الحياة من جديد

في كل دفاتر يومياتي كنت أكتب في الصفحة الأولى: بداية جديدة. لكن حياتي لحد كبير كانت متشابهة. اليوم وبعد توقف لشهر كامل عن التدوين فقدت خلال ذلك قدرتي ورغبتي في الكتابة ها أنا ذا أذهب لأشتري أول دفاتر يومياتي في مرحلة جديدة كليًا من حياتي، كتبت كعادتي: بداية جديدة ولكنها المرة الأولى التي أعني بها ذلك فعلًا.
حتى الآن لم أصل بعد لمصير دفاتر يوميات السنوات السابقة بشكل دقيق، لا أعلم حقًا هل أتلفت أم لم يصل إليها أحد وهي في مخبأها حتى هذه اللحظة؟ لا أعلم لكن بنسبة كبيرة قد يكون مصيرها كمصير مكتباتي الثلاث، ذهاب دون عودة. لذا سأفترض أني فقدتها وسأنتظر والله لطيف.

كنت كذلك في الصفحة الأولى أكتب رقم جوالي على أمل إن فقدتها يومًا ما يكون هناك بصيص لإيصالها لي ولكن ماذا؟ حتى رقم جوالي تغير. انقطعت بي سبل الوصول إليها وحسبي الله ونعم الوكيل.

كان شهرًا قاسيًا جدًا، دخلت فيه إلى أماكن لم أكن لأتخيل أني سأدخلها في يوم ما. كنت أرمي خوفي وضربات قلبي المتسارعة خلفي، آخذ شهيقًا من أعمق حويصلة هوائية في رئتي وأدخل وحيدة، في البداية كان صوتي يرتجف ولكن كنت أهمس لي: لا مجال للضعف الآن الكل مشغول ولا يريدون سماع أحرف مهترئة. كنت أبكي بينما أتنقل من مكان لآخر، لكن ما إن أصل حتى أجمع قواي وأواجه. مررت من قبل بامتحان قاسي جدًا في صحتي ومن بعده تيقنت أن الدنيا لا تعادل شيء أمام صحة المرء وكل شيء يعوض مهما بدى ذلك مستحيلًا..هذا كلام أقوله عن يقين وليس لمجرد التخفيف.

كان شهرًا قاسيًا إذ تزامن مع انتهاء المناهج وضغط العمل واختباراتي النهائية في الجامعة إضافة لهذا الظرف وكل تبعاته. كنت أظهر قوتي وفي داخلي كل ضعف الدنيا. وأفكر في حياتي وكل أغراضي وحاجاتي، خرجت من البيت خروج المضطر ولم آخذ إلا الأهم والأخف.

ماما وأهلي وصديقاتي أخص بالذكر زينب وفاطمة وخلود وكل من أعرفه في مواقع التواصل الاجتماعي دون مبالغة كانوا خير معين لهذه الفترة. لم أنتهي منها بعد ولكن نفسيا تجاوزت الكثير، طالما أني بدأت أكتب وأتكلم عنها إذا قطعت مسافة جيدة في فهم وربما التصالح مع هذه الأزمة وأثرها الكبير على حياتي. هي الآن أزمة لكن لاحقًا بإذن الله طوق النجاة. أقول لنفسي لا تقف الحياة عند فقدي لكتبي ويومياتي، الحمدلله أني وماما ومن نحب بصحة وعافية وهذا أغلى ما نملك. كل شيء يعوض رغم صعوبة ما نعبره إلا أننا ما زلنا بخير.

التأقلم مع الحياة بشكلها الجديد صعب ويرافقه شيء من الحزن خصوصًا إذا ما استعدت كم الأشياء التي تركتها خلفي لكن في ذات اللحظة عندما أتذكر أن ما فقدته هي مجرد أشياء أجد مواساة كبيرة. مهما كانت أشيائي غالية تبقى جزء من حياة واسعة.. والعوض كل العوض من الله سبحانه وتعالى. هذه النقلة الكبيرة هي المنعطف الثاني في حياتي وكما أن للأول أثره العميق سيكون لها أثرها العميق والدائم. لست مثالية لكني أتحدث من واقع القياس بما سبق لي وعاصرته في حياتي، لطف الله في كل أموري ومعيته جلية وهذا والله يمحي أو يخفف عني الكثير.
دهشت في المرة الأولى عام ٢٠١١ من قوة صبري لم أكن أعلم أني أملك كل تلك القدرة والآن الامتحان الثاني وما زلت أتعرف على جوانب جديدة من مشاعل..

لعل ما يزيد الألم أن الغدر وكل هذا السوء يكون من أقرب المقربين ممن لا يخطر على بال كائن من كان أنه يعاملك بهذه الطريقة ومن يفترض أن يحميك ولكن هذه الدنيا لا تؤمّن وأتذكر هنا:

وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهندِ

ما زلت أعيش بنعيم بفضل من الله والحمدلله على كل حال وكما قلت سابقًا ما ضافت إلا لتفرج. والخير ما زال في أكثر الناس إذ تواصل معي كثيرون ممن اشتروا كتبي بعد قراءتهم لقصتي على تويتر، حيث أني اعتدت على كتابة اسمي وتفاصيل شراء الكتاب ومراجعة. كلهم يريدون إعادتها لي ولكن رفضت ذلك.

مضى شهر، وأنا اليوم لست مشاعل قبل شهر.. الحياة لا تدوم على حال والمواساة فيما عند الله.

في الصورة ما تبقى من مكتبتي إذ ذهبت للحراج مكانها الأخير واشتريتها! اشتريت كتبي 😅 وهذا دفتر يومياتي الأول الجديد. ختام ٢٠٢٠ بحول الله هو البداية الحقيقية لحياتي.

3 آراء حول “الحياة من جديد

  1. كم من البدايات الجديدة التي كتبناها في دفاتر أعمارنا؟

    تُرى أتُشكّلنا البدايات الجديدة؟ بكل تأكيد نعم، معطياتنا تتغير ومفاهيمنا كذلك. ماذا عن مبادئنا؟ سؤال صعب لكننا نزعم أننا ثابتون عليها متمسكون بها، رغم أننا نتغيّر كل يوم.

    كلما نظرنا للخلف، بالكاد نعرف أنفسنا رغم شعورنا الأكيد بأننا لم نتغير. بأننا مازلنا بنفس البراءة ونفس الأمل. هذا لا يعني أننا لم نعد أبرياء؛ لكن لعل البراءة باتت بتعريفات مختلفة أدركناها من ألم الحياة!

    الحياة ليست مجموعة من المصادفات. كل ألم أو غدر أو جرح؛ له حكمة لا ندركها. قد يحطمنا ذلك لكننا ندرك بعد سنين أننا كنا نحتاج هذه الجرعة الشديدة من الألم كي نتلافى آلامًا أقوى في المستقبل. أن نكون أكثر صلادة،لعلنا حينها نحمي من يحتاج أن نكون أقوياء!

    اكتبي يا مشاعل… الكتابة حياة. ليست فقط لكِ لكن لكل من يقرأ حرفكِ. تلهميننا؛ و الإلهام حياة.

    لا أواسيكِ حزنًا عليكِ، وإنما تقديرًا لكِ.

    أنتِ قوية لأنكِ مستمرة في الكتابة وفي مواجهة الحياة.

    تحياتي 🌹

    أحمد

    إعجاب

  2. ألف سلامة عليك يا مشاعل.. لا أعرف ماذا أقول ولا أحبّ المواساة الباهتة

    لكني أعرف أنّك قوية وقادرة على تجاوز هذه الأزمة وغيرها أيضاً..

    ٍسلمك الله وحفظك وعوضك خيراً

    إعجاب

  3. مشاعل يا رهيبة🧡
    تأكدي أن من يقف هنا ليس شفوقًا بك أكثر مما هو محب لك و متذوق لكلماتك الصامدة و التي تهبنا بالمقابل شعور بالثقة أكبر و بالأمل، إني يا مشاعل لا أزكيك و لا أجامل، و لكني حقًا كلما نظرتُ لعزمك المحشور بين كلمة و أخرى، و بين خطوتك الشاهقة من سطر إلى آخر، لتبدئي قصة أمتن كلما لحظتِ داء ترهل يقترب إلى السطر الأول، أقول كلما أحسستُ بكل هذا وجدت تقديري لك يزداد عمقًا، يمكنني أن أقول لك بأن فصل الخطاب من كل هذا التعليق: يكفينا بك أنك تكتبين دون أن تدعي للضعف متسع، و كلما ملتِ عدتِ، كما غيمة، لا بد تمطر مهما تأخرت.

    ود عميق و قُبلة صادقة، و دعائي لك بكل توفيق و صمود، أنتِ قوية كالعادة، و المشاعل يا عزيزة تداعبها الرياح و لكنها لا تنطفئ، أبدًا لا تفعل؛ كوني بخير، و بقربنا دائمًا❤️️

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s