drop

يومي سيء، دون أي محاولات لتلطيف وصفه. لم يحدث ما يستدعي كل هذا لكن السوء مركزًا  في حدة النفسية، أكثر أيامي صمتًا وهدوءًا، هكذا وقتي يمضي دون فعل أي شيء، “عصبت” لأن خطئًا حدث في رخام الشقة. عن حالتي النفسية، سأكتفي بما قالته براءة في مدونتها:

أمر الآن بحالة تعب بسيطة، وفوضى يمكن السيطرة عليها، لم أهوي في أزمة معقّدة، ولكن أحتاج أن أعيد ترتيب أولوياتي، ونسيان ما هو غير مهم، والتركيز على هدفٍ وحيد، لا أشعر بالأمان التام تجاه هذا الهدف الوحيد، وأشك أني قد سبق وشعرت في حياتي بالأمان تجاه أي هدف أصلاً، كل انتصاراتي كانت مصحوبة بالقلق وعدم …

الأربعاء 8 يوليو 2020

28

27 يونيو من جديد:

  1. دائمًا البداية تكون لها والانطلاقة من عندها وإليها سيدة قلبي، ماما. أعيد الفضل بشكل مباشر بعد الله لها في العديد مما هو في حياتي وشخصيتي. شكلًا أكاد أكون لا أشبهها في شيء وحتى شخصياتنا ربما تصل للضد في نقاط كثيرة، مع ذلك ما أنا إلا نتاج تربيتها وتعاملي معها ورؤيتي لها ولردة فعلها في أحيان كثيرة. أصارحها وأشاركها كل شيء حتى تلك الأشياء التي يُخشى عادة أن تقال للأم، هي ركن الأمان في حياتي، المكان الدافئ الذي ألجئ إليه في كل أوقاتي، التي وإن كتبت معلقات لا أوفيها حقها وما هذه النقطة إلا لأقول أنها أول وآخر وأفضل وأغلى وأعز أشخاصي.
  2. بابا، صديقي الأول. منذ طفولتي المبكرة جدًا وأنا رفيقته في المشاوير. وأعني هنا المشاوير القصيرة قبل الطويلة، ذهبت معه إلى كل مكان حرفيا ودون مبالغة. إلى البقالة، المسجد، الحلاق، المطعم، المغسلة حتى إلى المقهى مع أصحابه. وهذه الرفقة أتاحت لي كمية أحاديث لا نهائية ولحظات ضحك عميقة أتذكرها جيدًا. كان يتحمل أحاديثي المتصلة عن كل المعلومات التي تعلمتها في المدرسة ولا أنسى حماسي وأنا أشرح له بأن هل تعلم أن جسد هي مفردة أخرى للجسم؟ وأن فناء تعني ساحة المدرسة؟ أوه يا له من اكتشاف عظيم. ولأن لغته الإنجليزية ممتازة كنت اسأله عن اسمي كيف ينطق باللغة الإنجليزية؟ بالمناسبة، حتى الآن دائمًا ما يجدني قبله لأرافقه لأي مشوار سريع وقريب وإن لم أكن يأتي ويسألني هل تأتين معي؟
  3. لا يمكنني تجاوز أني الطفلة الأولى والأخيرة، لا أخوان ولا أخوات. انعكاس هذا على شخصيتي وطبعي كبير جدًا وواضح وملموس وملاحظ. في طفولتي ومعظم وقتي في المنزل كنت ألعب بهدوء، هدوء ربما يكون مبالغ فيه. مهما قفزت وركضت وتشقلبت أظل الطفل الوحيد في المكان، كنت أتحرك بصمت تقريبًا ومعظم الأصوات في رأسي. معظم لعبي إن لم يكن كله وحدي ولست مضطرة للكلام! حين أفكر الآن في هذا أتمنى لو أني أعود للوراء بوعيي الحالي وأرى كيف كنت؟ لذا فإني عشت في بيت هادئ جدًا جدًا جدًا إن لم أكن مصدر الإزعاج فلا شيء يسمع سوى الصمت والصمت التام. حساسيتي للأصوات أو الضجيج بشكل عام مرتفعة أو أنا أتوهم ذلك. في الجهة الأخرى، حجم المسؤولية كبير، لا أحد يشاركني أو يتقاسم معي أي من المهام والاهتمام، الخوف والقلق.
  4. الطفولة تساوي ذكريات ذهابي لمسبح بحيرة القطار كل ثلاثاء ولن أنسى لحظة ترقيتي من مسبح الأطفال المنخفض جدًا إلى مسبح الكبار المتدرج في العمق. كذلك البحيرة المائية، ملاهي العائلة-الرحاب-، الأمواج، الأبراج، عطا الله، جنغل لاند واكتسابي لأثر جرح في ساقي بسبب لعبة لم ينته تصميمها لكني حاولت دخولها، الشلال -مرة واحدة لركوب قطار الموت- مركز العلوم والتكنولوجيا ورحلات المدرسة، السندباد، الريم، حديقة الأنعام. الرسم على الوجه وبالونة هيليوم لنراقبها أنا وتركي في اليوم التالي وهي تختفي في السماء.
  5. في سنوات المدرسة كنت شخصية اجتماعية قيادية، مبادرة، حماسية، مشاغبة، مزعجة ومتفوقة. كذلك لدي قدرة على التأثير والإقناع. في المرحلة الابتدائية على وجه الخصوص كانت المدرسة مكان لإخراج طاقة الصمت والهدوء التي أعيشها في المنزل، كانت متنفس لي. ثم في البيت أعود لمشاعل الهادئة.
  6. في الجامعة توحدت الشخصيتين وأصبحت هادئة أكثر، وتنازلت عن روح القيادة إن كانت تسمى كذلك  لأني مع طالبات لا أعرفهم ومسؤولية لم أرغب في تحملها. كنت أراقب بصمت وأتدخل إذا دعت الحاجة. كنت أحب أن أشرح لصديقاتي ما أشكل عليهم خصوصًا في الوقت الضائع قبل الاختبار بدقائق.
  7. إن عشت في طفولتي لحظات ربما يطلق عليها وصف “أنانية” خارج نطاق أسرتي فيعود السبب إلى عدم تعودي على مشاركة أي أحد لأشيائي أو لأني متعودة على وجود من يسمعني وحدي دومًا ولا يوجد من يزاحمني في التحدث معي فيلزمني انتظاره أو سماعه بسبب هذا كانت تنشأ بعض اللحظات المحرجة دون تعمد مني لكني تعلمت الكثير وانتهيت منها.
  8. كنت طفلة ذكية لمّاحة وبذاكرة قوية -يمكنني في يوم ميلادي مدح نفسي- هذه الصفات إن اجتمعت شكلت حيرة للطفل وإحراج للكبار. كنت أفهم كل التلميحات من حولي، وأنا هنا أعني قول “كل” أندهش وأكمل وكأني لم أفهم شيء وأحاول ألا أبدي أي ردة فعل توضح فهمي. بعض الأحيان كنت أفهم أن هناك خطب ما متعلق بأمر ما لكني لا أعي ما هو بالضبط. كان عقلي يسبق عمري. قياسا أكاد أجزم لو أن برنامج موهبة موجود خلال دراستي لاختلف الأمر جدًا.
  9. أعتقد أني محظوظة لأسباب كثيرة منها أني عشت وما زلت أتنقل بين جنوب وشمال جدة، بين أكثر أحيائها شعبية وبساطة وعشوائية وفي الجهة الأخرى أفخمها وأكثرها تنظيمًا ثم الأحياء الوسط، ما هو بين هذا وذاك. وأنا هنا أعني بأدق وصف ممكن لكل كلمة أقولها، من يعرف جدة سيتوقع أو يعلم ما أعنيه. لماذا ميزة؟ لأن ولا أحد ينكر قوة الحي بشكل كبير على سكانه وكل ما له علاقة به يشكل سبب ونتيجة، لسبب ما سواء اجتماعيا أو اقتصاديا اختار سكان هذا الحي أن يسكنوا هنا ونتيجة لسكنهم انعكست عليهم أشياء واضحة. لغتهم، سلوكهم، طبعهم، عاداتهم، طريقة تفكيرهم وأسلوب عيشهم. ما أقصده بالميزة أني تعرضت لخيارات مختلفة بشكل واسع في عمر صغيرة. وهذا طور في شخصيتي الكثير ولعل أهمهم التعامل مع الاختلاف وتقبله ومراعاة أصحابه، لا أفضل ولا تفضيل الكل متساوي ولكن مرة أخرى هو الاختلاف فقط. قد يبدو حديثي عن الحي تسطيح للناس لكن لا أعلم كيف أوصل فكرتي وأساسها التنوع الذي عشت فيه وبينه. وفي جميع جوانب الحياة: مناسبات، زيارات، أسواق، سهرات…
  10. إلى عام 2011 أي عمر 20 كانت هناك مشاعل ثم بعد ذلك وتحت ظرف قاسي تكونت نسخة جديدة معدلة من مشاعل. أكبر منعطف وليس نقطة تحول فقط حدثت لي في تلك السنة. من هنا أنا أقسم حياتي إلى قبل 2011 وبعدها.
  11. 28؟ جيد لكن داخليًا لا أعتقد بان شعوري اختلف على الأقل مقارنة بتصوري في السابق عندما كنت طفلة عن فكرة العمر وأن من تجاوزوا 25 كبار!
  12. تنقسم ذاكرتي -حتى الآن- فيما يتعلق بالبيوت إلى 3، بيت الطفولة المبكرة بمجموع عشر سنوات ثم الطفولة والمراهقة إلى آخر سنة في الجامعة بمجموع ثلاث عشرة سنة، ليأتي بيتنا الحالي من السنة الأخيرة في الجامعة وحتى الآن بمجموع خمس سنوات ثم قريبًا سننتقل لبيت العمر بإذن الله.
  13. إن كنت سأختصر حياتي في شيء واحد سيكون حتمًا ودون أي مجال للحيرة: التعلم. نعم، التعلم والتعليم وكل ما له علاقة بهما هو أكثر ما أجدني فيه. يمكنني استغراق عمرًا كاملًا في التعلم/التعليم، لذا وأنا معلمة أعيش دور مفضل في حياتي. ربما بدأت قصتي مبكرًا في سن الروضة إن كانت تحسب ضمن سنوات تعليمي وأنا أحسبها لأنها كانت تعليم جاد. الأربع السنوات الأولى من عمري ثم الثلاث سنوات بعد تخرجي من البكالوريوس الأول هي السنوات التي لم أكن خلالها مسجلة ضمن تعليم رسمي أكاديمي. أما الآن وها أنا ذا قد انتصفت في دراسة البكالوريوس الثاني أجدني أفكر ما الخطوة التالية؟ ماجستير؟ حسنًا في الفيزياء أم في الترجمة؟ ماذا عن الاثنين؟
  14. بالحديث عن محيط أسرتي وصديقاتي، اعتدت وتأقلمت على أننا لا نتقاطع في الاهتمامات أبدًا. بدأت ملاحظة أو اكتشاف ذلك في المرحلة المتوسطة، حينها بدأت تتشكل شخصيتي بشكل أوضح، اهتماماتي، طريقة تفكيري وما يجذبني. ولعل أساس ما أحب كالقراءة والكتابة مثلًا لا ينجذب لها أي ممن حولي والمقربين إليَ، بالطبع أتمنى ذلك أو كنت لكن ما يجمعنا أكبر. استبدلت تقاطع الاهتمامات بأصدقاء مواقع التواصل الاجتماعي. من السهل إحاطة نفسي بمجتمع نتشابه فيه بما نحب ونستطيع خلق نقاشات لا نهائية. وأحب تواجدي مع أهلي وصديقاتي!
  15. تركي، شخص مفضل، أساسي ومهم جدًا في حياتي. أحبه لأن طفولتنا مشتركة ولأنه أكثر شخص بعد ماما قضيت وقتي معه في بيت جدي. أيضًا لم ينقطع التواصل بيننا لأكثر من يوم، لا أحد يضحكني مثله إلا زينب. هل يمكن تخيل حجم تواجده في أيامي؟ لا.
  16. زينب. الأحب، الأقرب، لحظات -ذكريات- مشتركة لا يمكن حصرها ولعل أبرزها ضحكنا في محاضرة المهارات الأكاديمية -الآن ضحكت كذلك- ذكية وشخصيتها مميزة حضورها مختلف وأنا أحبها جدًا. تشاركنا أفراحنا وأحزاننا والكثير الكثير من لحظاتنا حتى البسيطة والصغيرة جدًا.
  17. الحديث عن صديقاتي، حديث ذو شجن لأن الصداقة تعني لي الكثير وجدًا. في كل مراحل عمري أكرمني الله بصداقات هي من أجمل ما حدث لي. كان الوفاق بيننا كبير واللحظات الجميلة عميقة وأصيلة. صحيح أن اثنتين منها انتهت بطريقة حادة وبشعة لكن ما زلت أحتفظ بجمال ما كان بيننا. ممتنة لله لأن دائمًا حياتي ممتلئة بهم. يهمني أمرهم وأحب تواجدي معهم ومشاركتهم لحظاتهم وتكوين ذكريات معهم.
  18. حبي للقراءة كاملًا يعود لماما. وجهودها التي بدأتها في سن مبكرة جدًا قبل دخولي الروضة وتعلمي الحروف. ثم استمرت بتوفير الكتب من مقر عملها بعدها صارت لي زيارة روتينية معها وبابا إلى مكتبة المأمون في مركز الكورنيش بالبلد وحتى الآن احتفظ بكتب الطفولة.
  19. عن حبي للفيزياء بدأ من المرحلة المتوسطة بالتحديد درس تحول الطاقات، وكيف يعمل الصاروخ والمكيف. في الثانوية كنت محتارة بعض الشيء بين الأحياء والفيزياء لكن لا مقارنة بين حبي للأخير لذا اخترته تخصص لي في الجامعة. ولا أنسى كيف ردة فعل من يسألني إن كنت دخلته برغبة أو أن معدلي لا يساعدني إلا لدخول كلية العلوم وأجيب حبي للفيزياء.
  20. في سنوات الجامعة بدأ يتكون لدي اهتمام واضح بمواضيع مثل: الهوية – اللغة- القومية وتأثير كل منهم على المجتمع وغيره، مواضيع لم أكن أتخيل أن يأتي يوم وتكون ضمن دائرة ما يلفتني، انعكس هذا على نوعية الكتب في مكتبتي بشكل واضح ثم استمر لينتهي بي الحال إلى دراسة اللغة الإنجليزية والترجمة.
  21. في الصف السادس الفصل الدراسي الثاني وخلال أيام الاختبارات النهائية قصصت شعري لأول مرة. قصير إلى طرف أذني، أتذكر إلى الآن كيف كنت أسرق دقائق من المذاكرة لأقف أمام المرآة مندهشة من تغير شكلي! تحول قص شعري إلى عادة سنوية. تهورت مرتين الأولى سنة 2016 وحلقت شعري على الصفر! كانت مراقبة نموه من أجمل التجارب التي عشتها. والثانية سنة 2020 حلقته على درجة 3 والآن أعيش ذات التجربة أراقبه وهو ينمو حيث أصور شعري شهريًا بين تاريخ 26-30 وأقارنه بالشهور السابقة، الفرق يجلب السعادة.
  22. 2018 سنة مميزة بالنسبة لي لسببين لكن الأهم هو حصولي على رخصة القيادة وكانت في وقت قياسي مقارنة بظروف مدرسة القيادة في تلك الفترة. كذلك يعود الفضل لبابا إذ علمني السواقة أسبوعيا سنة 2008 عندها كنت في المرحلة المتوسطة. أستطيع القول بأني من أوائل الحاصلات على الرخصة في جدة ليس فخرًا أو ربما كذلك لكن تيسيرًا من الله، أصبحت نقطة مهمة في حياتي. بالنسبة لي بشكل شخصي أو حتى لوالدي.
  23. أكتب هذه القائمة وأنا أعيش أكبر وزن لمشاعل في هذه الحياة والذي لن يستمر لكن بما أن يوم 27 يونيو جاء وأنا هكذا يحق لي أن أخبرني لأتذكر هذا لاحقًا إن شاء الله. إذًا عمر 28 بأثقل نسخة من مشاعل ههههههههه بينما الأخف كانت سنة 2012 دون الوزن الطبيعي.
  24. أميل للروتين، للثبات لا مشكلة لدي مع التكرار ولفترة طويلة، لا أميل للتغير كثيرًا. استغرق وقتًا أطول في كل شيء تقريبًا -ماما تخبرني بأني شخص بارد- على مقياس السرعة، بطيئة وغالبًا مكبرة دماغي وموفرة كل شيء لحين العوزة.
  25. كتابة يومياتي هي العادة الوحيدة التي استمرت معي لسنوات، جزء لا يتجزأ من يوم، الكتابة هي أكثر ما أفعله بعيدًا عن جودة لغتي من عدمها. كتابة اليوميات وحبي للتصوير اندمجا ليشكلا أسلوبًا بسيطًا اتبعه لتوثيق لحظاتي وأيامي.
  26. أحب أن يكون يومي مزدحم وممتلئ بمهام، أماكن وأشخاص. لكن الأهم هو أن يكون ممتلئ بما يشغلني. حالة الانتقال من مهمة إلى أخرى مختلفة وكلها أعمال مفضلة. أكتب هذا وأنا عشت حالة من الفراغ بسبب جائحة كورونا والحجر مما فرض علينا الجلوس في البيت. لا مدرسة أو جامعة لا صديقات ولا أهل. أنا وأنا في البيت فقط! وجدتني أمام ساعات طويلة لم أعتد على إدارة كل هذا الوقت دون التزامات. لذا فاليوم الذي  أكون فيه منشغلة هو المفضل. لكن من الطبيعي تأتيني أيام تكون استثناء ولا أرغب فيها بفعل شيء واحد فقط.
  27. لا يمكنني أيضًا تجاوز سنة 2020. غريبة، مختلفة جميعنا عشنا تجربة جديدة لم يسبق لنا أن اقتربنا من ظروفها أو تغيرت حياتنا بشكل مشترك إلى هذا الحد. كورونا وكيف غير العالم بأسره، حجر منزلي وحظر تجول وتعطل لكل شيء. 3 شهور و3 أسابيع منذ تعليق الدراسة وهذا أول ما تأثرت به حياتي بشكل مباشر. ثم لا رمضان ولا عيد شوال كعادة سنواتنا. لن أسهب لأنن ما زلنا نعيش في أيام كورونا.
  28. أخيرًا، وبعيدًا عن خزعبلات الأفكار إلا أني أحب الرقمين 2 و8، وسعيدة لأني أخيرًا كتبت هذه القائمة وهي فكرة مؤجلة منذ عيد ميلادي الرابع والعشرين. بكتابة هذه القائمة أستطيع القول بأني احتفلت بهذا اليوم والذي دائمًا أختصره بالكتابة.

الخوف: الواقع

حتى الآن لم أكتب تفصيلًا عن مشاعري في الفترة الحالية، أؤجل لأني متأكدة من قدوم لحظة لن أستطيع بعدها تجاهل كتابة كل ما يجسد مشاعري/ أفكاري/ حديثي الداخلي خلال هذه الأيام. بحاجة لأن أكتب لأفهم، لأهدأ.. ولأعرف.  كثرت محاولاتي في تحسين الوضع العام وأخشى من تراكم هذه المحاولات لتنعكس وتعود إلى أصلها: مقاومة كل ما يحدث. كمية التغيرات التي نمر بها مع طول المدة بدأت تحول مقاومتي لضعف واستسلام وأنا بكل صدق لا أريد الانغمار في هذا الطقس، نعم أقول انغمار لأن الخروج منه صعب وأقول طقس لأني أعلم أنه سيسيطر لفترة ليست قصيرة.  مقومات النجاة ضعيفة وفي طريقها للاختفاء.. أكرر والمقاومة بدأت تتهاوى. ثلاثة أشهر وأنا أحاول الانشغال عن أن أكون مشاعل مجردة أمام ما يقف أمامي! ثلاثة أشهر وأنا أراوغ لكن سئمت ومللت وقاربت أفكاري أن تنضب. كنت أعزل نفسي عن كل ما قد يؤثر سلبًا، الكلمات التي عملت لها ميوت في تويتر ازدادت، توقفت عن متابعة الأخبار بشكل مستمر لكنها تصل، الكل مهتم. أحب أن أعيش كل حالة لأقصاها، أعطي نفسي حقها لكن هذه المرة أحاول جاهدة أن أبتعد عن الغرق. أخشى من قدوم لحظة أفقد فيها السيطرة عندها سأكون متابعة فقط لن أتمكن من تعديل أي شيء.. أعرف نفسي لذا بدأت حقًا أخاف. هذه الحقيقة وراء كل ما أقوم به، أخاف على مشاعل..
في الجهة الأخرى يكمن ذلك الصوت الذي يهمس دائمًا ليجعلنا نندم حتى على شعورنا الطبيعي في لحظة ما. يهمس ليجعلني أندم على مجرد التفكير بالسابق لأني أتحدث عن اشياء قد تندرج تحت الرفاهية؟ بينما العالم… لن أكمل.

27

اليوم تعادل عمري مع تاريخ ميلادي 6/27. أتذكر هذا اليوم جيدًا من كل سنة، أنتبه لقربه لكن في الغالب لا يتجاوز احتفالي بأن أكتب سطورًا في يومياتي، هناك مرة أرسلت لنفسي رسالة عن طريق موقع واخترت أن تصلني في يوم ميلادي ونسيتها. عندما وصلتني تفاجأت مما كتبته فيها إذ كان مناسبًا لما أحتاجه في تلك الفترة. في هذا العام جعلت من يومي  بداية لاشتراكي في نادي رياضي ليكون خير بداية بإذن الله. أيضًا وبشكل عفوي دون أي تخطيط بدأ يومي بمكالمة جميلة مع حنين أيمن وخير ما أبدأ به عامي “حنين”

كنت أفكر قبل أيام ما الذي يمكنني كتابته في هذا اليوم؟ قائمة تحمل تعدادًا يعادل سنوات عمري؟ أمنياتي؟ لحظات مهمة في حياتي؟  بعد عودتي من النادي< لابد من إقحامه في كل شيء. وصلت إلى فكرة مقارنة ما كنت أكتبه بتاريخ 6/27 من كل سنة في دفاتر يومياتي. فما كان إلا أن أخرجت كل دفتر كتبت فيه يوميات شهر 6. أريد نظرة بانورامية عن حال هذا اليوم من كل عام.  وسأنقلها هنا تمامًا كما كتبتها في الدفتر. أقدمها كان 2009 وآخرها 2018، هناك سنوات لم أكتب خلالها يومياتي مثل 2011 أول سنة في الجامعة.

السبت 2009: أحياء وحديث < هذا كل ما كتبته ويتضح أنها فترة اختبارات في الصف الثاني ثانوي، كنت أخشى أن تنخفض نسبتي وانعكس على يومياتي.

الأحد 2010: ثاني يوم في الاسبوع الثاني من الاختبارات النهائية للتوجيهي. اليوم كان عندي توحيد.. الحمدلله.. الاختبار كان مره مره مره حلو وسهل. حلاوة الاختبار اليوم الكل مبسوط. هانت 🙂 < سلامات كل الأيام اختبارات نهائية!

الأربعاء 2012:  

1992-2012 my 20th birthday!

اليوم، أقصد في ليلة هذا اليوم بمجرد ما دخل اليوم البنات على الفيسبوك يهنوني لأنه صار عمري 20.. أبرار حضيري على واتساب. وهدية الجامعة جات في وقتها< يومها فزت بقسيمة شرائية.

اليوم كان استثنائي بداية بكتابة صحباتي مرورًا بروحتي مع ماما لمكتبة جرير فرع شارع فلسطين<؟ اشتريت 5 كتب -طبعًا في يومياتي كاتبة العناوين- بعد كذا رحنا المرجان للأسماك مع بيت جدي وكل خيلاني. آخر شي خالو علي سوا لي مفاجأة جاب كيكتين مكتوب فيها: happy birth day misho وشموع.. كان يوم رائع بكل ما تحمله الكلمة، الحمدلله.. شكرًا خالو علي وشكرًا لكل أهلي ^__^

الجمعة 2014: my 22nd Birthday

Happy birthday to me!

وصلتني أجمل رسالة من بشرى عمر، وفي حينها كتبتها في دفتر يومياتي كاملة ويبدو أني اكتفيت بها.

12:17ص:

إليّك يا ميّشا.. 

رسالة آمل من كل قلَبي أن تكون استثنائية في ظروف معارضة للكتابة!، لكن هل أضيّع هذه الفرصة دون أن اكتب؟ هل أجعل اليوم يمرّ كباقي الأيام؟ مؤكد لن أفعل.. مؤكد سأكتب =)
يا صديقتي إليك، يا فتاة الأحلام الكامنة في قلّبك، و المستقبل في عينيّك..
يا صديَقة، ما العمر بين أيديّنا إلا زيادة من كل شيءّ، في الحلم و الحب و العلم و الإيمان.. ما العمر إلا أن نكون نحن الزيّادة في كل شيء، أن تكوني أنت غير أعداد البشر المتلاحقة، أن تكوني أنت الاسم العريّض بين كل الأسماء!، أن تكوني الكل فيما حولك. أن تكوني أنت الامتلاء في عالم الفراغ!.
يا صديّقة، يراقبون العمر رقمًا و نراقبه كيفًا و تقدمًا نحو أن نكون إضافة لعالم ينتظرنا.
أردت دائمًا أن أقول شيئًا لا أعرفه، أن أقول لك عن الحياة عن ما تعرفيّنه و أعرفه يجمعنا حوله جسد يبحث عن بضع راحة، و روحًا لا تكفّ تتبّع الابتلاءات لتدرك السبيل!، تلمح عقبة هاهنا تفتح دربًا ما كنا لنقف عنده لولا ما كتبه الله لنا من لحظة ابتلاء، تهبنا مفتاحًا لباب، لضيق، نفتحه يوما ما.عن كهف نأوي إليه اضطرارًا، لنخرج منه على شروق شمس أرواحنا و نضج عقولنا.عن حكمة، يختارنا الله لنملكها. و منع هو كل العطاء.
يا صديّقة، لك في القلب ميّزة لا يملكها سواك، تجعل القلب مطمئنًا حين تشتد أحوال الحياة، فيعرف أن حتى السؤال منك يكفي لأن أشعر أنني بخير. لأن صديقًا بعيدًا قريّبا أذكر له الخير و يذكره ليّ، و مثل هذا نعمة و أي نعمة.
في عامك الثاني و العشريّن، في عقد عمرك الثاني، أتمنى أن يزوّدك الله بما تحبيّن فيما تحبيّن. و أن تري بين يديّك عالمك ينمو و به بريق نضج، حصيلة تلك الأيام الماضية، و الاختبارات المتتالية. حصيلة درب ربما ظننتِ أنك فيه صغيرة و قليلة مما تملكين، بينما أنت كثيرة بالحلم و التجربة، كثيرة بما يجعلك أقوى لتواجهي دربًا جديدًا يحتاجك أكبر و أكثر استبصارا.
كل عام و أنت في خير و بخير ❤

السبت 2015: اليوم هو اليوم الذي أكملت فيه 23 من عمري. الرقم يبدو مرعبًا بالنسبة لي وحين أفكر فيه دون مقارنات بأعمار أخرى أشعر أنها سنوات كثيرة. صحيح دائمًا أردد أن العمر كرقم ليس ذا فرق كبير أو أنه لا يهم بقدر ما الذي قدمته وجربته في حياتي. بحكم اني دايما أكتب شيء خاص في يوم ميلادي. المرة هذه أكتب بشكل مختلف ..أحس تمامًا مسلّمة أمري لله أكثر مرة أشعر من جوّا قلبي اني موكلة أمري لله فعلًا بمعنى لا حول لي ولا قوة إلا بك يا الله، ثم قائمة دعوات
الإثنين 2016: فتاة الميلاد، 24 صيفًا في جدة. سنوات سعيدة يارب مزدحمة بالصحة والعافية وأمنيات محققة يا كريم< حبيتي وأنا أدعي لنفسيكنت أريده أن يكون يومًا مميزًا أقضيه مع نفسي أكتب وأفكر كما أريد لكنه صادف الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ذروة فترة الخروج من البيت لإتمام حاجيات العيد. تهنئات بعيد ميلادي من أصقاء path 🙂
الثلاثاء 2017: my 25th birthday!
الرقم يخوف شوية. ربع قرن من الحياة. < واضح إني خايفة ما كتبت غير كذا -_-
الأربعاء 2018: هذه المرة كبرت سنة خلال يوم مميز بالنسبة لي ومنتظر أصلًا قبل أعرف إنه يوزاي يوم ميلادي.
+ صار عمري 26 سنة. اليوم هو يوم التقديم على الجامعة الإلكترونية الحمدلله ما جت الساعة 12:05ص إلى وأنا خلصت طلب التقديم لكلية العلوم والدراسات النظرية قسم الترجمة واللغة الانجليزية. برضه اليوم أرسلوا لي مدرسة القيادة إنه سددي الرسوم وابدأي احجزي موعد.  in general. I feel good these days.
الخميس 2019: لم أكتب في يومياتي بعد لكني أستطيع اختصار ما أظنني سأكتبه بعبارات قصيرة: من أكثر السنوات التي شعرت بها أني تغيرت؟ هناك شيئًا لم يعد كما كان لدرجة ألاحظ نفسي في أوقات كثيرة. وسعيدة بهذا التغير لأني أراه تفسيرًا جيدًا لمعنى أن يكبر الإنسان. سعدت كذلك بتهنئة زوز وفطوم على وجه الخصوص 🙂
ورسالة تهليل:
مشاعل يا مشاعل ..

أعتقد بأني استنفذت كل مشاعر وكلمات الغزل في حقك ومع ذلك أرى بأني لم أُفيكِ حقك منه!
في البدء كنت أُريد تهنئتك بيوم مولدك برسالة واتس أو انستغرام، لكني تذكرت بأنه اليوم العالمي للرسائل لذا ركضت سريعًا إلى هُنا. فما زال للرسائل الخاصة  المعنونة حميميتها سواءً كانت إلكترونية أو ورقية ..
لذا؛
ميلادك مجيد وعامك سعيد مشاعل، عُمرًا زاهي ومبهج يا صديقة 🎈✨
أتمناه لك عمر مُكمل لأعمال وإنجازات العمر الذي مضى. أتمنى لعمرك القادم المزيد من الفرح ولروحك الكثير من السعادة ولحظات الحب الحقيقية.
كل وأنتِ عام مشاعل ذات الروح الجميلة والضحكة العذبة والصوت المبهج ..
كل عام وأنتِ عالمة فيزيائية تعلو بروحك بالفضاء، باحثة نجيبة في بحور العلم والأدب واللغات، كاتبة يومية لكل اللحظات المفرحة والذكريات التي لا تمحى 💕
محفزة دائمًا لذاتك قبل الآخرين ، مشاعل مُضيّة في سراديب الحياة المُعتمة بكل خير وسلام ..
من تُحبك دائمًا وأبدًا:
تهليل 🌿
.
.
.
اللهم رفقة طيبة وبركة في العمر.

القراءة ببطء

يقول ميلان كونديرا  في رواية البطء:” السرعة هي شكل الانخطاف الذي جعلت منه الثورة التقنية هدية للإنسان.” جميعنا مؤخرًا مع غرقنا في هذه التقنية نستطيع أن نلاحظ بأن كل شيء في الحياة أخذ وتيرة سريعة، تغير تعاملنا مع مفهوم الوقت والانتظار، تضخم إحساسنا بالدقيقة وبالتالي الساعة ثم الأسبوع وهكذا حتى باتت السرعة هي ملخص أيامنا. في اللحظة الواحدة، أصبحنا نقوم بعملين ظنًا منا لتوفير الوقت. سواء أدركنا ذلك أو لم ندرك أصبحنا في عجلة من أمرنا بشكل شبه دائم.

قبل عدة أيام كنت في حديث مع أصدقائي فأخبروني مازحين كعادتهم بأني أستغرق وقتًا طويلاً في مشاهدة الأفلام والمسلسلات أي أني أشاهدها ببطء مبالغ فيه كما يرون وأنا هنا على العكس منهم تمامًا. كنت قد بدأت بمتابعة مسلسل قبل صديقتي بحلقتين وهي الآن انتهت من مشاهدة الموسم السادس بينما أنا للتو بدأت بالموسم الثاني. وفي أثناء ردي عليهم مازحة أيضًا تذكرت أن هناك من سألني قبل ثلاث سنوات بعد متابعة حسابي على موقع Goodreads سألني: لماذا تقرأين عادة ببطء؟ والمقصود بالبطء هنا أني أستغرق وقتًا أطول من المتوقع مقارنة بعدد صفحات الكتاب إذا ما كانت هي المقياس. كنت في تلك الأيام أقرأ رواية الجوع لكنوت هامسون، وعلى الرغم من أن عدد صفحاتها لا يتجاوز 240 إلا أني قرأتها فيما قارب الشهر. أستطيع قراءتها في جلسة واحدة لن أقول خلال يوم واحد بل جلسة واحدة فقط! لكن السؤال لماذا؟

لماذا يجب علينا أن نقرأ سريعًا؟ خصوصًا في القراءات الشخصية الحرة التي لا تخضع لأي مسؤول ولا قوانين سوى أن تفتح الكتاب وتقرأ متى شئت وأينما أردت. لذا من الواضح أن قراءات الدراسة والعمل مستثناة مما سأقوله. لطالما تساءلت لماذا التحريض تجاه ضرورة سرعة القراءة؟ أو الترويج للقراءة السريعة وتأليف العديد من الكتب التي تعلمك تقنيات القراءة سريعًا أو حتى قيام دورات تدريبية لذلك. ما ضرورة كل هذا بينما أنا أقرأ رواية جميلة وأستمتع بتفاصيلها وأعيد بعض الفقرات عدة مرات حتى أعيش جمال ما كتب فيها؟ أعتقد أنني أنتهج القراءة البطيئة إن كان هناك طرق وأساليب القراءة فحتما البطء إسلوبي.

بعد محادثتي تلك مع أصدقائي أخذت أراجع جميع قراءاتي، بالمجمل كانت معظمها تأخذ مدة أطول مما هو متوقع نسبة إلى عدد صفحات الكتاب. إذن النسبة الكبرى من القراء بشكل أو بآخر هم ينصحون بالقراءة السريعة والتي بالضرورة ستجعلنا نلتهم الكتب في فترة أقصر. أنا لا أحرص على هذا، ليس من أهدافي أن أقرأ سريعًا.
دائمًا ينصحون بمضغ الطعام جيدًا أي ببطء أو لنقولها بجملة أخرى: أن نأكل على مهل. وأن لذلك فوائد يستطيع أن يعددها لك فورًا. ربما وسعت أنا هذا البطء ليشمل قراءة الكتب أيضًا. قراءتي باختياري بطيئة كذلك إذا ما دخلت في قراءة جماعية غالبًا ما أكون متأخرة عنهم بيوم أو يومين.
أستطيع أن أزعم أنني بسبب القراءة البطيئة، أنا أتذكر جيدًا، أتذكر المشاعر، التفاصيل، تفاصيل الشخصيات والأماكن مثلًا، أتذكر ردة فعلي، الأثر الذي انعكس على نفسي من الأحداث أو تلك التفاصيل الصغيرة الموجودة بالعمل.

بالمناسبة، رواية البطء لميلان كونديرا اقتنيتها في المقام الأول لعنوانها ثم لما كتب خلف هذه الرواية:
“”ويدعونا الكاتب، وهو يمجد البطء في هذه الرواية، إلى الوعي “بالوشيجة السرية التي تربط البطء بالذاكرة، وتصل السرعة بالنسيان” وفي هذا العالم الذي لا تنفك فيه سرعة كل شيء تتنامى، يرى كونيدرا أننا أضعنا الذاكرة التي تُفضي بنا إلى اللذة وتمكننا من الشعور بالمتعة في عيش الحاضر”” عند قراءتي لهذه الفقرة لم أستطع تجاوز الرواية أبدًا.
ثم وجدته يربط النسيان والتذكر بالسرعة والبطء عندما صورها في مشهد كثيرًا ما نراه في حياتنا الواقعية حيث قال:
” ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان. لنذكر بهذا الصدد، وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمر ما، لكن الذاكرة لا تسعفه. في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو. أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له توًا، على العكس يسرع، لا شعوريا، في مشيته كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريبًا جدًا منه. في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذه التجربة شكل معادلتين أوليتين؛ تقوم الأولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة والثانية على تناسب درجة السرعة من حدة النسيان.”
في المقابل يقول فيليب روث: “قراءة الرواية عمل يتطلب قدرًا من التركيز والتمحور الذاتي والانغماس في القراءة ولو صادف أنك قرأت رواية ما ولم تكملها بعد أكثر من أسبوعين فذاك يعني أنك لم تقرأ فعلًا.”
هنا أيضًا أقف موافقة على رأي فيليب فيما يخص التركيز والتمحور الذاتي والانغماس، تمامًا هذا ما تحتاجه قراءة رواية أن نغرق في عالمها تمامًا. وأوفقه على تحديد مدة أسبوعين في حال أن الرواية تشدك بقوة حتى تنهيها ليس من أجل فكرة السرعة ولكن لتكتشف ما ينتظرك وراء سطورها وشخصيتها. أظن أنني أقرأ تحت مظلة كونديرا وفيليب، جمعت بينهما معًا بطريقة ما أجهلها.
أخيرًا: ليس هناك قواعد وضوابط محددة ومقيدة للقراءة الحرة كما يسوغ لها الكثير. كل ما في الأمر أفتح كتابك وأغرق فيه كيفما شئت حتى تصل إلى أعمق ما فيه ويصبح جزءًا من وقتك تفتقده عندما تنتهي منه.

في معنى أن نكبر

ما زلت أجدني مدهوشة من مرحلة التحديثات التي وصلنا إليها مؤخرًا، وأقصد هنا نحن خريجات الثانوية دفعة 2010م.
وأخص بالدهشة صديقاتي المقربات، وبالتحديد تحديث الأمومة! أتقبل بسهولة كل التغيرات لكن أن تصبح صديقتي أم.. شعور عجيب، جميل وغريب ومحير.
يزداد الوضع -تناحة- إذا كانت صديقتي منذ الصف الخامس أو الصف الأول متوسط، يا إلهي…قد تبدو حالتي غريبة ومضحكة لكنها تتكرر عندما تصلني التحديثات. وأنا اليوم غارقة في شعور الفرحة والمفاجأة والغرابة.

تقاطعنا خلال مرحلة معينة من أعمارنا ولسنوات ثم ها نحن الآن كل واحدة فينا تقطع طريقًا مختلفًا تماما. وهذا الأمر بديهي وطبيعي جدًا إلا أنها تأتيني لحظات أقف فيها متأملة ومتعجبة. ماذا كنّا وكيف أصبحنا.
والعشر سنوات الأخيرة كانت بطبيعة الحال تحمل نقلات كبيرة سواء على مستوى الإدراك والوعي كتجارب كاملة ممزوجة بمشاعر قد تعاش لأول مرة مثلًا: وظيفة، زواج، أمومة، إكمال دراسات عليا، هجرة، سفر وتنقل، خيبة، تراجع، تقدم، رحيل، غياب.
أخص بالذكر العشر سنوات الأخيرة لأني أعتقد بأنها مختلفة عند الجميع دون استثناء. بعد الثانوية ثم الجامعة تبدو الحياة أكثر جدية، الهموم تتبدل والمسؤوليات العظيمة تثبت وجودها. قرأت تغريدة لأحمد العمر يقول فيها: أعرف الطفل الذي كنت أحمله على كتفي وألاعبه في صغره أنه قد كبر ولم يعد طفلًا بعد اليوم عندما يقلق، فالقلق هو الفراق الحتمي بين الإنسان وبين طفولته.
فعلًا، القلق دلالة على أننا لم نعد أطفال، لم تعد الأيام تعبرنا كما كانت..
الليلة، كنت أبحث مع صديقتي عن اسم مناسب لطفلتها الأولى، صديقتي التي أعرفها من الصف الأول متوسط إلى الجامعة وما بعدها وياللغرابة!

في معنى أن نكبر… وأن يصبح شعورنا أثقل وأعمق.

باب مكتبها

أخشى الأفكار التي تنتشر ثم ما تلبث أن تتحول لقاعدة أو شيء بديهي. ومن هذه الأفكار، أكره تلك التي تخبرنا بأننا لن ندرك قيمة الأشخاص/الأشياء إلا إذا *فقدناها*

ولأقاوم الخوف المترتب من هذه الفكرة، أصبحت أحاول جاهدة أن أعرف قدر الذين أحبهم ثم أعيش كل شيء لأقصاه. انعكس هذا سلوكا مع من أحب. أعيش معهم كل يوم وأنا أسعى للاقتراب أكثر، لخلق ذكريات، مواقف، ضحكات…رصيد لا يجعلني أندم لاحقًا أو على الأقل يخفف من الألم. ولا ضرورة لإخبارهم! هذه نظريتي وحدي وأنا من أطبقها بصمت.

واليوم كان الدوام الأخير لفاطمة بيننا في المدرسة.

أعلم أنها ذاهبة لفرصة أفضل وهذا يسعدني جدًا لكن في المقابل أنا حزينة. بطة بالنسبة لي صمام أمان، وقلت لها ذلك ذات مرة لكني لم أخبرها كيف؟ هي أول من أفكر بالذهاب إليه حتى لو لتسمعني فقط. لديها قدرة على تحويل كل شيء إلى أمر غاية في البساطة وسهل تجاوزه. لا أتذكر أني أخبرتها عن أمر ما وعدت بنفس المزاج قبل إخباري لها. فطوم هي أكثر من يعطيني شعور الأمان، نعم سأكرر كتابة هذا مرة أخرى. بمجرد نظرة، تلويحة، ابتسامة من بعيد، ضحكتها، اسلوبها في الكلام، دخولها لغرفتنا، شغبها، يقظتها وذكاؤها الحاد. فطوم شخص معطاء محب للخير بطريقة رهيبة. ربما لم نكن نلتقي خلال الدوام كثيرًا، لكنها دائمًا أذان صاغية لحيرتي. أفهمها من نظرة وأدرك “تسليكها” الاحترافي.

فطوم من أجمل الشخصيات التي صادفتها في حياتي، رَفعت سقف مفهوم وجود الأرواح الجميلة من حولنا. شخصية ملهمة، مبدعة، محفزة ومعطاءة.

من اليوم لن أسرق نظراتي على غرفتها، لن أشاغب عن بعد، لن أفكر كيف أرمي قصاصات الأوراق في حقيبتها ومن سندخله في مقلب بحبكة لا تصمد طويلًا؟

سأفتقدها كثيرًا وأعلم من الآن أني سأشعر بالحزن في كل مرة أرى  باب مكتبها. عندما عدت للبيت أرسلت لها: ما سلمت عليك… أما الآن فأقول الحمدلله أنني لم أسلم عليها كوداع أخير في المدرسة. لا داعي لوضع نقطة آخر السطر وليبقى السطر غير منتهي ولا وداع لفاطمة بمجرد تغير المكان.

على الهامش: كتبت قائمة بكلمات دلالية مرتبطة بك يا فاطمة… ما إن أسمعها إلا ووجهك يظهر في الزاوية 🙂

كل التوفيق في قادم أيامك وأحبك *هيون*