وهم

تلاحظ نفسها فجأة وهي تقتات على فتات نصوص عابرة، بقايا ردود مقتضبة ورسائل صوتية غائرة، هي كل ما تملك. عندما يدعوها الاشتياق، تعيدها مرارًا وتكرارًا في محاولة لإشباع شوقها النهم. لكنه لا يفتأ يطلب المزيد ولا مزيد إلا الموجود. تمرر إصبعها لتقرأ أو تسمع ما قد حفظته، تعرف متى تكون لحظات الصمت أو الاسترسال، تعلم ما الكلمة التالية وكيف نَطَقها وأين كانت الفاصلة من ذلك السطر. وتتساءل: ماذا لو ظهر فجأة عدد مرات قراءتها أو سماعها لتلك الردود؟ ما الرقم الذي ستحققه؟ تفكر كم يقابله من كيلومترات؟ وتحيله لمسافة مقطوعة تفصلهما، لتتذكر كم تبدو بعيدة جدًا رغم وهم القرب الذي تعيشه في كل مرة للحظات.

لا شيء

لا شيء، سوى أنها تشعر بالوحدة مؤخرًا أكثر من قبل. أو بمعنى أدق صارت الوحدة ترافقها، تظهر كأنيس مخلص في كل لحظاتها التي تكون فيها وحدها وهي ليست بالقليلة، كشبح يحيط بها ليفكرها بمدى مخالفتها كل هذه الحشود من حولها. لكنه يقطع هذه الوحشة، هو ضبابي وغائب وحضوره لم يتجاوز هيئته التي تعرفه بها، طيفًا يومض كمصباح مهترئ. هي من اختارت له أن يكون (هنا) على الرغم من حرصه الدائم ألا يبرح (هناك).