دائرة

متأخرة عن كل الأشياء وتجاه كل الأشخاص كما لو أنها في غير زمانها، كما لو أنها قررت التخلف عن الكل دفعة واحدة. لا تنام ولا تنجز مهامها -لكثرتها- وتركض في سباق دائم ولا وقت فراغ لديها. رأسها دائم التفكير والأسئلة لا تتوقف وحيرتها تكبر. تشعر أنها تضخم التفكير بأمر ما، هذا هو الواقع وما يزعجها علمها بذلك، تفكر لابد أن يعود كل شيء إلى حجمه الطبيعي، إلى ما يناسبه وهذا يعطيها شعورًا حادًا لكن لابد منه وضروري ولازم! أخيرًا تشعر أنها تدور في ذات الحلقة وكل شيء يتكرر مخلفًا أثرًا أعمق.

وهم

تلاحظ نفسها فجأة وهي تقتات على فتات نصوص عابرة، بقايا ردود مقتضبة ورسائل صوتية غائرة، هي كل ما تملك. عندما يدعوها الاشتياق، تعيدها مرارًا وتكرارًا في محاولة لإشباع شوقها النهم. لكنه ما فتئ يطلب المزيد ولا مزيد إلا الموجود. تمرر إصبعها لتقرأ أو تسمع ما قد حفظته، تعرف متى تكون لحظات الصمت أو الاسترسال، تعلم ما الكلمة التالية وكيف نَطَقها وأين كانت الفاصلة من ذلك السطر. وتتساءل: ماذا لو ظهر فجأة عدد مرات قراءتها أو سماعها لتلك الردود؟ ما الرقم الذي ستحققه؟ تفكر كم يقابله من كيلومترات؟ وتحيله لمسافة مقطوعة تفصلهما، لتتذكر كم تبدو بعيدة جدًا رغم وهم القرب الذي تعيشه في كل مرة للحظات.

لا شيء

لا شيء، سوى أنها تشعر بالوحدة مؤخرًا أكثر من قبل. أو بمعنى أدق صارت الوحدة ترافقها، تظهر كأنيس مخلص في كل لحظاتها التي تكون فيها وحدها وهي ليست بالقليلة، كشبح يحيط بها ليفكرها بمدى مخالفتها كل هذه الحشود من حولها. لكنه يقطع هذه الوحشة، هو ضبابي وغائب وحضوره لم يتجاوز هيئته التي تعرفه بها، طيفًا يومض كمصباح مهترئ. هي من اختارت له أن يكون (هنا) على الرغم من حرصه الدائم ألا يبرح (هناك).