دوّامة

9:05م
أول أسبوع من نوڤمبر كان أسبوعًا لطيفًا، اعتقدت خلاله بأني استعدت روتين أيامي وصار لدي متسع من الوقت لأقوم بما أفضل، كان هذا في الأيام الستة الأولى فقط. أما الآن في العاشر من الشهر، أستطيع القول بأنها خدعة صغيرة. أكتب الآن بينما يفترض بي تصحيح الدوري الثاني والثالث لكل من طالبات الصف الأول والثاني متوسط وأرصدها في سجلاتي ونور وأن أكتب الأسئلة النهائية أو على الأقل أقرأ مقدمة كتاب الحداثة السائلة أو أكمل حلقة Chernobyl. لكني لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء.. أضف إلى ذلك حصص الغد لم أستعد لها بعد. ما زال هناك وقت لكن لأي من هذه الخيارات بالضبط؟

أكتب كثيرًا، أحتفظ بمسوّدة رسالة دائمة. أكتب فيها كما لم أفعل من قبل مع أي مسوّدة كانت. وهذا طقس يعجبني جدًا.

أن يتحول الألم الحاد إلى ما دون ذلك ويندمل الجرح الغائر وما كان بالأمس واقعًا كثيفًا ثقيلًا صار اليوم مجرد طيف ذكرى عبرت وانقضت. يعود هذا لتراكم الأيام أم للنسيان؟ أي للمسافة أم الذاكرة؟

أشعر في هذه اللحظة: كما لو أني سلسلة من الأشياء المتراكمة والمؤجلة والمجتمعة في زاوية.

حيرة

ما زلت عاجزة عن استيعاب كيف لإنسان أن يكون قادرًا على التفوق في تقديم كل هذا الأذى؟ ولمن؟ كيف لقلب يحمل أسمى أشكال الحب: حبًا فطريًا أن يتحول إلى هكذا قسوة؟ ولماذا؟ هناك أشخاص لا أستطيع تخيل -مجرد خيال- أن أؤذيهم بأي طريقة كانت، كيف لو أنهم الأقرب على الإطلاق؟ عجيب الإنسان.

يمكن للمرء أن يغضب كيفما شاء ويفعل ما يريد لكن أن يصل الأمر للظلم والتعدي؟ للأذى صراحة؟ بل يتعمدها بكل ما أوتي من قوة؟ ألا يفترض أن توجد لدى كل منّا قيوده ودوافعه التي تردعه عن ارتكاب الكثير؟ ضميره؟ تفكيره؟ قيمه؟ عاطفته؟ أي سبب؟

كثير مما يجمعنا نحن كبشر، يجعلنا متشابهين في تقبل ورفض بعض التصرفات لأن أساسها واحد فتتقاطع ردات فعلنا حيال حدوثها. هذا بالضبط ما يجعلني لا أفهم! ويدفعني للتساؤل المستمر: لماذا؟ لماذا كل هذا؟ غريب.

ربما تكمن المشكلة في فهم أدوارنا، ما لنا وما علينا. وقبل ذلك “إنسانيتنا” لأنه إذا ما انعدمت الأسباب التي تردعنا عن تعمد الشر لغيرنا، يفترض أن يبقى أحدهم على الأقل: هذا ما لا يقبله إنسان.

من نعم الله، أن الحياة لا تقف، وأننا نستطيع العيش رغم كل ما هو قائم. تعبرنا لحظات نحزن؟ نصاب بالخيبة؟ تخار قوانا؟ نعم وطبيعي لكن في الجهة الأخرى، ما زالت حياتنا شاسعة ممتدة ومتعددة بكل خياراتها، ما زال هناك من يحبنا ونحبه بأجمل ما يمكن للحب أن يكون وهنا ترجح الكفة من جديد وبالنسبة لي هذا يكفيني ويفيض.

أكرر مرة أخرى: عقلي وقلبي عاجزين عن استيعاب قدرة الإنسان الخارقة على التحول وعلى استمراره وحرصه بحصول الأذى لأقرب أشخاصه وناسه.

-_-

ارتكبت اليوم حماقة صغيرة، حماقة من النوع الذي لن يحسب كذلك لولا بعض الظروف المحيطة به. لم أستوعب ما فعلته إلا بعد ساعة تقريبًا! وهنا أنا أكتب الآن وقد مضت أربع ساعات وما زلت غاضبة بعض الشيء، غاضبة إلى الحد الذي جلب معه صداع خفيف. في الحقيقة أنا “متفاجئة” كيف يحدث معي هكذا رغم تركيزي وحرصي على إدارة هذا الموضوع بالذات؟ كنت قد خططت مسبقًا لأمر ما ثم وبدون تركيز مني تجاوزت خطتي والآن أنا في استضافة تأنيب الضمير مع اللوم.

١٠:٠٦ص

قد يحدث أن نكوّن وجهة نظر أو رأي، زاوية خاصة بنا من منظورنا حول أمر ما لكننا نتركه على وضع: Hold. كامن هناك، نعلم بوجوده مع ذلك لم نتخذ أي خطوة تالية. صمت ولا شيء سوى الانتظار وأن نكف عن المحاولة، لا مزيد منها أبدًا بأي شكل من أشكالها. دون ميل إلى سلبية إنما الحياد في أفضل حالاته.

٨:٤١ م

أمام البحر، جلست على أقرب كرسي متاح، هناك آخر أعجبني قربه لكن سبقني إليه صديقين. أجلس بالعرض لأتمكن من مواجهة البحر. وحيدة إلا من كوب شاي مغربي ونسيم عليل يحتضنني من كل الجهات. لأول مرة منذ مدة طويلة أخرج إلى البحر وسط أسبوع لذا اخترت الأقرب اختصارًا للوقت ويبدو أنه سيكون خيارًا إضافيًا لأوقات الفراغ في قادم الأيام. أوه أخيرا وبعد دقائق هناك كرسي شاغر -أقرب للبحر- بالتأكيد انتقلت إليه. أحب هذه اللحظات الهادئة التي أقضيها مع البحر، ويزداد حبي لها عندما أكون وحدي. ألغي أي محاولة تفكير، أي تسرب لفكرة تقاوم رغبتي في عدم تواجدها. أجلس لأنصت إلى الأصوات من حولي وأتنفس ملء رئتي وأكتب، هكذا ببساطة. وأنا هنا على خلاف المشي والذي يبدو أن الأمور هناك خرجت عن السيطرة إذ من الواضح أن أقدامي أبرمت اتفاقًا مع رأسي يوجب حضورًا كثيفًا للتفكير بمجرد بدئي المشي! لم أعد أستمع -كما اعتدت- إلى أي شيء، أمشي مسافات طويلة أراجع خلالها يومي وأفنّد أفكاري وأدعو الله من كل قلبي وأتمنى لو أن المسافات لا تنتهي.

وسؤالي الدائم: ما جدة لولا بحرها الممتد؟

مؤسف

ما أمر به يكبرني يفوقني ويثقلني وبطبعي لا أتحدث ولا أشارك ما أعانيه لكن حقًا هذه المرة أنا غير قادرة. في المقابل: لا أريد سماع أي مواساة أو محاولات تخفيف أو حتى من يخبرني بأن كل شيء سيكون بخير.. أعلم كل هذه الكلمات. ما أريده حقًا أن ينتهي كل شيء بأسرع وقت ممكن وكما أرغب. ما يقارب السبعة أشهر وأنا أدور في ذات الحلقة مهما ادعيت أني بخير أنا لست بخير. أنا أحاول أن أكون بخير، أحاول أن أعود كما كنت، أحاول أن أتصالح مع حجم ما فقدته وأن تكون أيامي ممتلئة حتى لا أسقط تحت وطأة التفكير والخيبة والإحباط.. أحاول أن أكون بخير لكني حتمًا لست بخير. أقرأ، أكتب، أطالع، أخرج، أتواصل، أضحك… وأنا مثقلة، منهكة لدرجة لا يمكن لأحد أن يوافق بينها وبين ما أظهره. بعض الأحيان أرى وعيي الكبير بكل ما يدور هو سبب هذا الألم. لكن أعود إلى حقيقة كونه “ألم” ببساطة ودون أي محاولات تخفيف أو تحوير ومن غير الطبيعي وصفه بغير هذا. ولأول مرة أشعر بأني عاجزة عن التحمل أو بذل مزيدًا من الصبر ولا حيلة لي. شعور سيء والأسوأ عندما أتذكر أن كل هذا الضرر صار لسبب تافه تفاهة لا يصدقها عقل عاقل. كل ما أعانيه كان لأجل نص كتبته هنا في مدونتي! كم يبدو الأمر نكتة! وما يزيد الطين بلة، ما يضاعف وجعي أن الأذى ممن يفترض به أن يحميني من كل الدنيا وما فيها، من السند الأول والعضد والظهر الذي أتكئ عليه إذا ما ملت. وجعي ليس وجعًا واحدًا.. وجعي أوجاع وألمي آلام وحزني أحزان وخيبتي خيبات…لطالما كانت الكتابة رغم ضعف لغتي وكثرة أخطائي هي وسيلتي الأولى، كانت وما زالت وستبقى. أكتب في المقام الأول والأخير لي ومن أجلي وإن تسببت بمعضلة تمامًا مثلما يحدث الآن. لكن المشكلة ليست فيما كتبت وإنما في طريقة فهم العقل للنص الذي قرأه. كيف له ألا يهدأ؟ ألا يخف غضبه؟ ألا يراجع نفسه ويرى سوء ما يقوم به؟ كل هذه المدة وما زال مستمر في الأذى كما لو كنت ارتكبت كبيرة! مؤسف ما يحدث.

مررت في تويتر بعبارة: عدت مرة أخرى، أكتب كي لا أجنّ. أعتقد أنها مناسبة لما أقوم به الآن، هنا.

مسألة وقت

كل شيء مهما كبر: مسألة وقت. ‏أعني مرور الوقت وحده كفيل بتغير حدة ما نشعر به تجاه أي شيء ولن يبقى على حاله أبدًا. كل حزن نعيشه وكأنه أبدي سيزول وإن طال وكل ألم يطيب وكل جرح يندمل. ‏اقتنعت بهذا بعدما كنت لأكثر من مرة تحت فكرة استحالة زوال هذا الألم الذي أعيشه ثم ماذا؟ 😊

عادة لا أحب التنظير وتعميم فكرة/ قناعة. لكن من واقع تجارب شخصية كانت صعبة بل ثقيلة وقاسية تفوقني في شدتها، وتفكيري خلالها يميل لاستحالة وصعوبة تجاوزي ما أمر به، كانت مجرد محاولاتي للخروج مما أنا فيه تشبه الوقوف أمام جدار أبيض خالٍ من كل شيء لساعات.. لا نتيجة.

لكن الوقت ومروره الثقيل، منقذ. ربما بعض الأحيان، نحتاج أن نترك الأمور تسير دون محاولات إصلاح وإنما مجرد “العيش” لا نوقف كل شيء أمام نقطة/ مشكلة، نعيش حياتنا ببساطة بسيطة جدًا.

تذكرت هذا النص:

grief does not mean absence of joy. western society has dictated to us that if you are in pain, you must subscribe to this pain at all times, that you must be public facing with this pain, with no room for joy in the midst of your healing. even in trauma, we can still find joy.

خطأ في الخطة

٥:٢٠م أجلس الآن في مقهى تيم هورتنز وحيدة شبه متورطة أرتشف موكا مع الكراميل بينما أنتظر ماما. أقول متورطة لأنه كان يفترض أن أكون في جرير فرع الجامعة بلازا ولكنه أغلق بسبب افتتاح الفرع الجديد والذي يبعد عن هنا بما لا يتجاوز كيلوين وكنت قد قلت لتركي بأنهم سيغلقوا القديم. لم أحضر كتابي لأكمل قراءتي ولا دفتر يومياتي لأسجل فيه هذه الكلمات. ولا رغبة لي بتمضية الوقت بقراءة مدونات أو مقالات ولا فعل أي شيء حقيقة. لا أعلم إن ما زالت رغبتي بالذهاب لجرير موجودة لكن لا بأس، الموكا يفي بالغرض ويحسن الجلسة هنا.

أتأمل ما انتهى من يومي وأجدني على غير العادة ضحكت مرتين على “أخطاء” طالباتين من الصف الرابع في نطق بعض المصطلحات الجديدة وأنا هنا لا أضحك إلا من طفولتهم وكيف لهم بأن تكون هذه الكلمات صعبة عليهم. أشعر ببعض الذنب لأني لم أتمالك ضحكتي كما أني لم أغلق المايك *وأنا أكتب الكلمة الأخيرة ضحكت مرة أخرى* أعتقد بأن أصواتهم الصغيرة تسهم في مضاعفة رغبة الضحك.

تبقى لي درس في كل منهج، رابع و٢ متوسط وهذه الفكرة وحدها تدغدغ القلب. ماذا أيضًا؟ أتذكر حديثي وفاطمة عن الكتابة وحول ماذا نكتب؟ تسألني بينما أنا لا أجيد سوى كتابة لحظاتي وأيامي وبضع رسائل لا أكثر. لا يوجد في المكان من يجلس سواي وبنتين، إحداهما على يساري والأخرى أمامي، إذا وصلنا خيط فيما بيننا سيأخذ زاوية قائمة وأنا مركزها أو نقطة التقاء الضلعين. رشفة، حسنًا هناك أخرى جلست أمام من تجلس على يساري.

٥:٣٩ للحظة كاد رأسي ينفجر حيث أرسلت لي وكيلتي تسأل حول معلومة في مقرر ٢ متوسط وخرجت من هنا وذهبت لأجيب عليها ثم اختفى ما كتبت! شتمت التقنية ثم وجدته في المسودات فتراجعت ومدحتها. سؤال: هل سيكون العام القادم تعليم عن بعد؟ هناك مشاعل صغيرة في داخلي تتمنى ذلك. ٥:٤٢ لا شيء في رأسي هذه اللحظة. تحديث: لم يتبقى سواي والجالسة على يساري. ٥:٤٨ اتصلت ماما، إلى اللقاء.

٦:٠٠ أرادت ماما الجلوس في الخارج والجو جميل! على يميني واحدة تطعم القطط، وتجمعت حولها خمس قطط بخمسة ألوان مختلفة. مرة أخرى الهواء جميل هنا. ٨:٤٠ للتو عدت من جرير، وحصلت على أربعة عناوين كلها من دار الرافدين وهي دار مفضلة.

خواء

كشخص يهتم بالقصاصات والبطاقات التي تختصر شخصًا أو فترة زمنية أو موقف أو مرحلة، شخص يحتفظ بما يمكنه تشكيل ذاكرة طويلة لأشياء مضت وانتهت، أشعر الآن في هذه اللحظة بأني مجردة من الماضي تمامًا. لم يتبقى منها سوى طيف خافت أو ضوء شاحب هكذا بقايا ذاكرة مشوشة في رأسي فقط. لأول مرة أتمنى لو أني لم أكن كذلك، لو أني لم أحتفظ بأي شيء لما كنت شعرت الآن بكل هذا “الخواء” داخلي، فكرة مؤلمة.