القراءة ببطء

يقول ميلان كونديرا  في رواية البطء:” السرعة هي شكل الانخطاف الذي جعلت منه الثورة التقنية هدية للإنسان.” جميعنا مؤخرًا مع غرقنا في هذه التقنية نستطيع أن نلاحظ بأن كل شيء في الحياة أخذ وتيرة سريعة، تغير تعاملنا مع مفهوم الوقت والانتظار، تضخم إحساسنا بالدقيقة وبالتالي الساعة ثم الأسبوع وهكذا حتى باتت السرعة هي ملخص أيامنا. في اللحظة الواحدة، أصبحنا نقوم بعملين ظنًا منا لتوفير الوقت. سواء أدركنا ذلك أو لم ندرك أصبحنا في عجلة من أمرنا بشكل شبه دائم.

قبل عدة أيام كنت في حديث مع أصدقائي فأخبروني مازحين كعادتهم بأني أستغرق وقتًا طويلاً في مشاهدة الأفلام والمسلسلات أي أني أشاهدها ببطء مبالغ فيه كما يرون وأنا هنا على العكس منهم تمامًا. كنت قد بدأت بمتابعة مسلسل قبل صديقتي بحلقتين وهي الآن انتهت من مشاهدة الموسم السادس بينما أنا للتو بدأت بالموسم الثاني. وفي أثناء ردي عليهم مازحة أيضًا تذكرت أن هناك من سألني قبل ثلاث سنوات بعد متابعة حسابي على موقع Goodreads سألني: لماذا تقرأين عادة ببطء؟ والمقصود بالبطء هنا أني أستغرق وقتًا أطول من المتوقع مقارنة بعدد صفحات الكتاب إذا ما كانت هي المقياس. كنت في تلك الأيام أقرأ رواية الجوع لكنوت هامسون، وعلى الرغم من أن عدد صفحاتها لا يتجاوز 240 إلا أني قرأتها فيما قارب الشهر. أستطيع قراءتها في جلسة واحدة لن أقول خلال يوم واحد بل جلسة واحدة فقط! لكن السؤال لماذا؟

لماذا يجب علينا أن نقرأ سريعًا؟ خصوصًا في القراءات الشخصية الحرة التي لا تخضع لأي مسؤول ولا قوانين سوى أن تفتح الكتاب وتقرأ متى شئت وأينما أردت. لذا من الواضح أن قراءات الدراسة والعمل مستثناة مما سأقوله. لطالما تساءلت لماذا التحريض تجاه ضرورة سرعة القراءة؟ أو الترويج للقراءة السريعة وتأليف العديد من الكتب التي تعلمك تقنيات القراءة سريعًا أو حتى قيام دورات تدريبية لذلك. ما ضرورة كل هذا بينما أنا أقرأ رواية جميلة وأستمتع بتفاصيلها وأعيد بعض الفقرات عدة مرات حتى أعيش جمال ما كتب فيها؟ أعتقد أنني أنتهج القراءة البطيئة إن كان هناك طرق وأساليب القراءة فحتما البطء إسلوبي.

بعد محادثتي تلك مع أصدقائي أخذت أراجع جميع قراءاتي، بالمجمل كانت معظمها تأخذ مدة أطول مما هو متوقع نسبة إلى عدد صفحات الكتاب. إذن النسبة الكبرى من القراء بشكل أو بآخر هم ينصحون بالقراءة السريعة والتي بالضرورة ستجعلنا نلتهم الكتب في فترة أقصر. أنا لا أحرص على هذا، ليس من أهدافي أن أقرأ سريعًا.
دائمًا ينصحون بمضغ الطعام جيدًا أي ببطء أو لنقولها بجملة أخرى: أن نأكل على مهل. وأن لذلك فوائد يستطيع أن يعددها لك فورًا. ربما وسعت أنا هذا البطء ليشمل قراءة الكتب أيضًا. قراءتي باختياري بطيئة كذلك إذا ما دخلت في قراءة جماعية غالبًا ما أكون متأخرة عنهم بيوم أو يومين.
أستطيع أن أزعم أنني بسبب القراءة البطيئة، أنا أتذكر جيدًا، أتذكر المشاعر، التفاصيل، تفاصيل الشخصيات والأماكن مثلًا، أتذكر ردة فعلي، الأثر الذي انعكس على نفسي من الأحداث أو تلك التفاصيل الصغيرة الموجودة بالعمل.

بالمناسبة، رواية البطء لميلان كونديرا اقتنيتها في المقام الأول لعنوانها ثم لما كتب خلف هذه الرواية:
“”ويدعونا الكاتب، وهو يمجد البطء في هذه الرواية، إلى الوعي “بالوشيجة السرية التي تربط البطء بالذاكرة، وتصل السرعة بالنسيان” وفي هذا العالم الذي لا تنفك فيه سرعة كل شيء تتنامى، يرى كونيدرا أننا أضعنا الذاكرة التي تُفضي بنا إلى اللذة وتمكننا من الشعور بالمتعة في عيش الحاضر”” عند قراءتي لهذه الفقرة لم أستطع تجاوز الرواية أبدًا.
ثم وجدته يربط النسيان والتذكر بالسرعة والبطء عندما صورها في مشهد كثيرًا ما نراه في حياتنا الواقعية حيث قال:
” ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان. لنذكر بهذا الصدد، وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمر ما، لكن الذاكرة لا تسعفه. في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو. أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له توًا، على العكس يسرع، لا شعوريا، في مشيته كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريبًا جدًا منه. في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذه التجربة شكل معادلتين أوليتين؛ تقوم الأولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة والثانية على تناسب درجة السرعة من حدة النسيان.”
في المقابل يقول فيليب روث: “قراءة الرواية عمل يتطلب قدرًا من التركيز والتمحور الذاتي والانغماس في القراءة ولو صادف أنك قرأت رواية ما ولم تكملها بعد أكثر من أسبوعين فذاك يعني أنك لم تقرأ فعلًا.”
هنا أيضًا أقف موافقة على رأي فيليب فيما يخص التركيز والتمحور الذاتي والانغماس، تمامًا هذا ما تحتاجه قراءة رواية أن نغرق في عالمها تمامًا. وأوفقه على تحديد مدة أسبوعين في حال أن الرواية تشدك بقوة حتى تنهيها ليس من أجل فكرة السرعة ولكن لتكتشف ما ينتظرك وراء سطورها وشخصيتها. أظن أنني أقرأ تحت مظلة كونديرا وفيليب، جمعت بينهما معًا بطريقة ما أجهلها.
أخيرًا: ليس هناك قواعد وضوابط محددة ومقيدة للقراءة الحرة كما يسوغ لها الكثير. كل ما في الأمر أفتح كتابك وأغرق فيه كيفما شئت حتى تصل إلى أعمق ما فيه ويصبح جزءًا من وقتك تفتقده عندما تنتهي منه.

في معنى أن نكبر

ما زلت أجدني مدهوشة من مرحلة التحديثات التي وصلنا إليها مؤخرًا، وأقصد هنا نحن خريجات الثانوية دفعة 2010م.
وأخص بالدهشة صديقاتي المقربات، وبالتحديد تحديث الأمومة! أتقبل بسهولة كل التغيرات لكن أن تصبح صديقتي أم.. شعور عجيب، جميل وغريب ومحير.
يزداد الوضع -تناحة- إذا كانت صديقتي منذ الصف الخامس أو الصف الأول متوسط، يا إلهي…قد تبدو حالتي غريبة ومضحكة لكنها تتكرر عندما تصلني التحديثات. وأنا اليوم غارقة في شعور الفرحة والمفاجأة والغرابة.

تقاطعنا خلال مرحلة معينة من أعمارنا ولسنوات ثم ها نحن الآن كل واحدة فينا تقطع طريقًا مختلفًا تماما. وهذا الأمر بديهي وطبيعي جدًا إلا أنها تأتيني لحظات أقف فيها متأملة ومتعجبة. ماذا كنّا وكيف أصبحنا.
والعشر سنوات الأخيرة كانت بطبيعة الحال تحمل نقلات كبيرة سواء على مستوى الإدراك والوعي كتجارب كاملة ممزوجة بمشاعر قد تعاش لأول مرة مثلًا: وظيفة، زواج، أمومة، إكمال دراسات عليا، هجرة، سفر وتنقل، خيبة، تراجع، تقدم، رحيل، غياب.
أخص بالذكر العشر سنوات الأخيرة لأني أعتقد بأنها مختلفة عند الجميع دون استثناء. بعد الثانوية ثم الجامعة تبدو الحياة أكثر جدية، الهموم تتبدل والمسؤوليات العظيمة تثبت وجودها. قرأت تغريدة لأحمد العمر يقول فيها: أعرف الطفل الذي كنت أحمله على كتفي وألاعبه في صغره أنه قد كبر ولم يعد طفلًا بعد اليوم عندما يقلق، فالقلق هو الفراق الحتمي بين الإنسان وبين طفولته.
فعلًا، القلق دلالة على أننا لم نعد أطفال، لم تعد الأيام تعبرنا كما كانت..
الليلة، كنت أبحث مع صديقتي عن اسم مناسب لطفلتها الأولى، صديقتي التي أعرفها من الصف الأول متوسط إلى الجامعة وما بعدها وياللغرابة!

في معنى أن نكبر… وأن يصبح شعورنا أثقل وأعمق.

باب مكتبها

أخشى الأفكار التي تنتشر ثم ما تلبث أن تتحول لقاعدة أو شيء بديهي. ومن هذه الأفكار، أكره تلك التي تخبرنا بأننا لن ندرك قيمة الأشخاص/الأشياء إلا إذا *فقدناها*

ولأقاوم الخوف المترتب من هذه الفكرة، أصبحت أحاول جاهدة أن أعرف قدر الذين أحبهم ثم أعيش كل شيء لأقصاه. انعكس هذا سلوكا مع من أحب. أعيش معهم كل يوم وأنا أسعى للاقتراب أكثر، لخلق ذكريات، مواقف، ضحكات…رصيد لا يجعلني أندم لاحقًا أو على الأقل يخفف من الألم. ولا ضرورة لإخبارهم! هذه نظريتي وحدي وأنا من أطبقها بصمت.

واليوم كان الدوام الأخير لفاطمة بيننا في المدرسة.

أعلم أنها ذاهبة لفرصة أفضل وهذا يسعدني جدًا لكن في المقابل أنا حزينة. بطة بالنسبة لي صمام أمان، وقلت لها ذلك ذات مرة لكني لم أخبرها كيف؟ هي أول من أفكر بالذهاب إليه حتى لو لتسمعني فقط. لديها قدرة على تحويل كل شيء إلى أمر غاية في البساطة وسهل تجاوزه. لا أتذكر أني أخبرتها عن أمر ما وعدت بنفس المزاج قبل إخباري لها. فطوم هي أكثر من يعطيني شعور الأمان، نعم سأكرر كتابة هذا مرة أخرى. بمجرد نظرة، تلويحة، ابتسامة من بعيد، ضحكتها، اسلوبها في الكلام، دخولها لغرفتنا، شغبها، يقظتها وذكاؤها الحاد. فطوم شخص معطاء محب للخير بطريقة رهيبة. ربما لم نكن نلتقي خلال الدوام كثيرًا، لكنها دائمًا أذان صاغية لحيرتي. أفهمها من نظرة وأدرك “تسليكها” الاحترافي.

فطوم من أجمل الشخصيات التي صادفتها في حياتي، رَفعت سقف مفهوم وجود الأرواح الجميلة من حولنا. شخصية ملهمة، مبدعة، محفزة ومعطاءة.

من اليوم لن أسرق نظراتي على غرفتها، لن أشاغب عن بعد، لن أفكر كيف أرمي قصاصات الأوراق في حقيبتها ومن سندخله في مقلب بحبكة لا تصمد طويلًا؟

سأفتقدها كثيرًا وأعلم من الآن أني سأشعر بالحزن في كل مرة أرى  باب مكتبها. عندما عدت للبيت أرسلت لها: ما سلمت عليك… أما الآن فأقول الحمدلله أنني لم أسلم عليها كوداع أخير في المدرسة. لا داعي لوضع نقطة آخر السطر وليبقى السطر غير منتهي ولا وداع لفاطمة بمجرد تغير المكان.

على الهامش: كتبت قائمة بكلمات دلالية مرتبطة بك يا فاطمة… ما إن أسمعها إلا ووجهك يظهر في الزاوية 🙂

كل التوفيق في قادم أيامك وأحبك *هيون*