مركز الكورنيش

قررت فجأة الحصول على حذاء جديد وكذلك ذهابي إلى مركز الكورنيش دون سواه. أردت التقاط صورة للواجهة لكن خضت تجربة جديدة مع مكاني القديم حالت دون تحقق ذلك. دخلت بالخطأ إلى مسار المواقف العلوية بدلًا من الأرضية ولا مجال للتراجع إذ إن الطريق يزداد في الارتفاع كلما تقدمت حتى وجدتني فيما يعادل الطابق الثاني من المركز. لأول مرة أجرب المواقف العلوية هناك.

مركز الكورنيش من الأماكن البارزة في ذاكرتي والتي لن يكتمل حديثي عن طفولتي دون التعريج عليها. من الأماكن العتيقة وتربطني به ذاكرة غارقة في القدم تعود إلى عمر الرابعة. ذاكرة مزدحمة بالكثير من التفاصيل والأشخاص والمواقف واللحظات. قضيت بين زواياه الكثير من أوقاتي، كان من أماكني المفضلة تلك التي أسعد بذهابنا إليها. كانت زيارتنا له تكاد تكون شبه شهرية، بالتحديد إلى مكتبة المأمون وقد انقسمت إلى قسمين، أحدهما قرطاسية والآخر مكتبة. سلسلة أناشيد سنا وقوائم ممتدة من كتبي الأولى تعود إلى هناك، كتب جحا وكتب الألغاز والقصص القصيرة إلى أن وصلت إلى كتاب (لا تحزن) في الصف الأول متوسط تقريبًا.

الدخول إلى مركز الكورنيش يعني الاصطدام المفاجئ والسريع برائحة القهوة وهي تسيطر على المكان من كل الجهات وتعود لدارة القهوة، يعني النافورة وصوتها والوجوه مزدحمة من كل الجنسيات بلا استثناء.

ذهبت إليه اليوم مع ماما، وحصلت على حذائين بدلًا من واحد، لكن لم أصطدم برائحة القهوة ولا بتلك الوجوه الوافرة. كان كل شيء كما هو باستثناء مكتبة المأمون والتي صعقت قبل سنوات بتقلص حجمها من نصف طابق إلى نصف محل يحتوي كتب لا يميزها شيء سوى أنها ما تبقى من مكتبة هائلة. هناك محل في طرف السوق، اعتدت شراء أحذية الجامعة منه لسنوات، عدت إليه بعد انقطاع كورونا ولم أجده واليوم لم أقترب من تلك الزاوية، وسوبر ماركت الدانوب يبدو غريبًا، كرقعة في ثوب قديم.

لم ألتقط سوى الصورة أعلاه لأتذكر أين أوقفت السيارة فلا أدخل في رحلة بحث طويلة. كنت أفكر مع سلسلة الهدم الممتدة في جدة، وهي جغرافيا ليست بعيدة عن مركز الكورنيش. إذا ما هدم في يوم ما، فهذا يعني بالضرورة اختفاء جزء من ذاكرة الطفولة (المكانية). والآن، أريد البدء بتصوير أماكني المفضلة أو ما تبقى منها. لدي قناعة بأن اختفاء المكان أو تبدل تفاصيله الناتجة عن ترميم مثلًا تؤثر في وجوده. مدرستي الابتدائية 87 هدمت ثم بنيت من جديد باسم آخر، بهذا هي لم تبقى سوى في رأسي! أيضًا الابتدائي 32 داخلة ضمن مشروع الهدم وستختفي تمامًا .

أحب جدة وأعشق أماكنها خصوصًا تلك المرتبطة بسنوات لم يبقى منها إلا طيف ذكراها، ولا أنكر بأنه يحزنني ما يحدث فيها من تغير عظيم ومفاجئ -وحاد بعض الشيء- لهويتها ولجدة التي نعرفها لكنه في المقابل ضريبة التجديد والتطور. نمر بأماكن كثيرة هدمت لكن ما زلنا نحاول تذكر بداية ونهاية أطراف الأماكن. هنا كان المطعم ملاصق له السوبر ماركت وهناك المركز بجواره الحلاق و و و و.

رأيت اليوم مقطعًا التقط من البنك الإسلامي، لا أرى إلا أرضًا شاسعة. كانت هنا حياة، فهل سنقول: كانت هنا جدة؟

رأي واحد حول “مركز الكورنيش

  1. بكيت عند الفقرة الأخيرة .. ألتقطت صور وفيديوهات عدة للجزء الذي يعنيني من مدينة جدة في آخر زيارة لكن للآن لا أجرؤ على نشره ومشاركته دونًا عن معاودة مشاهدته بيني وبين نفسي، غصة ألم.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s