكلف الأمر سوى رفع هاتفي لأحصل على أجمل صور، الأمر بسيط جدًا عندما ترغب في التقاط صورة في مقهى ويعود هذا لجمال المكان عادة. صورة أخيرة وكل شيء على الطاولة فارغ، سألتها: فطوم ايش عندك تعليق مناسب؟ وبسرعة بديهة قالت:
مروا خفافًا
على ما شفّ من لغتي
ثم اطمأنوا إلى الأعماق
فانغمسوا*


الله! لمن؟ ثم فتحت هاتفها وقرأت القصيدة كاملة، التقى جمال شعر محمد عبدالباري مع صوت فطوم في مقهى مفضل، لحظة بهاء بتركيز عال. إذًا تعرفت على قصيدة جديدة جميلة كعادة ما أعرفه منها.

أخيرًا، ولقضاء مزيد من الوقت برفقة الآنسة قمت بإيصالها إلى منزلها لنحظى بما يقارب نصف ساعة إضافية نطرب خلالها بسماع ما لا نقاوم التمايل معه.

*والآن أنتظر وصف الآنسة، سأشارك رابط مدونتها فور نشرها. *

هنا واجب فاطمة، واكتمل المشهد.