حشد

أكتب الآن وأنا مثقلة ومحبطة وشعوري متضخم جدًا، أعلم بأنها حالة مؤقتة لكنها تحمل الكثير، اليوم وبالتحديد قبل قليل حدث ذلك الانفجار الذي لا أحبذه وأحاول جاهدة الابتعاد عنه وقد مضت فترة طويلة منذ آخر مرة. كنت أظن بأني خرجت من منطقته لكن يبدو بأن أسبوعي الحافل أعادني إليها.

اليوم الثلاثاء ومنذ الخميس الماضي ووفقًا لما هو قائم الآن، كانت تدور في رأسي واقعية فكرة أنك وإن ازدحم حولك العالم أجمع إلا أنك تعيش حياتك بكل تفاصيها وعمقها وحدك! فكرة بديهية لكن في ظروف معينة تبدو موحشة وغريبة. أن تمضي في تقاطعات يومك وحيدًا وبصمت ولا يتجاوز حديثك قالبًا معينًا أنت مضطرًا إليه أو حديثك مع نفسك وأنت تواسيها وتحثها لمزيد من الصبر والتحمل والاستمرار، وأنت تحاول فهم واستيعاب ما يحدث وربما تبسيطه للتخفيف من واقعيته، وأن تهمس: معليه كله بيعدي في الأخير.

أدرك جيدًا أن كل ما أمر به هو مؤقت، ذلك الذي يرافق بدء روتين جديد طويل وثقيل. لكنه يجعل يومي هائلًا ومتعددًا ومحتشدًا ومحشوًا بمهام لا نهائية وساعات نوم أقل من أي فترة مضت في حياتي وإرهاق متواصل ورأس ثقيل وصوت مبحوح مرهق… الأعراض المصاحبة لفترات الضغط المرتفع. ولا أحد يعلم بما يعتريك ومضطرًا لعيشه بجلادة لذا يلزمك الانكفاء قليلًا والصبر كثيرًا وألا تنقطع من مواساة نفسك بنفسك! والله المستعان.

لسبب ما، أشعر بأن هذه الصورة تمثلني!

أمسك بهاتفي، تنقلت بين قنوات تلغرام ثم تصفحت تويتر سريعًا، أستخدم كلمات مفتاحية خلال بحثي طمعًا في الوصول إلى نص يشبهني، يختصرني ويعفيني من محاولة الكتابة. غالبًا ما أصل لنص يصف إما كل أو جزءًا مما أشعر به لكن الآن أظن الأمر معقد. لا أظن بل على يقين من ذلك، أنا لم أعد أفهمني في هذه الجهة من أيامي، كم تبدو قضية عصية ومعقدة وبائسة وباعثة على الضحك والإشمئزاز في الوقت نفسه. فكرت وكتبت كثيرًا ومررت بلحظات شعرت فيها بأني أهون ما أكون ثم أكره ذلك الشعور المصاحب. واستغرق الأمر أكثر بكثير مما يستحق واتخذت كل الخطوات الممكنة لحل مشكلة كهذه. بالله لماذا كل هذا يحدث بهذه الطريقة الغريبة؟ عجبي!

هل تصل؟

ارتكبت خطأ بل أخطاء في حق شخص، ذلك النوع من الأخطاء الذي يصنف تحت الرعونة والحماقة. فعلًا ما كان ليصدر مني أبدًا لا ذوقيًا ولا تحت أي مسوّغ، ثم كررته!! كنت أتذبذب بطريقة حادة وغريبة، بطريقة أجهلها عن نفسي. وكنت أستغرب من عدم قدرتي على استيعاب ما الذي أفعله؟

تناقضات و(هشاشة) واضحة، هي نتيجة لفترة وتراكمات مررت بها. كنت أكتب وأسهب في كلامي ثم طبيعي جدًا أفعل أو أقول خلاف ما كتبت!!! علمت مؤخرًا أن كل تلك التصرفات ما هي إلا نتيجة كما قلت لشيء عشته سابقًا لكن هذه المرة كان أثره (متعدي)

الآن فهمت، فهمت جيدًا. لكن هل يفيد هذا الفهم المتأخر؟ هل يغير شيء؟ هل يقول نيابة عني: فضلًا تذكروا ما كانت عليه قبل هذه التخطبات؟ هل يمكنكم سماع ما تود قوله؟

قد لا أطمح للعودة لأنها تبدو مستحيلة لكن إلى الفهم، إلى رغبة في الإسهاب وقول كل ما يجول في نفسي.
‏لأول مرة أريد أن أصرخ: أنا لست تلك النسخة من مشاعل. أعلم جيدًا ما فعلت لكن هل لك أن تسمعني؟

تبدو محاولاتي وكأنها استجداء، ذلك الذي يكون بين شخصين، أحدهما يحاول بكل ما لديه والآخر يبتعد كمن يهرب. أفهم ويصلني شعور بأني تأخرت وبعدت كثيرًا وأن لا فائدة من كل/ أي شيء. وفي الوقت نفسه تظل محاولاتي مستمرة لأن كل ما أريده هو أن أتكلم وأتكلم وأتكلم لأقول كل ما أرغب قوله.

بعض الأحيان، هناك من يستحق أن نعطيه فرصة ثانية وثالثة على الأقل ليقول شيء ما. تمامًا هذا ما أريده الآن وكم يبدو قريب وبعيد، ممكن ومستحيل. من الطبيعي أن الأيام كفيلة بتخفيف كل شيء لكن لماذا تبقى كل هذه الكلمات معلقة؟ لماذا لا تصل؟ لا تُقرأ أو تُسمع ومن ثم تُفهم؟

كل ما يحصل بعد دعائي الله بيقين واستسلام، حتمًا هو رضا. أيما كانت النتيجة وإن بدت في ظاهرها خلاف ما رجوت لكن هناك اطمئنان بأنها الخيرة.

وبالتأكيد الرضا والاطمئنان لا يتضادان مع أي شعور آخر كالحزن مثلًا فور إدراكنا مآل دعواتنا فنحن كما نعرف جميعًا (بشر) ولنا من الصفات البشرية ما يبقينا كذلك. لكن بالطبع قناعتنا ويقيننا يخففان الكثير لأن يصاحبهم الفهم الذي بدوره يفصلنا عن ارتباطنا العاطفي بما نتمناه لأنفسنا وندعو به.

انفلات

لأول مرة دون مبالغة أتردد وأتراجع في أمر ما إلى هذا الحد وإلى كل هذه المرات التي تبدو هشة وضعيفة ومتراخية، وهنا أتكلم عن مشاعل ومشاعل فقط. آن لي أن أزامن بين ما أعيه وأفهمه وما أقوم به أو يناسبه، لماذا كل هذه الفجوة؟ الأمر غاية في الغرابة وأراه موضع ضعف عجيب لم أعهده على نفسي بأي حال ولا لأي سبب كان. لماذا كنت أقاوم؟ وأفعل ما أعي تمامًا بأنه لا يناسبني بحال؟ لماذا سؤال يرافق أفعال وتفاصيل كثيرة مما كان. لماذا قبلت بكل هذه التراجعات اللافائدة منها سوى مزيد من الهشاشة والتناقضات. الآن فقط وكأني أنظر من خارج كل شيء بنظرة جديدة ومختلفة كنت أحرص على مواراتها.

أنا بحاجة ماسة لضبط الأمور وإعادة ميزان كل شيء، هناك انفلات نفسي في نواحي عدة نتجت عنه أمور جديدة وغريبة لم أعتاد عليها. بحاجة لفهم مشاعل من جديد وإعادة كل شيء إلى مكانه المناسب. وأنا هنا لا أنظر للموضوع مباشرة ووحده وما آل إليه إنما إلى التفاصيل والعقد غير المرتبطة به مباشرة لكنها في ثناياه، إلى ما كنت أشعر به وأمشي إلى ضده، إلى التقدير الذاتي الذي تجاوزته في أحيان كثيرة دون سبب يستحق. هذا الحال أشعل نارًا ونورًا لن ينطفئا قبل اتزان وعودة كل شيء إلى ما كان عليه.

أظنني بشكل أو بآخر، ما زلت أعيش في تبعات 2021 والتي بالضرورة لحقتها 2022.

مشاعر الحزن هذه المرة أكبر مني، تلقي بظلالها على كل أوقاتي. أقاوم البكاء حتى وأنا في النادي وأنا أقود السيارة وأنا أجهز السلطة. طوال الوقت وأنا حزينة. أتذكر وجهه وصوته لا يغادراني، لم أستوعب بعد أم أنه مستوى جديد من الحزن لا أعرفه ولم أعشه من قبل؟ مثقلة إلى الحد الذي تغدو فيه الأنشطة اليومية العادية عبء لكني أقاوم. أكتب هذا وأنا أقاوم البكاء بينما أمشي في النادي.

توقد

-1-
أولي التفاصيل الصغيرة اهتمامًا دون تكلف وأراعي صغائر الأمور، ويبدو أن رأسي في يوم ما قرر اتخاذ وضعية الملاحظة دون أذن مني، هو يتكفل بالأمور وأنا عضو شرف. وأهتم بالفروق وأقارن كثيرًا بين الأمور وحساسيتي أظنها عكسية إذ أراعي الآخرين في تعاملي وأسقط اعتبارات كثيرة لمحاولة قراءة الحال كل هذا حتى أكون خفيفة. أفهم جيدًا وفي أحيان كثيرة يكون هذا الفهم هو كل مشكلتي. إضافة للفهم ملاحظتي شديدة. وإذا اجتمعا ينتج عن ذلك إدراك مرتفع لكل ما يدور حولي، ألاحظ التأخر عن العادة وإن قل وما لم يقال وكأنه قيل صراحة، التغيرات الصغيرة وما تجره خلفها، النبرة والنظرة وما بينهما. أفهم بعمق لكن إما اختار تجاهل هذا الفهم وكأنه لم يكن أو استباقه حتى لا يكون. لا أبالغ، وأمثلتي على هذا كثيرة، أقول ما سبق لأنه بقدر ما يهمني إلا أنه قد يصل لدرجة الإرهاق في بعض الأحيان. هذا التوقد والحضور الدائم بقصد أو بدون، مرهق. هل لاسمي من هذا نصيب؟ حيلة ضعيفة لحد ما.

-2-
لاحظت سمة لم أكن أراها من قبل بهذا الوضوح والحدة بين طالبات ما زلن في المرحلة المتوسطة. القلق. قلق ظاهر وواضح وغريب حيال أمور بسيطة تحتاج بعض الانتظار! حتى وأنا أخبر الطالبة: عادي خذي راحتك، لسى باقي وقت. طيب روحي للي بعده وبعدين ارجعي خذي وقتك مع هذا….استغرب تعاملهم وإن قد يكون ناتجًا عن حرص مثلًا أو لأي دافع. عندما كنت في المتوسط، أو خلال دراستي كنا نعرف من صديقاتنا من كان القلق ملازم لها لكن لم يكن شيء مرافق للجميع أو الأغلبية، ليس بهذا العدد. أتأملهم وأتمنى لو أعرف ما السبب؟ ما المشترك بينهم؟ وجعل القلق نتيجة؟ 

-3-
 ​لكثرة ما يعبرني أو ما أعبره في الفترة الحالية وهو ليس بالقليل، بت استخدم استراتيجية البنج الموضعي هههههه طبعًا اخترعتها من رأسي. فكرتها ببساطة: أنا أدرك كل الأمور بتفاصيلها لكن اختار بالمفاضلة بينهم أيهم أشغل تفكيري به الآن وأيهم يحتمل البقاء لوقت لاحق فيوضع تحت بنج مؤقت. حقيقة لا أعلم بأي كلمات أصف حال أيامي لكن الشيء العجيب أني لا أشعر بمشاعر سلبية. أدرك أنها فترة ضغط عال جدًا لكن لست مستاءة أو محبطة مثلًا! إنما كل ما في الأمر هو أنني أعي ما يحدث ولن أقول أيضًا هناك مشاعر إيجابية طاغية، لا. تتكرر كلمة مشاعر لكن يهمني فهم ما أشعر به. للمشي بعد الله فضل كبير.  أتعلم تلك اللحظات التي تخاطب فيها نفسك؟ لا أحد يعي ما تمر به لذا لا مواساة ولا تخفيف ولا شيء من أي شيء سوى منك إليك. ثم أولًا وقبل كل شيء الدعاء، لا سلوى ولا طمأنينة ولا قوة كالتي أجدها في الدعاء. يقينًا يطبطب على قلبي ورضًا بكل ما يأتي من بعده. الدعاء حبل متين وقوة داعمة. 

الأمر سيّان

-1-
قرأت ذات مرة بأن أكثر الأسئلة تبدأ بـ:كيف؟ في حين أن معظم إن لم تكن جميع أسئلتي قائمة على: لماذا؟ لم تكن حيرتي في الطريقة، دائمًا هناك حل. إنما في الأسباب والدوافع والمحفزات. في معرفة الأساس الذي قادنا إلى ما وصلنا إليه عند وصولنا أو فيما يدفعنا للوصول إذا لم نسلك طريقًا بعد.
هناك ما يحدث ويجعلني متعجبة فعلًا من مشاعل! لم يسبق لي أن كنت في حالة مشابهة على الإطلاق. غرابة غريبة 😶
اعتدت على ترك الأمور تسير كيفما اتفق، حتى وإن كانت (ظاهريًا) تبدو متناقضة فالأساس واحد وستؤول في آخر الأمر إلى نفس الجهة. لكن هذه المرة؟ لا يخصني الأمر وحدي وهنا مكمن النكتة. لا يملك الجميع القدر نفسه من المرونة واللين، لذا قد لا تُتجاوز (الحماقات المتكررة) عندما تكون نتيجتها متعدية ومشتركة إن كان مرتكبها واحد (أنا)

-2-
الإنسان إنسانًا بما يعتريه ويعبره من مرتفعات ومنخفضات، بقلة حيلته أمام ما استعصى عليه، بتجاربه الجديدة وخبراته القديمة. من هذه القناعة، أنا لا أخجل مما أخوضه ولا من تبدل وتغير حالي. أواجه بكل ثبات لحظات ضعفي التي أدركها تمامًا، تلك التي أقف أمامها عاجزة عن اتخاذ أي خطوة رغم فهمي التام لما يحدث أو حتى النقيض من ذلك. وما كتبته الآن إنما توثيقًا لهذه المواجهة والتي تبدو لي -حتى اللحظة- صماء تمامًا. حين أقرأ ما كتبت، أسأل: ألا يبدو في هذا مبالغة يا مشاعل؟ قد يكون كذلك. لكن على الأقل، أنا أكتب ما أعيشه وأشعر به، أكتب صدق شعوري وأنقل أفكاري كلٌ كما هو. ولا مانع لدي إن بدا في ذلك مبالغة طالما أنه واقعًا قائمًا ولو للحظة واحدة.
مررت بما هو أشد وأصعب أضعافًا كثيرة مما لا يبقي مجالًا للمقارنة. ولطالما كانت الكتابة طريقة للتجاوز، لذا ستبقى كذلك. وليقرأ من يقرأ أو يقرأ من لا يقرأ أو لا يقرأ من يقرأ الأمر سيان.
ولأن مريم قالت: الكتابة تحتاج شجاعة؛ فأنت ستواجه نفسك أولاً وهذا أمرٌ ليس بالهيّن. ثم ستواجه الناس وهو أمر لا أعرف كيف أصفه.

كيف؟

كل ما يدور في ذهنك ويجول في قلبك طوال الوقت، هذا الحضور الكثيف رغم ازدحام يومك، الثبات في التواجد حتى مع انشغال ساعاتك. كيف له أن يعرفه وهو مغلف بجدار صمت طويل؟ لن يُدرك من ذلك شيء، لن يبقى منه سوى فتات، ترسبات تكون جبالًا تثقلك وتشدك لصمت سحيق أشد من سابقه.